الأجواء الآخذة في التشكّل بساحة الشهداء ومحيطها المشكّلة للقصبة السفلى، تسير في اتجاه تحويل الساحة التاريخية هذه ومحيطها المشكّل من عدة أزقة (زنقة العرايس، جامع اليهود، دار عزيزة، دار باشطارزي، بوزرينة، باب عزون ..إلخ) إلى مسلك سياحي يتم ربطه بالمنتزه البحري (ميناء المسمكة) ليكتمل مع الواجهة البحرية الممتدة على نحو 50 كم، أنه مسلك سياحي يتفوق على مسالك مماثلة في برشلونة ونابولي لأنه يحمل جزء من ذاكرة الجزائر.
الداخل إلى محيط ساحة الشهداء بقلب العاصمة، واحدة من أبرز الساحات التي توثق مرور النوميديين والرومان والعثمانيين وتعايش فوقها المسلمون واليهود والنصارى، يقف على مشاهد الطرقات التي أصبحت خالية من الباعة المتجولين وكيف أصبح الناس يتحركون ويسيرون بانسيابية وسهولة أكثر عبر أبرز أزقة وشوارع الساحة ومحيطها، وعاد الهدوء ليملأ المكان بعد أن اختفى الضجيج الذي كان يخنق المنطقة وأوصالها لتدرك ساحة الشهداء سلام الصلح وتشرع في التواصل مع الرموز المشكلة لذاكرة المكان.
نهاية الفوضى..
فالزائر لزنقة العرايس التي تشهد اليوم عملية ترميم لشريط عمارات حي بوزرينة، يندهش من حالة الهدوء التي باتت تخيم على المكان بعد أن كان المارة يجدون صعوبة في عبور الشارع من فرط الفوضى التي فرضها الباعة أصحاب الطاولات على المكان، رغم أن المنطق ذاك يصنّف ضمن الاعتداء على القانون وعلى حفظ النظام العام.
أجواء الهدوء تلك تملأ الآفاق في زنقة جامع اليهود وساحة جامع كتشاوة ودار عزيزة ودار باشطازي وباب عزون، فأينما ولّيت وجهك لن تجد بائعا متجولا ولا طاولة، لا شيء على الإطلاق، بعد أن عسكرت دوريات لعناصر الشرطة في زوايا كل زنقة، تأهّبا لردع كل محاولة لخرق سلاسة وانسيابية حركة الناس بتلك الأزقة والشوارع والساحات التي استعادت جاذبيتها. ففي حدود الساعة منتصف النهار كان محيط دار عزيزة وجامع كتشاوة ودار باشطارزي يستقبل تدفّق سياح من جنسيات مختلفة في مشهد يبشر بانفراج آفاق الصيرورة المستقبلية لقطاع السياحة بالعاصمة.
حالة الهدوء تلك كانت بمثابة برد وسلام على العاصميين المجاورين لساحة الشهداء ممن قال لنا بعضهم، إن ذلك كان ضمن مطالبنا منذ نحو ثلاث (3) عشريات. ويقول سعيد أحد أبناء زنقة العرائس "إن والي العاصمة سنة 2005 نزل عند مطالبنا وقام بفرض النظام العام بهذه الأزقة والشوارع والساحات بإنهاء الفوضى التي يخلقها الباعة الفوضويون.. لكن بمجرد إنهاء مهامه عاد الوضع إلى سابق عهده.."، قبل أن يضيف "نأمل أن تعمل السلطات على نحو جدي هذه المرة وتنهي الفوضى بهذه ألاماكن بشكل نهائي.. خصوصا وأن هذا المحيط المشكّل لساحة الشهداء، كما نعلم، هو مسلك سياحي منذ القدم، لأنه امتداد للقصبة السفلى..".
ويشير رشيد المقيم قبالة دار باشطارزي إلى ملابسات عديدة تسهم في إشاعة أجواء الفوضى التي يشكلها الباعة المتجولون، وقال "هناك سماسرة الربح السريع ممن يقطنون هنا بساحة الشهداء، يقومون بإيجار عدة أماكن بوجه غير حق لأصحاب الطاولات.. أعتقد أن الدولة يجب أن تضرب بيد من حديد لإنهاء الفوضى التي سادت المكان".
في غمرة الأجواء تلك، كانت الأشغال داخل الجزء المسيّج من ساحة الشهداء تسير على نحو بطيء في وقت كان فيه بعض الفضوليون يتساءلون عن موعد إنهاء الأشغال، ولو أن المجسم المرسوم على السياج يشير إلى أن الأشغال ستستغرق 10 أشهر.
والحاصل أن الأشغال الجارية بالجزء المسيج من الساحة الممتدة على نحو 8000م2، تشمل رد الاعتبار للتراث التاريخي والتطوير الحضري، فهي تهيئة تندرج ضمن تطوير وعصرنة العاصمة مع الحفاظ على طابعها التاريخي والأثري، أي إنجاز شبه متحف أرضي لعرض الآثار الموجودة.
حتى تعانق المدينة البحر..
واستنادا لأقوال أحد التقنيين العاملين بالورشة، فإن الأشغال الجارية تهدف إلى تثمين الآثار التي تم اكتشافها، سواء كانت رومانية أو إسلامية المعبّرة عن هوية الموقع وإنجاز فضاءات عمومية لفائدة الزوار أو المواطنين وتحديث الساحة من جانب غرس أشجار، مساحات خضراء، أي تعزيز الجاذبية السياحية للساحة لتكون بوابة ومدخلا للقصبة.
وتسير الأشغال حاليا تبعا للمخطط الأزرق الهادف إلى تحويل العاصمة لمدينة حديثة، إلى ربط ساحة الشهداء بمنتزه ميناء المسمكة عبر ممرات علوية زجاجية حديثة فوق البقايا الأثرية وإنجاز شرفة مطلّة على البحر وموقف للسيارات يتسع لـ 400 مركبة، ولو أنها أشغال تسير بريم بطيء، كما يتم ربط الساحة بالمنتزه البحري عبر إنجاز مصاعد وسلالم متحركة، في وقت يرتقب فيه تحويل les votes))، محلات في شكل أقواس إلى فضاءات ثقافية وتجارية كونها تشكّل واجهة معمارية مميزة.
ساحة بميزة خاصة
وتسير خطة ربط ساحة الشهداء بالبحر ضمن مسعى إنشاء مسار سياحي يربط القصبة بساحة الشهداء والميناء للحصول على فضاء متكامل. ويشير بعض المهندسين المشتغلين في مجال التخطيط الحضري إلى أن معالم مثل القصبة، ساحة الشهداء، المنتزه البحري (الميناء) شبيهة ببعض المعالم الموجودة بكل من مدينتي نابولي بإيطاليا وبرشلونة بإسبانيا، ولو أن المعالم الجزائرية تتفوق بعدة نقاط كونها تنفرد بخصوصية المزج بين التراث التاريخي (الفترة النوميدية، الرومانية.. العثمانية)، خصوصا وأن ساحة الشهداء، يقولون عنها، أنها تشبه ساحة (بلازا مايور) بمدريد بإسبانيا كونها مركزا حضريا يجمع بين التاريخ والأنشطة الاجتماعية، ولو أن ساحة الشهداء تنفرد بخصوصية ذاكرتها، إذ تعايش فوقها المسلمون واليهود والنصارى، ما يجعل منها رمزا للتنوع الثقافي الجزائري، مما يكسر كل الطروحات المسيئة، بل هو بلد احتضن كل الجنسيات وكان له امتداد فاعل في البحر المتوسط.
البحر.. صديق يومي
فعندما تكتمل أشغال ربط الساحة بالميناء (شرفات ومصاعد وسلالم) التي تتولاها الشركة الوطنية كوسيدار، سيصبح البحر جزء من الحياة اليومية للعاصميين وباقي الزوار، لتتحول العاصمة بهذا المسلك السياحي (القصبة، ساحة الشهداء، الميناء، المنتزه) مدينة متوسطية بامتياز، في وقت يهدف فيه المخطط الأزرق إلى تعزيز الجاذبية السياحية للعاصمة عبر فتح الواجهة البحرية التي يرتقب أن تمتد من الصابلات إلى الرغاية على نحو 50 كم، ولا سيما في ظل تواصل إنجاز طريق بحري للراجلين من الصابلات إلى تامنفوست (لابيروز سابقا)، بل يمكن للساحة أن تحتضن مهرجانات دائمة لتعزيز الجدب السياحي ما يجعلها قلبا نابضا للمدينة.
تنشيط الاقتصاد
ويمكن لهذا المسلك السياحي أن تكون له ارتدادات إيجابية على واقع الحياة اليومية بالعاصمة من نحو تنشيط الاقتصاد المحلي الذي قد يتجلى في سلسلة المطاعم والمقاهي وحرف تقليدية تستقطب الزوار، خصوصا وأن القصبة وساحة الشهداء ومحيطها الذي تستوي فوقه عدة رموز عمرانية كدار عزيزة ودار باشطارزي وجامع كتشاوة، تشكل جزء من ذاكرة مدينة الجزائر وهويتها.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال