ربورتاجات

العاصمة تسهر حتى الفجر

الجامع الأعظم قبلة روحية تستقطب الآلاف.. والصابلات تتحول إلى متنفس عائلي بعد الإفطار.

  • 290
  • 8:35 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

حولت ليالي رمضان العاصمة إلى مدينة لا تنام، حيث استعاد فيها الليل حقوقه الكاملة، فتحولت إلى مدينة تنبض بالحياة. ولم يقتصر الأمر على البعد الروحي والاجتماعي، بل استعاد النشاط الاقتصادي والتجاري والترفيهي والفني والثقافي حقوقه هو الآخر على نحو غير مسبوق، في أجواء زاهية تفتح شهية أصحاب الفضول لزيارة العاصمة. لكن هذا الوضع يقود إلى التساؤل عما إذا كانت السلطات تفكر في إطالة عمر هذه الليالي البهيجة والحيوية لتصبح هي الريتم الذي تتنفس به العاصمة طيلة شهور السنة على نحو ما هو عليه الحال في اسطنبول والقاهرة وبرشلونة.. وغيرها.

المتجول في شوارع وساحات العاصمة بوسعه الوقوف على وقع خاص لليالي رمضان التي تضفي مزيجا من السكينة الروحية داخل المساجد والحيوية الاجتماعية في الشوارع والساحات والمقاهي والأسواق، حيث يعيش الناس أجواء السهر حتى الفجر.

أعطى جمالا وبهجة.. الجامع الأعظم: بعد حضري جديد للعاصمة

الزائر للمسجد الأعظم، هذا الصرح الديني العملاق المطل على البحر المتوسط، يجده تحول في غمرة الأجواء الرمضانية إلى مركز إشعاع روحي يجذب آلاف المصلين إليه يوميا من بلديات العاصمة وولايات أخرى، بل حتى مغتربين ووفود دبلوماسية لأداء صلاة التراويح، مما أضفى عليه بعدا حضاريا جديدا بفضل هندسته المعمارية وموقعه المطل على البحر المتوسط على نحو جعله أحد أبرز الوجهات الدينية خلال رمضان، إذ يشهد هذا الصرح عملية إفطار جماعي من وقت لآخر بالتعاون مع جمعيات خيرية، ما يعزز روح التضامن ويجعل من ليالي رمضان أكثر دفئا وإنسانية حتى أصبح يشكل علامة بارزة في أفق العاصمة، يضفي على لياليها طابعا مهيبا ومميزا.

وبات أداء صلاة التراويح بالمسجد الأعظم بالنسبة لمواطني باقي الولايات مثار فخر واعتزاز. ففيما يبدي عبد القادر القادم من ولاية الجلفة فخره بأداء صلاة التراويح كل أسبوع بهذا الصرح الديني، يشير كل من نبيل وسعيد وقادة المنحدرين من ولايتي الشلف وعين الدفلى إلى أن أداء صلاة التراويح بالمسجد الأعظم له ميزة خاصة تختلف تماما عن باقي المساجد. وتبعا للوحات ترقيم كثير من المركبات المركونة بالحظيرة، فإن اللحاق بالمسجد الأعظم ليلا لم يعد من الصعوبة بمكان بالنسبة لكثير من المواطنين القادمين من شرق وغرب ووسط العاصمة، بل مصدر تفاخر بينهم.

وشكلت ساحات المسجد بعد التراويح مكانا لتجمع العائلات والأصدقاء على نحو خلق أجواء اجتماعية نابضة بالحياة على وقع نسمات البحر المتوسط، خصوصا أن إطلالته على البحر جعلته مقصدا سياحيا ليليا، كما بات يشكل نقطة جذب للفضوليين للاستمتاع بجماله المعماري والروحي، بل ساهم هذا الصرح في جعل من ليالي العاصمة تجربة فريدة من نوعها، تجمع بين العبادة والتضامن والسياحة.

واكتملت لوحة الأجواء الرمضانية في محيط المسجد الأعظم مع فضاء الصابلات التي تحول بدوره إلى واحد من أبرز المقاصد بعد الفطور، وساعد على تدفق الناس تمديد ساعات عمل حافلات النقل الحضري وشبه الحضري بعد تسطير مخطط نقل باتجاه المسجد الأعظم، تعززها وسائل النقل بالمترو والترامواي حتى منتصف الليل.

حيوية غير مسبوقة..

إذا زرت الصابلات بعد الفطور تجده تحول إلى فضاء عائلي، فهو مكان مفتوح على البحر وواسع، ذلك بعد تهيئة مساحاته وتبليطها، بل وأصبح في وسع الداخل إلى هذا الفضاء المشي على الأقدام على طول شاطئ البحر من الصابلات إلى قلب مدينة برج الكيفان بعد فتح مسار للراجلين على مسافة تقارب الـ7 كلم، وتجري الأشغال حاليا لجعل المسافة تصل إلى 14 كلم، أي ربط هذا الفضاء بتامنفوست عبر مسار للمشاة (الراجلين)، في مؤشر واضح على أنه يمكن الاستثمار في الواجهة البحرية مستقبلا لجعلها فضاء مشتعلا بالحياة ليلا ونهارا، من نحو ما هي عليه واجهات برشلونة ونابولي واسطنبول ونيس وغيرها.

لكن اللافت في ليالي هذا الشهر الفضيل تلك الحيوية والحركية التي عادت إلى بعض الأحياء والشوارع والساحات على نحو غير مسبوق، كما لو أنها استيقظت من سبات عميق لتكشف عن أجواء امتزجت فيها الروحانية في المساجد مع الحركية في الساحات والشوارع والأسواق. فالحركية التي وقفنا عليها من حي بلكور، مرورا بساحة أول ماي وحسيبة بن بوعلي، وصولا إلى البريد المركزي والعربي بن مهيدي تطرح أكثر من تساؤل عن سر هذا النشاط الذي عاد في ليالي رمضان على نحو غير مسبوق، هل مناسبة عيد الفطر تضغط بثقلها على الناس على نحو تجعلهم يتدفقون بشكل كبير على المدينة لشراء ما أمكن من حاجيات؟ أم أن الخروج ليلا هو وسيلة للتواصل الاجتماعي، العائلات تتنزه والشباب يتجمعون في مجموعات والباعة يعرضون منتجاتهم ليصبح الفضاء العام بالعاصمة فضاء للعيش المشترك؟

شوارع وساحات تتزين..

في حدود الساعة التاسعة والنصف ليلا، كان شارع حسيبة بن بوعلي متقدا بالحياة على نحو غير مسبوق، كما لو أنه يعيش أجواء احتفالية، إذ كانت كل محلات الألبسة والأحذية وقاعات الشاي والمطاعم والبيتزا وغيرها في الموعد. هذا المشهد شد إليه بعضا من أبناء العاصمة ممن قالوا "شارع حسيبة بن بوعلي كان غارقا في الظلام خلال الشهر الفضيل من العام 2025..".

وزاد من الأجواء البهيجة الأنوار والفوانيس التي تزينت بها الشوارع والساحات والعمارات، إذ أن الإضاءة الجيدة تمنح الناس الشعور بالطمأنينة وتشجعهم على الخروج ليلا، سواء للتنزه أو التسوق.

فالإنارة وإن كانت تضفي بعدا جماليا على المدينة، لاسيما في المناطق الأكثر رمزية كشوارع حسيبة بن بوعلي، ديدوش مراد وساحة موريس أودان وشارع العربي بن مهيدي والبريد المركزي وساحة أول ماي... وكذا المعالم الدينية والتاريخية، فهي تعكس الهوية الحضرية للمدينة... إنها الأنوار التي تعطي زخما لبهجة العاصمة. فالمدن، تبعا للمنظور الذي يقدمه عالم الأنثروبولوجيا (كلود ليفيس ثروس) لها وعي يؤثر على مخيلة الإنسان من حيث لا يدري، كما لو أنها كائن حي.

الساعة العاشرة ليلا، شارع ديدوش مراد، ساحة موريس أودان، البريد المركزي، شارع العربي بن مهيدي.. تبدو كما لو أنها تعيش أجواء احتفالية.. يزداد تدفق الناس بعد نهاية فترة صلاة التراويح، كما لو أنها شوارع تستعيد حقوقها كفضاءات شهيرة تليق بمقام ديدوش مراد والعربي بن مهيدي وموريس أودان والمعلم التاريخي المعماري البريد المركزي.

انتعاش تجاري اقتصادي..

هذا التدفق البشري أعطى جرعات قوية للتجارة المحلية، في ظل الإقبال على شراء ملابس العيد في ظل بعض التخفيضات والعروض الخاصة بجذب الزبائن... أيضا على الحلويات التقليدية (البقلاوة، قلب اللوز..)، في وقت زاد الإقبال على قاعات الشاي والمقاهي.. إنه نشاط يعزز الحركة الاقتصادية ويخلق أجواء اجتماعية مميزة، خصوصا أن غالبية المحلات تبقي على أبوابها مفتوحة حتى ساعة متأخرة من الليل، بل إذا زرت ساحة الشهداء الواقعة على مقربة من مدخل القصبة ستجد ليلها أكثر نشاطا من نهارها، في وقت كسر الباعة على الأرصفة كل القواعد... هناك تختلط أصوات المارة مع نداءات الباعة المتجولين في مشهد يترك انطباعا واضحا، أن الليل ليس عقبة لإعادة إحياء العاصمة، يحدث ذلك في وقت كان الناس يتدفقون على نحو كثيف على المكان بالنظر إلى رحلات المترو التي كانت أكثر اكتظاظا بالراكبين. ويعني ذلك أن ليالي رمضان في العاصمة هذا العام كشفت أنها ليست مجرد طقس ديني واجتماعي، بل هي محرك اقتصادي محلي يعزز التجارة والاقتصاد المحلي من جانب خلق فرص عمل مؤقتة وينشط دوران رأس المال في الأسواق.

فضاءات غير كافية..

تجري حاليا أشغال إعادة تهيئة الجزء البارز من ساحة الشهداء لتلائم وتنسجم مع بعدها التاريخي من جانب صيانة الشبكات وإنجاز ممر زجاجي فوق البقايا الأثرية لتمكين الزوار من استكشافها، لأجل إعطائها طابعها السياحي والثقافي وتحويلها إلى فضاء حضري جذاب ومفتوح للجمهور.

حيوية ليالي العاصمة امتدت لتطال شاطئ كيتاني بالقرب من باب الوادي. ففي حدود الساعة الحادية عشرة ليلا ظل تدفق الحشود البشرية متواصلا، كما لو أنه المكان الخاص لشحن طاقتهم بعد الفطور، فهو الفضاء الذي يعانق زرقة البحر المتوسط وينعش زواره بنسماته، ولو أن ريتم تدفق الناس كان ضئيلا بساحة المسمكة قياسا بما كانت عليه الأجواء في كيتاني.

وينظر مختصون في التخطيط الحضري إلى العاصمة اليوم على أنها تحتاج إلى فتح المزيد من الفضاءات العامة وأماكن التنزه كالمساحات الخضراء قياسا بالحجم الهائل لعدد السكان، ما يخلق ضغطا على الفضاءات الموجودة، ما يدعو إلى فتح أماكن جديدة للتنزه وإعادة تأهيل الساحات والحدائق وتطوير الواجهة البحرية وتعزيز المنتزهات الكبرى مثل دنيا بارك حتى تكون متنفسا طبيعيا واجتماعيا للسكان وتحسن جاذبية المدينة.

ومع ذلك، مازالت العاصمة تحتل مكانة امتيازية في مخيلة المواطنين القادمين من ولايات أخرى وحتى من أبناء الجالية المقيمة بالخارج ممن تستهويهم أجواء رمضان. ففيما يشير حسن القادم من ولاية سطيف إلى أنه يزور العاصمة كل أسبوع للاستمتاع بعروض مسرحية وحتى حفلات فنية في خطوة لكسر الروتين الذي اعتاد عليه بولايته، يعترف عبدالله المنحدر من غليزان قائلا: "أنا من عشاق أجواء رمضان بالعاصمة وخصوصا حضور الحفلات الفنية والمسرحيات..".

فالعروض الموسيقية والمسرحية هي الوجه الآخر للعاصمة في ليالي رمضان، بل هي البعد المفترض أن يميز هوية مدينة الجزائر على مدى طول السنة بدل حصره في دور مناسباتي لأجل تسويق صورة المدينة لتنسجم مع خطاب "الجزائر وجهة سياحية".

ماذا لو تواصلت بعد رمضان..؟

لكن ليالي رمضان النابضة بالحياة والبهجة بالعاصمة تدعو إلى طرح أكثر من تساؤل، بينها: لماذا لا تستمر حيوية هذه الليالي على مدى شهور السنة؟ لماذا تنطفئ بهجة ليالي العاصمة بعد انقضاء شهر رمضان؟

فماذا لو تواصلت حيوية ليالي رمضان بالريتم نفسه على مدى شهور السنة، هذه الحيوية قادرة على الإسهام في تنشيط الحياة الليلية اقتصاديا وسياحيا وجعل من مدينة الجزائر كعاصمة أكثر حضورا وحيوية على نحو ما هي عليه بعض المدن المتوسطية مثل اسطنبول، برشلونة، نيس، لندن وغيرها.

فمدينة اسطنبول عاصمة تركيا التي تعيش أيضا على وقع حيوية ودينامكية ليالي رمضان تمكنت من جعل الحياة الليلية جزءا من هويتها اليومية وليس مجرد ظرف موسمي أو مناسباتي يتوقف بانقضاء شهر رمضان، إذ يتواصل النشاط الاقتصادي الليلي وعلى نحو بارز في المطاعم والمقاهي وباقي الأسواق والمحلات حتى ساعة متأخرة من الليل على مدى طول أيام السنة، على نحو يعزز قطاع السياحة. فالعبّارات على مستوى البوسفور لا تتوقف عن نقل السياح إلى غاية الفجر، بل وتخلق فرص عمل، ذلك في ظل تنظيم محكم لأمسيات فنية وموسيقية، تحولت إلى جزء من الروتين اليومي.

هذه المدينة استثمرت على نحو جدي في جعل شوارعها أكثر بهجة وجاذبية، بجعلها أكثر إضاءة ونظافة، في مسعى لتشجيع الناس على الخروج ليلا، بل تمكنت هذه المدينة المتوسطية من أن تدمج بين الأسواق التقليدية والعصرية واستطاعت أن تجعل من الليل جزءا من هويتها الاقتصادية والثقافية والدينية.

اسطنبول.. نموذجا

يمكن للعاصمة الجزائر أن تستلهم نماذج الحياة الليلية لبعض المدن المتوسطية، كاسطنبول وبرشلونة.. في غمرة التحضير الجاري لتهيئة الواجهة البحرية على امتداد نحو 50 كلم واستعادة عدة أماكن وفضاءات عمومية بعد تهيئة أجزاء هامة من الواجهة. إذ يمكن إطالة عمر هذا النوع من الليالي بالاستثمار في عدة فضاءات ومعالم، بينها الجامع الأعظم كمركز إشعاع روحي عالمي، كونه يؤدي دورا دينيا وثقافيا وسياحيا، بجعله مركزا للفعاليات الليلية عبر تنشيط دروس ومحاضرات وندوات ومؤتمرات، فالليل به يمكن تحويله إلى تجربة جامعة بين الدين والثقافة والسياحة بالنظر إلى جماله وموقعه المطل على البحر المتوسط، خصوصا أنه بات مصدر إنعاش للحياة بالعاصمة.

كما يمكن الاستثمار في الواجهة البحرية بتهيئة باقي المساحات وتزويدها بمختلف المرافق من أكشاك وقاعات شاي وألعاب لتنشيط الحياة الليلية وكذا تفعيل باقي المنتزهات (الاستقلال) و(دنيا بارك) وضبط برنامج فني وثقافي تتخلله مهرجانات، يكشف عن تاريخ المدينة وطبوعها الفنية والثقافية، ولو أن ذلك لن يمر إلا بسن مخطط نقل متكامل بين الحافلات والمترو والترامواي والقطار.

يمكن القول إن ليالي العاصمة البهيجة في شهر رمضان يمكن تفعيل ريتمها ليصبح متواصلا على مدى أيام السنة، خصوصا أن العاصمة الجزائرية تحوز على مؤهلات تتفوق بها على غالبية مدن البحر المتوسط، تاريخا وحضارة وجمالا باعتراف الأوروبيين أنفسهم.