قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله: كنت أسمع عليا بن الحسين الواعظ يقول على المنبر: والله لقد بكيت البارحة من يد نفسي، فبقيت أتفكر وأقول: أيُّ شيء قد فعلَت نفسُ هذا حتى يبكي؟ فهذا رجل متنعِّم، له الجواري التركيات، وقد بلغني أنه تزوج في السر بجملة من النساء، ولا يطعم إلا الغايةَ من الدجاج والحلوى، وله الدخل الكثير والمال الوافر والجاه العريض والأفاضل على الناس، وقد حصّل طرفا من العلم، واستعبد كثيرا من العلماء بمعروفه، وراحتُه دائمة الندى، فما الذي يبكيه منها؟
فتفكرت فعلمت أن النفس لا تقف عند حدّ، بل تروم من اللذات ما لا منتهى له، وكلما حصل لها عَرَض بَرَدَ عندها وطلبت سواه، فيفنى العُمُر، ويضعف البدن ويقع النقص، ويرق الجاه، ولا يحصل المراد، وليس في الدنيا أبْلَهُ ممن يطلب النهاية في لذات الدنيا، وليس في الدنيا على الحقيقة لذة، إنما هي راحة من مؤلم.
فالسعيد من إذا حصلت له امرأة فمال إليها ومالت إليه، وعلم سترها ودينها أن يعقد الخنصر على صحبتها، وأكثر أسباب دوام محبتها ألا يُطلق بصرَه، فمتى أطلق بصره أو أطمع نفسه في غيرها، فإن الطمع في الجديد يُنَغِّصُ الخُلُق ويُنقص المخالطة، ولا يستر عيوب الخارج، فتميل النفس إلى المشاهد الغريب، ويتكدر العيش مع الحاضر القريب، كما قال الشاعر:
والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الحور موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحبا بسرور عاد بالضرر
ثم تصير الثانية كالأولى، وتطلب النفسُ ثالثة وليس لهذا آخِر، ومن لم يقبل هذا النصح تعثر في طرق الهوى وهلك على البارد، وربما سعى لنفسه في الهلاك العاجل، وفي العار الحاضر، فإن كثيرا من المستحسنات لَسْنَ بصينات، ولا يفي التمتع بهن بالعار الحاصل، ومنهن المبذرات في المال، ومنهن المبغضة للزوج وهو يحبها كعابد صنم.
*إمام مسجد عمر بن الخطاب - بن غازي - براقي
الخبر
21/06/2026 - 23:50
الخبر
21/06/2026 - 23:50
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال