عنابة وسوق اهراس: مبعوث "الخبر" نوار سوكو
الزائر للمعالم والآثار التاريخية الرومانية بمدينتي عنابة وسوق اهراس، على مقربة من الحدود التونسية بوسعه اكتشاف عمق الهوية الجزائرية، فعلى تلك الأراضي يتقاطع التاريخ مع الدين والثقافة، مشكلا إرث القديس الفيلسوف الروماني سانت أوغسطين الذي مازال حاضرا بجزائريته في ذاكرة المكان الذي احتضن طفولته وشبابه. فقد كانت جولتنا بمثابة تجربة كشفت لنا أن هذه الوجهة من شرق الجزائر، هي أرض حضارات وأن أوغسطين هو رمز عالمي يربط بين الماضي والحاضر، لذلك يفترض اليوم بث الروح في معالمه وآثاره لتفعيل قيمه وجزائريته "كن ما شئت ولكن كن إنسانا".
من على هضبة بسيدي إبراهيم، ينهض الصرح المعماري الشامخ للكنيسة الكاثوليكية للقديس سانت أوغسطين أو كما يسميها العنابيون "لالة بونة"، مطلا على البحر المتوسط، جاعلا من مدينة عنابة (هيبون سابقا)، نموذجا للتعايش بين الديانات في حوض المتوسط.
الكنيسة.. مزار للسياح
فمن قلب المدينة، بوسعك المشي لنحو 500م للوصول إلى موقع الكنيسة الكاثوليكية التي يقال إنها بنيت بين عامي 1881 و1900م، إبان الحقبة الاستعمارية، إنها طراز معماري غاية في الجمال يجمع بين الطراز الروماني والبيزنطي والموريسكي يجمع بين ثقافات الشرق والغرب، فيما يتشكل محيطها من حدائق ومساحات خضراء، إذ يقع هذا الصرح (الكنيسة) فوق هضبة أثرية مرتبطة بمدينة هيبون القديمة التي عاش فيها القديس سانت أوغسطين بين القرنين الرابع والخامس الميلادي.
بل كان هذا الموقع مركزا دينيا وفكريا للقديس أوغسطين، تبعا لما تشير إليه مراجع تاريخية، أين كان يشغل منصب أسقف مدينة (هيبون)، (عنابة حاليا) من 395 إلى 430م.
فإذا زرت الكنيسة قادما من قلب المدينة عنابة، يقابلك التمثال البرونزي لأوغسطين الذي ينهض هو الآخر كصرح شاهق يطل على زرقة البحر المتوسط، قبل الوصول إلى بهو الكنيسة.
ومع أن الكنيسة الكاثوليكية للقديس أوغسطين عرفت عملية ترميم وإعادة تأهيل عام 2013، إلا أن ما وقفنا عليه، هي أشغال التهيئة والترميم التي كانت جارية على نحو متواصل في محيط الكنيسة والمداخل الموصلة إليها، كالسلالم وطلاء وتأهيل بعض الجدران وتزيين بعض الساحات في مساع حثيثة لجعل الكنيسة في أبهى حلة قبل الزيارة المرتقبة لبابا الفاتيكان في 13 من شهر أفريل.
ومع ذلك كان الزوار يتوافدون ويتهافتون على أخذ صور لهم في محيط الكنيسة كما لو أنهم في سباق مع الوقت، بينهم تلاميذ وأطفال المدارس والثانويات والجامعات القادمين من ولايات مجاورة، وهم الذين يرون في الصرح المعماري للكنيسة معلما سياحيا ينبغي أن يكون له امتداد في مخيلتهم الاجتماعية.
جزء من ذاكرة المدينة
يحدث ذلك في وقت صرّح لنا بعض من أبناء مدينة عنابة، أن القديس أوغسطين هو جزء من الإرث التاريخي المشترك، بل هو جزء من الذاكرة الجماعية لمدينتهم وأنهم لا يرون أي حرج في المشاركة في احتفالات أعياد الميلاد والفصح أو عيد القديس أوغسطين المصادف لـ28 من شهر أوت من كل عام وهو احتفال مركزي يضم قداس كبير ومحاضرات روحية وزيارات حج للكنيسة التي تقيمها الكنيسة، بروح من الاحترام والتعايش وذلك على نحو يبرز الكنيسة على أنها الوجه الآخر للتعايش والتنوع الديني في عنابة.
