في أزقة المدن العتيقة في الجزائر، وبالأخص ولاية قسنطينة وخلال الشهر الفضيل، لا تختفي روائح شواء "بوزلوف" أو "الراس" أو "الدماغ" المطبوخ بالطريقة التقليدية فوق الجمر، ولا يغيب عن موائد كثير من العائلات، حيث تستهوي رائحته الزكية والتي تنبعث وتجر الصائمين رغم أنوفهم إلى تلك المحلات الضيقة لشرائه رغم غلاء ثمنه.
بوزلوف ليس مجرد وجبة عادية بل هو لذة ممتعة مستحيل الاستغناء عنها بالنسبة للبعض، فمع حلول شهر رمضان يتحول البحث عن الرأس المشوي إلى عادة لدى كثير من الصائمين الذين يعشقون تناوله ساخنا عند أذان المغرب، إلى جانب الشربة والبوراك وبقية الأطباق التقليدية ولو مرة واحد خلال أيام الشهر الفضيل، ورغم أن سعر الواحد منه بلغ 2500 دينار، وهو مبلغ يعتبره كثيرون مرتفعا، إلا أن الإقبال عليه لا يتراجع، حيث إن الواحد لا يكفي لأكثر من شخصين على الأكثر، ما يعني أن عائلة من أربعة أفراد تحتاج إلى اثنين، أي ما يقارب 5000 دينار يوميا، إذا أرادت توفيره على مائدة الإفطار، ومع ذلك يلح الصائمون عليه ويصرون على اقتنائه، معتبرين أنه جزء لا يتجزأ من نكهة رمضان وخصوصيته ولا يضر الجهاز الهضمي كما يشاع عنه.

وفي المدينة العتيقة بقسنطينة يقف "ب. رابح" وهو بائع بوزلوف معروف بين الزبائن منذ سنوات طويلة، أمام محله الصغير، تتكدس الطلبات من قبل الزبائن، ويرد على من يسألون عن حصصهم المحجوزة مسبقا، ويقول رابح، وهو يقلّب الرؤوس فوق الجمر: "بوزلوف في رمضان حاجة خاصة، الناس ما تقدرش تستغنى عليه، حتى ولو كان السعر ألفين وربعماية دينار للواحد راهو حصة شخصين برك، والعائلة اللي فيها أربعة لازمها زوج يعني حوالي 5000 دينار".
ويضيف: "هناك من يستغرب أكل بوزلوف في شهر رمضان، لكن الواقع يؤكد أنه معشوق الجماهير ويقصدني زبائن كثر من خارج الولاية والذين يأتون من أجله خصيصا".
ويضيف البائع، وهو يمسح جبينه من حرارة النار: "الطلب عليه في رمضان لا يتوقف، وأنا شخصيا لا أستطيع توفير الطلبات، خاصة للذين لم يحجزوا مسبقا أو الراغبين في شرائه مساء، فكل الكمية تحتجز قبل النهار، خاصة في الصباح وبعضهم حتى من اليوم الذي قبله"، ويؤكد أن طريقة الشواء التقليدية فوق الجمر هي سر الإقبال الكبير عليه، حيث يمنحه ذلك نكهة مدخنة مميزة لا يمكن الحصول عليها بطرق أخرى، فعملية تنظيف الرأس وتحضيره ثم شيه ببطء تحتاج إلى خبرة وصبر، وهو ما يجعل الكثيرين يفضلون شراءه جاهزا بدل تحضيره في البيت، قائلا "رائحته هي سر جذب الزبائن ومن قبل المرمضنين الذين لم يتذوقوه من قبل ويردون استكشافه".

من جهته، يقول عبد الحكيم، وهو موظف في الأربعين من عمره، إنه مرمضن على بوزلوف، ويؤكد أنه جزء من رمضان، ويعتبر مذاقه المشوي تحديدا يمنحه طاقة بعد يوم طويل من الصيام، إضافة إلى نكهته الخاصة، حيث يخصص يوما واحدا خلال الشهر الفضيل ويقتني زوجين من بوزلوف، أحدهما لعائلته الصغيرة والثاني لوالديه، معتبرا إياه رمزا للمة العائلية، حيث تعوّد عليه منذ صغره مع والديه في شهر رمضان، ومستمر على نفس العادة مع أولاده.
وبين من يرى في ثمنه عبئا إضافيا على ميزانية الأسرة وطبق غير محبب، ومن يعتبره ضرورة رمضانية لا يمكن التفريط فيها، يبقى بوزلوف أو الراس والدماغ المشوي فوق الجمر سيدا في المائدة في كثير من بيوت الجزائريين، كما أن الإقبال اللافت عليه حوّله إلى تجارة موسمية مزدهرة خلال الشهر الفضيل، لتتحول بذلك بعض المحلات إلى ورشات مفتوحة للشواء وتجمّع الزبائن حولها.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال