اسلاميات

”مواجهة التطرف والإرهاب تبدأ بترسيخ الوسطية ”

بين تصاعد النزاعات وتنامي مظاهر الهشاشة الاجتماعية، يبرز دور رابطة علماء وأئمة الساحل كإطار يسعى إلى تعزيز ثقافة الحوار

  • 14
  • 4:24 دقيقة

في ظل التحولات السياسية والأمنية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، تتعاظم التحديات التي تمسّ استقرار المجتمعات وسلامها الاجتماعي، كما تلقي بظلالها على الخطاب الديني ودور العلماء في ترسيخ قيم الوسطية والتعايش. وبين تصاعد النزاعات وتنامي مظاهر الهشاشة الاجتماعية، يبرز دور رابطة علماء وأئمة الساحل كإطار يسعى إلى تعزيز ثقافة الحوار، وحماية الشباب من الاستقطاب، والمساهمة في بناء أفق تنموي يعيد الأمل إلى المنطقة. في هذا الحوار مع الأمين العام للرابطة الدكتور لخميسي بزاز، تتكشف رؤية الرابطة لواقع الساحل، ومسؤولياتها الراهنة، وآفاق عملها المستقبلي.

تشهد منطقة الساحل بؤرا سياسية وأمنية متوترة، كيف تنظرون إلى انعكاس هذه الأزمات على السلم الاجتماعي والدعوة الإسلامية؟
 تشهد منطقة الساحل حالة من اللااستقرار متعددة الأوجه، فحالة اللااستقرار السياسي أو الأمني الموجودة في المنطقة تتسبب في بروز ظواهر اجتماعية سلبية للغاية، تنعكس سلبا على الحياة العادية للمواطن في منطقة الساحل، لكنها أيضا تنعكس بالسلب على رسالة الإسلام، لأن هذه الصورة التي يحاول بعض الدعاة والعلماء والأئمة أن يبينوا صورة الإسلام الوسطي المعتدل الذي يرفض العنف والتطرف تجعل هؤلاء الدعاة في كل مرة في قفص الاتهام، فيحاولون أن يجيبوا على التساؤلات وأن يدافعوا عن حقيقة هذا الدين بأنه لا يتبنّى الأطروحات التي يطرحها الإرهاب، من خلال الجماعات التي تتبنى العنف باستعمال العامل الديني، دون أن تعرف الضوابط الشرعية لكثير من هذه التصرفات والأحكام التي تطلقها على المجتمعات. لا شك أن هذا الوضع من حالة اللااستقرار تنعكس سلبا على كل مناحي الحياة، ومنه الحالة الدينية، على اعتبار أن الدين في هذه المنطقة يمثل أحد العوامل المهمة والمهمة للغاية، وتعمل مختلف المؤسسات الدينية والشخصيات الدينية والرمزيات الدينية، خاصة الرمزيات الصوفية قوية جدا في المنطقة، للذود عن هذه القارة التي يحاول بعض الناس أن يشنوها على العقيدة الإسلامية، على اعتبار أنها هي التي تغذي هذه الظاهرة من حالة اللااستقرار، في حين أن الوضع بخلاف ذلك تماما.

ما مسؤولية العلماء والأئمة في تهدئة النزاعات وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش بين مختلف مكوّنات المجتمع؟
 النزاعات في هذه المنطقة من قارتنا الإفريقية ليس لها سبب واحد بل لديها أسباب كثيرة جدا، فالرابطة تحاول من خلال معرفتها للأسباب التي تقف ورائها النزاعات الكثيرة الموجودة في المنطقة أن تعمل على نشر ثقافة الحوار والتعايش بين مختلف مكوّنات المجتمع، والتي يحاول فيها بعض المتربصين بالمنطقة إذكاء النزاعات القبلية وإحياء النزاعات العرقية والثقافية، ثم أن الحكامة الراشدة مهمة جدا أيضا لتجاوز بعض الاختلالات الاجتماعية الموجودة في هذه المنطقة. والرابطة تحاول من خلال الأئمة والعلماء والوعاظ والمرشدين أن تبيّن بأن الإسلام يسمح ببروز حالة من التثاقف مع الآخر، ولكنه يسمح بوجود حالة من الحوار للجهد الذي يصنع المشهد والخير في هذه الأمة.

كيف تتعامل الرابطة مع تحديات الشباب، خصوصا في مجالات التعليم الديني، البطالة والاستقطاب الإيديولوجي؟
صحيح، الذي يرصد المشهد في منطقة الساحل يلاحظ بلا شك بأن من مظاهر هذا الإخفاق الموجود في منطقة الساحل أو من أبرز مظاهر الهشاشة الاجتماعية الموجودة في منطقة الساحل تلك التحديات التي تعترض شباب المنطقة، سواء تعلق الأمر في جانب التعليم أو فيما يتعلق بالبطالة أو بالاستقطاب الإيديولوجي، فعدد غير قليل من هؤلاء الشباب، مع الأسف، لا يستفيدون من التعليم الذي يستفيد منه الكثير من الناس في الدول النامية. الوضعية معقدة في بعض الدول الإفريقية، التعليم ليس متاحا لكل أفراد المجتمع، ثم إن عددا من هؤلاء الشباب الذين لم يتعلموا التعليم الديني الصحيح الذي يعطي للمتعلم الوقاية والمناعة هؤلاء الناس، مع الأسف، يصبحون بعد ذلك ضحايا سهلة لكي تستفيد الدعاية الإرهابية والتطرف منهم، فتحاول أن تجندهم في منظومتها الفكرية. فالرابطة تحاول أن تنشر العلم والمعرفة الدينية الصحيحة التي تجعل الشباب بعيدا وفي منأى عن هذه الدعاية الإرهابية والإيديولوجية التي يحاول أصحابها الاستثمار في منطقة الساحل والإساءة إلى مكونها الاجتماعي. كما أننا أيضا نحاول أن ننشر بعض الثقافة التي من شأنها أن تجعل شباب المنطقة يتجاوزون المخاطر التي تضرب المنطقة، خاصة حالة الفقر الكبير التي تعيشها بعض المناطق في الساحل الإفريقي. ومن هنا، فإننا نتحدث عن إمكانية الاستفادة من بعض التجارب المتعلقة بالزكاة والأوقاف، والتي من شأنها على بساطتها وأموالها البسيطة التي تُبذَل في هذا السياق، أن تفتح آفاقا لهؤلاء الشباب ومجالات لكي يؤملوا في هذه الحياة، لأن أبناء المنطقة يعيشون أُفُقا مسدودا، وحين يكون الأُفق مسدود فإن العقل سيُشَلّ عن التفكير، وسيكون هذا الإنسان أشبه ما يكون بالقنبلة الموقوتة التي يمكن تفجيرها في ساحات المجتمع المختلفة. إن عنصر الشباب الذي هو أحد عناصر القوة في هذه المنطقة بحاجة إلى أن يُعتنى به، حتى يستطيع بعد ذلك أن يؤدي دوره ومهمته في الحياة.

ما رؤيتكم لآفاق عمل رابطة علماء وأئمة الساحل في المستقبل؟
 أعتقد أن مستقبل الرابطة سيكون بحول الله تعالى مشرقا لأنها تنتمي إلى منطقة تتوسم بغد أفضل، وتريد أن تُلملم جراحها وأن تكفكف هذه الدموع والدماء الكثيرة التي تسيل بغير وجه حق في كثير من مناطقها. تحاول الرابطة أن تكون واحدة من الأدوات التي تطوي هذه الصفحة التي تسيء إلى المنطقة وإلى دينها وإلى تاريخها وإلى حاضرها وإلى مستقبلها، وننظر إلى أننا سنكون إن شاء الله جزءا من هذا الغد المشرق الذي ينتظر هذه المنطقة من العالم.

ما الرسائل الأساسية التي تودون توجيهها لشعوب المنطقة وصنّاع القرار؟
 الرسائل التي يمكن أن نوجهها إلى المنطقة قول “ما حكّ جلدك مثل ظفرك”، فلا يمكن لهذه المنطقة أن تنهض إلا بسواعد أبنائها، لا يمكنها أن تكفكف دموعها إلا بأيدي بعض إخوانها. يجب أن ننظر إلى التحديات نظرة جادة، وأن نواجه إخفاقاتنا بكل مسؤولية. نحن بحاجة إلى عقل راجح، نحن بحاجة إلى أن نستعمل الذكاء الإفريقي في معالجة المشكلات الإفريقية، نحن بحاجة إلى أن نستخدم ثرواتنا وما أكثرها في النهوض بمنطقتنا. يجب أن نتحرر في أذهاننا وفي عقولنا وفي واقعنا من كثير من صور التبعية للآخر، كما تحررت الأراضي بفضل تضحيات الصادقين من أبناء المنطقة، من نير الاستعمار، وأن مستقبلنا لا يصنعه إلا أبناؤنا.