بل وأبعد من ذلك، حسب نسيم، وهو إطار بإحدى المؤسسات، أن الكنيسة أضفت طابعا سياحيا على المدينة وباتت نموذجا للتعايش بين الديانات والحضارات، فيما يشير أحد المشتغلين بالكنيسة إلى أن المؤسسة الدينية هذه تحولت إلى نقطة جذب للزوار المسيحيين من أوروبا وأمريكا اللاتينية وحتى آسيا كونها مرتبطة بفكر القديس أوغسطين، حيث يتم تنظيم جولات سياحية تشمل الموقع الأثري تقدم فيها شروحات عن تاريخ الكنيسة والتعريف بالقديس واكتشاف التاريخ المسيحي بشكل عام، في مؤشر واضح إلى أنها زيارات تنعش الجانب التجاري في المقاهي والمطاعم والأسواق والفنادق.. واكتشاف هذه المدينة المتوسطية، إذ يوجد في عنابة ما لا يوجد في مدن شرق البلاد، تناقضاتها وبحرها وساحاتها أضفت عليها ميزة خاصة جعلت منها محجا لساكنة مدن شرق البلاد. بل هي مدينة تتوفر على إمكانات الانفتاح على مستقبل واعد في حوض البحر المتوسط، لها مطار دولي وميناء تجاري وطرق برية باتجاه تونس، إذ كان يفترض الترويج لوجهتها خدمة لـ"الجزائر وجهة سياحية".
الموقع الأثري لأوغسطين..
من الكنيسة الكاثوليكية للقديس أوغسطين، بوسع الزائر الوصول إلى الموقع الأركيولوجي (الموقع الأثري) للكنيسة مشيا على الأقدام، هذا الموقع المرتقب أن يكون واحدا من المحطات في زيارة بابا الفاتيكان، هناك تنام مدينة أثرية توثق لحياة القديس أوغسطين الفكرية والمسيحية، لأنه يعدّ من أهم المعالم التاريخية والدينية بالجزائر، إنها المدينة (هيبون سابقا) التي عاش بها سانت أوغسطين، فإذا تجولت بها تشتم رائحة التاريخ من بقايا مسارح وحمامات وشوارع رومانية وساحات. إذ تشير مراجع تاريخية إلى أن هذا الموقع شهد أحداثا تاريخية مثل حصار المدينة خلال غزو الوندال لشمال إفريقيا، كما يعتبر موقعا أثريا يتيح للزائر اختبار تجربة تجمع بين المناظر الطبيعية الخلابة والثقافة يقصده السياح لاكتشاف التاريخ الروماني المسيحي.
متحف يروي قصصه في صمت
بإمكان الزائر زيارة المتحف الذي يحتفظ بتماثيل للقديس أوغسطين وأصدقائه ممن طبعوا الحقبة الرومانية في مدينة هيبون وشواهد لمعابد وقطع أثرية دينية، بل يمكن التجوال في قاعاته للتعرف على القطع والشواهد المعروضة، فالموقع الأركيولوجي هو بطاقة هوية للحقبة الرومانية، ينظم من مناسبة لأخرى أنشطة ثقافية لتعريف الزوار بتاريخ الجزائر والقديس أوغسطين، إنه فضاء يجمع بين البعد الديني وبين الجانب السياحي والثقافي، خصوصا وأن بعض الأعوان المشتغلين بالموقع يقولون إن هذا الفضاء الأثري بات يستقطب إليه زوارا من كافة بقاع العالم، في مقدمتهم أمريكا وبولونيا.. ولا يتخلف عن زيارته القادمون من ولايات الجزائر، بل هو وجهة مفضلة لطلبة وأطفال المدارس أثناء العطلة الدراسية.
بل ويرتقب، استنادا لجدول أعمال زيارة البابا إلى مدينة عنابة، أن تشمل ملاقاة أعضاء عمادة سانت أوغسطين داخل الكنيسة، ممن يلعبون دورا دينيا واجتماعيا مهمّا، فهم يتبعون تعاليم سانت أوغسطين ويعكفون على الصلاة والتأمل والتعليم، مستلهمين ذلك من قاعدة "نفس وروح موجهةإلى الله"، المجسدة لحب الله وطلب قربه والبحث عن الحقيقة ووحدة الكنيسة، أما من الناحية الاجتماعية، فينحصر دورهم في العمل الخيري كمساعدة الفقراء والمساعدة التربوية والصحية للسكان في مناطق الظل والمساهمة في مبادرات السلام والتواصل بين الثقافات ونشر فكر القديس أوغسطين.
إرث مسيحي عريق..
وتشير بعض الدوائر السياسية المهتمة بزيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، إلى أن اهتمام البابا بزيارة هذا البلد، لا يرتبط فقط بالتاريخ المسيحي القديم، رغم كونه من أتباع الرهبنة الأوغسطينية دون منازع، بل هو اهتمام مرتبط باعتبارات دينية أخرى وجيوسياسية وثقافية، بل يرى أن الجزائر يمكن أن تقدم نموذجا للحوار بين الإسلام والمسيحية، خصوصا وأن الخطاب الرسمي الجزائري ركز في السنوات الأخيرة على أهمية العيش المشترك والتسامح الديني.
بينما يقول محللون إن موقع الجزائر الإستراتيجي في إفريقيا، يجعل منها دولة محورية، كونها أكبر دولة في إفريقيا مساحة ولها تأثير في منطقة الساحل والصحراء وتربط بين أوروبا وإفريقيا، وعلى هذا النحو تحذو البابا إرادة في تعزيز علاقاته مع دولة مؤثرة في الاستقرار الإقليمي وهي التي تزخر بإرث مسيحي عريق مرتبط بتاريخ شخصيات مهمة مثل سانت أوغسطين. بل ويقولون إنه في ظل الأوضاع الدولية التي تعرف حالة اضطراب، يكون البابا قد فكر في الإرث الدبلوماسي للجزائر الذي جعل منها بلدا فاعلا في الوساطات الدولية، طالما أنه بلد عرف بوساطاته في إفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما ينسجم مع توجهات الفاتيكان الرامية إلى تعزيز دور السلام وحل النزاعات.
ومع ذلك، فإنه مهما كانت قراءات البعض والبعض الآخر، فإن زيارة البابا إلى مدينتي الجزائر وعنابة ستسهم في إبراز الدور الحضاري للجزائر وتساعد على إظهار التعايش الحاصل في هذا البلد بين المسلمين والمسيحيين، ما يجعلها زيارة تاريخية ترد على بعض التقارير المتحاملة التي لا تتردد من مناسبة لأخرى في رسم لوحة قاتمة عن الحريات الدينية، ما يعني أنها ستسهم في تحسين صورة الجزائر دوليا وتذيب مزيدا من الجليد أمام الملايين من المسيحيين الكاثوليكيين ممن يرغبون في زيارة الجزائر.
من (هيبون سابقا) عنابة حاليا، واصلنا الرحلة إلى (تاغاست سابقا) سوق اهراس، مسقط رأس القديس أوغسطين (354م)، الواقعة على بعد 600كم إلى شرق العاصمة، غير بعيد عن الحدود الجزائرية التونسية، فعلى أرض هذه الولاية، لا تزال تنام شواهد تاريخية تتمثل في آثار وقصور وأضرحة لحضارات مرت من هناك، كالحضارة النوميدية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.
زيتونة القديس.. مزار للسيّاح
في هذه المدينة، لا تزال شجرة الزيتون المنسوبة للقديس أوغسطين، تشكل معلما شامخا رفقة الموقع الأثري، تروي في صمت طفولة هذا العالم الفيلسوف. فالزائر لموقع الزيتونة الواقعة على بعد عشرات الأمتار عن قلب المدينة، يكتشف أيضا موقعا أثريا لأوغسطين.
هذا الموقع المحتضن لشجرة الزيتون يقع خلف مبنى حول إلى فرع بلدي، وتقول آخر الأصداء المنعكسة من محيط ولاية سوق اهراس، إن الترتيب جار لتحويل هذا الفرع البلدي إلى فندق يحمل اسم الزيتونة، أسوة وتشريفا لابن الجزائر القديس المفكر سانت أوغسطين، خصوصا وأن هذا الانشغال كان رفعه النائب بالبرلمان عن ولاية سوق اهراس، محمد فوزي، في وقت سابق، وقال "إننا نطالب بالإسراع في إنجاز فندق زيتونة القديس أوغسطين، ذلك في أعقاب الحلم الذي يراود آلاف الكاثوليكيين المسيحيين في زيارة الموقع.
فإذا اقتربت من شجرة الزيتون الذي يحظى المكان المتواجدة فيه بالحماية والاهتمام وهي التي تعرف بـ"زيتونة أوغسطين"، تجدها شجرة تبدو عليها آثار قدم عمرها ولاسيما إذا تأملت جذعها الذي اعترته شقوق وآثار الأزمنة المتعاقبة، ومع ذلك لا تزال شامخة تقاوم عناصر الطبيعة، كما لو أنها تلهم زوارها قيم الصمود والمقاومة والصبر. تعتبر من أقدم الأشجار في المنطقة، شاهدة إلى غاية اليوم على الحقبة الرومانية، تحكي في صمت تفاصيل طفولة أحد أبرز المفكرين في تاريخ المسيحية والفلسفة الغربية، القديس سانت أوغسطين، لذلك هي معلم ثقافي وروحي يربط الماضي بالحاضر.
لم تصنف بعد..
هذه الشجرة رغم الإرث التاريخي والثقافي والروحي الذي تحمله لم يتم تصنيف موقعها بعد في السجلات الوطنية ولا من قبل منظمة اليونسكو على نحو ما تم تصنيف بعض المناطق الأثرية والبحيرات والمحميات في الجزائر. فمنظمة اليونسكو أقرت اليوم العالمي لشجرة الزيتون في سنة 2019 ويحتفل به يوم 26 نوفمبر من كل عام اعترافا بدورها كرمز عالمي للسلام، إلا أن موقع "زيتونة القديس أوغسطين" مازال ينتظر التفاتة من هذه الهيئة الدولية.
مزار روحي وثقافي..
وينظر أبناء سوق أهراس اليوم لشجرة الزيتون التي ارتبط اسمها باسم أوغسطين الذي ولد في (طاغاست)سنة 354م، ويقال إنه كان يجلس تحتها وهي الواقعة داخل موقع أثري مسيّج بجدران، على أنها جزء من ذاكرتهم الجماعية ورمز للاستمرارية التاريخية، كونها تذكرهم بتاريخ منطقتهم الممتد في الحقبة الرومانية وبالتالي فهي عامل إثراء للهوية الثقافية، لذلك فهي شجرة بمثابة معلم ثقافي وروحي.
من أمام جذع شجرة الزيتون، تقابلك جدارية تحمل صورة القديس أوغسطين وعلى بعد سنتيمترات منه ينهض مبنى كتب بالقرب من مدخله "الموقع الأثري".
هذا الموقع يتمثل في متحف القديس أوغسطين يضم معروضات مثل لوحات نحاسية تجسد مسار حياته الدينية والفلسفية إلى جانب ألواح وصور مرتبطة بعائلته ورفاقه.
ففيما تجسد هذه اللوحات النحاسية مراحل حياته منذ طفولته في طاغاست، كأحد أباء الكنيسة الكاثوليكية، تمثل الألواح والصور علاقاته الإنسانية والروحية، خصوصا وأن المتحف أنشئ بتقنيات حديثة خلال عملية الترميم التي شهدها سنة 2005 بالتعاون مع بلدية أوستي الإيطالية التي يتواجد بها ضريح أمه القديسة مونيكا. ومن الساحة الصغيرة التي تحتضن الشجرة يمكنك النزول إلى أسفل الموقع عبر رواق محاط بالجدران، وهناك تعثر على منزل أوغسطين وضريح سيدي مسعود، ما يجعله مجمعا سياحيا متكاملا. إنه متحف يوثق حياة القديس ويثري وجهة سوق اهراس كمقصد سياحي عالمي يجمع بين التاريخ المحلي الجزائري والإرث المسيحي العالمي.
طفولة تميل للعب..
ففي (طاغاست سابقا)، سوق اهراس حاليا، قضى القديس سانت أوغسطين طفولته، تبعا لما تشير إليه مراجع تاريخية، وهو الذي ينحدر من أسرة متوسطة، كان والده باثريكيوس وثنيا في البداية، فيما كانت أمه مونيكا مسيحية متدينة، ويقال إن تأثيرها كان كبيرا على حياته. ففي (طاغاست) تعلم القراءة والكتابة واللغة اللاتينية.
وتشير المراجع تلك، إلى أن طفولته كانت مزيجا بين التعليم الكلاسيكي الروماني والتأثير الديني من والدته ونزعة إلى اللهو واللعب، بدليل أنه لم يكن شديد الالتزام بالدراسة في صغره واعترف بذلك في كتابه "الاعترافات"، بل إن من أشهر القصص التي ذكرها في طفولته حادثة سرقة الكمثري رفقة أصدقائه، ليس بدافع الجوع ولكن بداعي العبث واللعب ومع ذلك أظهر منذ صغره، ذكاء، مما اضطر عائلته لإرساله لمواصلة الدراسة بمدينة مادور (مداوروش حاليا).
أصبحت معروفة لدى الكاثوليكيين..
ما عرفناه من لدن بعض ساكنة مدينة سوق اهراس، أن موقع زيتونة القديس أوغسطين، تحول منذ مدة إلى نقطة جذب للسياح الكاثوليكيين، ويقول أمين -أحد أبناء المدينة- "زيتونة القديس أوغسطين والموقع الأثري يزورها المئات من السياح الكاثوليكيين عبر العالم سنويا ولاسيما من أوروبا على مدار العام لأنها عنصر جذب روحي وثقافي، لأن القديس كان يتعبّد ويدرس تحتها..".
وراح موقع زيتونة القديس أوغسطين من يوم لآخر في غمرة تزايد الإقبال عليه، يحتل مكانة في مخيلة أبناء مدينة سوق اهراس ممن يتطلعون إلى ترقيته إلى مسلك سياحي يقدم قيمة مضافة للمدينة.
وينظر بعض العارفين للشأن السياحي إلى موقع زيتونة القديس أوغسطين إلى أنه سجل انتعاشا من جانب عدد الزوار ولاسيما بعد عملية ترميم الموقع التي شملت متحف القديس من قبل بلدية أوستي الإيطالية بالتعاون مع ولاية سوق اهراس وكذا انتخاب بابا الفاتيكان الجديد المنتمي إلى الرهبنة الأوغسطينية، مما حول الموقع إلى مزار روحي وثقافي يتقاطع فوقه التراث المحلي الجزائري مع الإرث المسيحي العالمي. إذ أن انتخاب هذا البابا المنتمي للرهبنة الأوغسطينية زاد إلى حد ما في الاهتمام الإعلامي والدولي بموقع شجرة زيتون أوغسطين.
بولونيا وأمريكا في المقدمة..
ولعل أبرز الجنسيات الأكثر توافدا على الموقع، حسب مصادر لها صلة بقطاع السياحة، نجد الفرنسيين والإيطاليين خصوصا وأن مساهمة بلدية أوستي في الترميم عزز إلى حد ما تواجد السياح الإيطاليين بالموقع، ناهيك عن تواجد ضريح القديسة مونيكا أم القديس بهذا البلد، ثم الإسبان بحكم التواجد الكبير للفكر اللاهوتي الأوغسطيني في الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية ثم الألمان وبولونيا والولايات المتحدة الأمريكية.. وأخرى من أمريكا اللاتينية وآسيا.. إلخ.
فمن موقع شجرة الزيتون بقلب المدينة سوق اهراس يمكن للزائر الانتقال إلى مدينة (مادور سابقا)، مداوروش حاليا، الواقعة على بعد نحو 45كم عن مدينة سوق اهراس. إذ تجمع جل المراجع التاريخية على أن القديس سانت أوغسطين انتقل إلى مدينة مادور يوم كان سنه نحو 17 عاما، أي وهو في ريعان شبابه من أجل مواصلة دراسته بعد أن أنهى تعليمه الأولي في طاغاست التي ولد بها (مدينة سوق اهراس).
أوغسطين ومداوروش..
كانت مادور تتوفر على جامعة، تعدّ من أقدم المراكز التعليمية في شمال إفريقيا خلال العهد الروماني، كان التعليم بها مركزا على تعليم البلاغة والأدب اللاتيني والفلسفة والقانون وعلم النفس، فهي جامعة ارتبطت باسم الفيلسوف الرماني ابوليوس صاحب كتاب الحمار الذهبي، إذ أن دراسة القديس بها مكنته من صياغة كتاباته اللاهوتية والفلسفية.
وتشير المراجع التاريخية تلك، إلى أن أوغسطين تأثر بالفيلسوف شيشرون إلى جانب أفلوطين وبورفيريوس ممن شكلوا رؤيته إزاء الروح والزمن، ويقال إن كتاب هورطانسيوس لشيشرون، ألهم أوغسطين للبحث عن الحقيقة والفلسفة كطريق للحكمة، لذلك شكل نقطة تحول في حياته. كما وجد في الكتاب المقدس العمق الروحي الذي كان يبحث عنه.
وبوسع الزائر للموقع الأثري مادور (بمداوروش حاليا)، أن يقف على أثار مبان ومسرح ونقوش وساحات.. إلخ، أي شواهد على أن الموقع كان مكانا يحتضن النخبة الفكرية والفلسفية.. ولم تتعد مدة دراسة أوغسطين بمادور، ثلاث(3) سنوات، قبل أن ينتقل إلى قرطاج بتونس.
ترقب لترقية المواقع المذكورة..
وترتقب مصادر شغلت مناصب في السلك الدبلوماسي أن تسهم زيارة بابا الفاتيكان للجزائر المرتقبة يوم الـ13 من شهر أكتوبر، أن تعطي جرعات أوكسجين للكنيسة الكاثوليكية بشكل عام بالجزائر والمواقع التابعة لها من جانب أنها ستفتح اهتماما دوليا بموقع "زيتونة القديس أوغسطين"، ما يجعل الموقع ضمن المواقع الشهيرة لدى الكاثوليكيين ممن سينكسر الجليد أمامهم لزيارة الجزائر.
ويمكن أن يقود هذا الوضع السلطات الجزائرية إلى الاستثمار في الموقع وترقيته إلى مسار سياحي قادر على تقديم قيمة مضافة للجزائر "وجهة سياحية"، خصوصا وأن المذهب الأوغسطيني معروف بانتشاره في جنوب شرق آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، بل وقد يقود الوضع إلى عقد شراكات مع مؤسسات دينية أو ثقافية أوروبية لترقية المواقع تلك بإنجاز بنى تحتية تخدمها، كإنجاز طرق ومداخل تؤدي إليه ومساحات وفضاءات للزوار وتثبيت شاشات عرض رقمية وغرس أشجار.. حدائق.
وخلاصة القول، إن موقع "زيتونة القديس سانت أوغسطين، الأب الأكبر للكنيسة الكاثوليكية والمفكر العالمي، هو أيضا يمثل الوجه الآخر للجزائر، يستحق أن يستعيد حقوقه بالنظر للقيم الإنسانية التي أتى بها، لذلك فإن هذا الموقع يفترض أن يتحول إلى مركز حضاري إشعاعي ثقافي، والأمر نفسه بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية في عنابة التي تعدّ هي أيضا الوجه الآخر للجزائر المتعددة الضاربة في عمق التاريخ، فكما تعايش على أرضها بالأمس أجناس متعددة، فإن هذه الكنيسة قادرة على أن تكون جسرا ونموذجا لمد جسور تعايش جديدة انطلاقا من تفعيل القيم الإنسانية التي أتى بها سانت أوغسطين، أي الاستثمار فيه لتسويق صورة الجزائر التي مازالت وفيّة لقيمه، "كن ماشئت ولكن كن إنسانا".
شخصيات جزائرية التقت أحبار الفاتيكان
الجزائر واحدة من الدول النادرة التي لديها منشطين جزائريين من أجل الحوار والتعايش والتسامح بين الأديان والثقافات، كالأمير عبد القادر الجزائري.
وقد برزت عدة أسماء جزائرية في مسيرة الحوار الإسلامي المسيحي في الشرق والغرب، منذ عدة عقود، أبرزهم الدبلوماسي الجزائري حفيد الأمير عبد القادر إدريس الجزائري، والوزير الدبلوماسي الأستاذ مصطفى شريف، وصاحب المبادرة الأممية لليوم العالمي "العيش معًا في سلام" الشيخ خالد بن تونس، وعميد مسجد عثمان بمدينة ليون الفرنسية الدكتور عز الدين قاسي، وعميد المسجد الكبير في ليون الشيخ كمال قبطان، وعميد مسجد باريس الكبير الأستاذ شمس الدين حفيز، وغيرهم.
شهدت اللقاءات التي جمعت بين عدة شخصيات علمية جزائرية وأحبار الفاتيكان الأربعة الأخيرين وهم: البابا بولس يوحنا الثاني، البابا بينيديكت السادس عشر، البابا فرانسيس، وأخيرا البابا ليون الرابع عشر، في مقر الفاتيكان، في إطار مدّ جسور الحوار بين الثقافات والديانات.
كانت البداية مع الدبلوماسي الجزائري حفيد الأمير عبد القادر إدريس الجزائري رحمه الله، ولقاءه ثلاثة أحبار: البابا بولس يوحنا الثاني، البابا بينيديكت السادس عشر، والبابا فرانسيس. وكان مقربا من البابا بولس يوحنا الثاني، هذا الأخير كان يزوره في مكتبه بمقر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية بروما، خلال رئاسته لهذا الصندوق التابع للأمم المتحدة، وهو المسلم الوحيد الذي ترأس الصندوق الأممي مرتين على التوالي.
وقد رفض إدريس الجزائري خلال إحدى لقاءاته مع البابا بولس يوحنا الثاني في مقر الفاتيكان أن ينحني ركوعا للبابا، فتساءل البابا عن سبب ذلك، فأجابه المسلم إدريس الجزائري "أنا كمسلم، لن أنحني أو أركع إلا لله خالق الإنسان والكون"، فما كان على الحبر الأعظم إلا أن ينحني لإدريس الجزائري احتراما وتقديرا له.
كما استُقبِل الشيخ خالد بن تونس، شيخ الطريقة العلاوية الدرقاوية الشاذولية، خلال توجهه سنة 1989م نحو الفاتيكان، من قبل البابا بولس يوحنا الثاني، وسلّمه الشيخ أول برنامج أعدّه للبحث في القرآن الكريم قام بتطويره "معهد ألف" الذي يرأسه هو بنفسه. إلى جانب المشاركة في اللقاءات الدولية من أجل السلام، بعنوان (رجال الصلاة يبحثون عن السلام)، تلبية لنداء البابا جون بول الثاني الذي دعا لاجتماع الزعماء الدينين للعالم أجمع. حيث فاجأ البابا الكثير من الملاحظين وأعطى نفسا جديدا للحوار بين الأديان ولتلاقي المسيحيين مع المؤمنين من الديانات الأخرى عبر العالم.
كما التقى رجل الحوار وزير التعليم العالي وسفير الجزائر الأسبق في القاهرة الأستاذ مصطفى شريف، ثلاثة زعماء للكنيسة الكاثوليكية، وهم: البابا بولس يوحنا الثاني، البابا بينيديكت السادس عشر والبابا فرانسيس. حيث شهد لقاءه بالبابا بولس يوحنا الثاني بمناسبة اللقاء العالمي للسلم.
وتزامن لقاءه الثاني مع البابا بينيديكت السادس عشر في مقر الفاتيكان، بعد تصريحات للحبر الأعظم ربطت الإسلام بالعنف في 2006م. حيث استمع إليه الحبر الأعظم باهتمام شديد وطيبة كبيرة وحصل "تبادل حقيقي" للحوار.
فيما نقل الأستاذ شريف عن البابا قوله إن "الإسلام دين عظيم وعلينا أن نؤكد معا على البعد الديني للوجود"، وأضاف "نحن نعترف بأن الإسلام ليس معروفا كما ينبغي الحال، وهذه مسؤولية مشتركة"، مشيرا إلى أنه "لا بديل عن الحوار والتعاون والتعايش". وبرهن له بأن الإسلام دين التعايش وعالمي؛ مبني على احترام كرامة الإنسان، خاصة وأن الجزائر أرض مهد الحضارات. كما أهداه كتابه "لقاء مع البابا" الصادر عن دار البرزخ الجزائرية.
أما لقاءه الثالث مع البابا فرانسيس، فتطرّق في حديثه مع الحبر الأعظم عن الأمير عبد القادر الجزائري وإنقاذه آلاف المسيحيين في دمشق في 1860م، وإلى الحوار بين الأديان والثقافات وآفاق تطويره.
وأخيرا، لقاء وزير الشؤون الدينية والأوقاف يوسف بلمهدي، ممثلا لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في مراسم تنصيب بابا الفاتيكان الجديد ليون الرابع عشر.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال