رمضان شهر عظيم، وخيره عميم، لكن فيه ما يُؤلِم ويَحُزّ في الخاطرِ، ففي الأُمة من لا يُحسّ بأنه قد مر به موسم تجارة أخروية، فهو باق على عجزه وخموله، مستسلم لفشله وكسله، يدخل عليه رمضان ويخرج وهو لم يُتاجِر ولم يُرابح، ولم يُسابق ولم ينافس، ولم يجاهد نفسه.
وإن شهر رمضان فرصة سانحة لعلاج الآفات، والتخلص من المعاصي والمخالفات وسيئ العادات، وما ذاك إلا لأنه شهر حمية وامتناع عن الشهوات وفضول المباحات، وفيه تخف النفوس إلى الطاعات، حيث لا تبصر إلا صائما أو قائما، أو راكعا أو ساجدا، أو قانتا أو قارئا، أو داعيا أو ذاكرا، أو منفقا أو متصدقا، فإذا صحب ذلك عزيمة صادقة لإصلاح النفس كانت النتيجة سعادة وراحة وانشراح صدر، وأما من لم تتحفز همته لعلاج نفسه في هذا الشهر، فليبك عليها بكاء طويلا، فإنه شقي محروم، في الحديث الذي رواه الترمذي قال صلّى الله عليه وسلم: “ورَغِم أنف رجل دخل عليِه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له”.
إن أهم وأحسن وأفضل ما يُعتنى به في رمضان الصلاة، نحن وأبناؤنا وأُسرنا على موعد مع فرصة رمضان كالطلبة أمام امتحان الفصل أو السنة، نحتاج إلى النصيحة والتوجيه ومعرفة الأهم الذي يركز عليه، فالمادة الأساسية في واجبات المسلم الصلاة، وفي رمضان تبقى الصلاة مادة أساسية، وذات تأثير كبير في إصلاح النفس، ومع ذلك نلحظ تقصيرا منا في الصلاة، فبعض الأبناء مضيعون للصلاة، وهم يكبرون يوما بعد يوم وهم على هذه الحال، ويشتد عودهم سنة بعد سنة والأولياء غير منتبهين لتفريطهم في الصلاة، كذلك بعض الشباب وبعض الرجال وبعض النساء، يتهاونون في أمر الصلاة، فقد يصلي أحدهم لكنه يصلي في بيته زاهدا في أجر الجماعة، بعضهم يصلي لكنه يجمع الظهر إلى العصر في وقت المغرب، ويصلي الصبح بعد طلوع الشمس، ينقر صلاته نقر الغراب، يوهم نفسه بأداء الواجب وحسب، وهذا في أحسن الأحوال، بينما بعضهم يصلي يوما ويترك الصلاة لأيام، بينما الصلاة أفضل ما يعتني به المسلم، وأهم ما يحرص عليه الصلاة، يحرص على وقتها، وجماعتها، وخشوعها، ويوصي بها، ويُذكر ويأمر بها. عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: “الصلاة لوقتها” رواه مسلم.
إن رمضان فرصة لمن أراد تحقيق نتائج عالية، وليس مكانا ومرتعا للكسالى أو لزيادة السيئات، إنه فرصة لكل نفس ضيعت الصلاة وحُرمت أجرها وثوابها بأن تلحق بأفواج المصلين في بيوت الله، فإما أن تخرج من رمضان وقد تصالحت مع جميع عباداتك وأولها الصلاة، وإما ستخرج منه مفلسا، فإن الصلاة هي عماد الدين، ويشتد أمر الصلاة في رمضان أن الأجر من رمضان يتأتى من الصلاة فيه، مما يجعلها أوفر نصيب المسلم، ومادته الأساسية، يقول الرسول صلّى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه” رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام: “من يقم ليلة القدر، إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه” رواه البخاري.
فهذه بشرى عظيمة للصائم، فلا تجعل أعاصير الفتن في رمضان تأخذك من الصلاة في المساجد، فإذا أتى عليك شهر رمضان لا تترك صلاة إلا أدّيتها في المسجد، فلا تصلها في بيتك إلا لعذرٍ شديد، ولتجعل من رمضان صلة ووثاقا وجسرا تتحصن به، كن مؤديا لصلاتك، لا تفرط فيها ما دمت تتنفس وتحيا، لا تغرك جماعة غير جماعة الصلاة، لا تنصرف عن جماعة الصلاة مهما كانت الدواعي، لا تستثقل صلاة التراويح فإن فيها الأجر العظيم، والتربية للنفس، والراحة للقلب، وقوة للإيمان، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: “ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف” رواه مسلم.
فاحرص على الصلاة وإياك والمجالس التي تنافس الصلوات، فإنها خفيفة على النفس لكنها ثقيلة الآثام، سعادتها للحظات لكن حسرتها والندامة بسببها طويلة، ليس فيها ربح بل خسارة لا تُعوّض ولا تُقدّر، ولو أن تاجرا لم يفتح متجره ليوم واحد في رمضان لظل يتحدث طول حياته عما فاته من ربح وما ناله من خسارة ذلك اليوم، فكيف لو علم ما يفوته من خير وأجر وثواب إذا فاته يوم من أيام رمضان.
*إمام مسجد الشهداء – بوروبة
الخبر
23/02/2026 - 22:06
الخبر
23/02/2026 - 22:06
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال