اسلاميات

وجوب تحري الحلال في طلب الرزق

نظّم ديننا الإسلامي الحنيف شأن العباد في جميع مجالات الحياة

  • 9
  • 3:04 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

نظّم ديننا الإسلامي الحنيف شأن العباد في جميع مجالات الحياة ومن كل وجه، ومن أهم الجوانب التي نظمها للعباد أن أمرهم بطلب الرزق، وأمرهم أن يتحرّوا الحلال، ويتوقَّوا الحرام، وهذا من التقوى؛ أن يتقي المرء الحرام، فتكون النتيجة القبول من الله، يقول الحق سبحانه: {إنما يتقبل الله من المتقين}، وتكون النتيجة كذلك دعوة مستجابة.
فعنِ ابنِ عباس قال: تُلِيَت هذه الآية عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: “يا سعد أطِب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، أن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يُتقبّل منه عمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به”، أما من أدخل على نفسه الحرام فلا قبول ولا استجابة دعاء، ثم يصلى يوم القيامة نارا وقودها الناس والحجارة، نعوذ بالله منها.
والخطر كل الخطر في آكل الكسب الحرام أنه يقطع صلته بربه، ويعمد إلى حبال ممدودة من الله جلّ جلاله إلى عباده فيصرمها، ثم إذا ما احتاجها يومًا هزّ الحبل فما وجد استجابة، يطلب من رب كريم رحيم غني قديرٍ لكنه لا يستجيب له، ورحمة ربنا ما زالت، وقدرته ما دالت، ولكن العيب في الذي كسب حراما ثم وقف يناجي ربه. انظر إلى حديث الكسب الطيب، جمع في الرجل الداعي أسبابا يُستجاب عادة لمن تلبّس بها، فقد أطال سفر العبادة وتذلل في مظهره، ورفع يديه و«إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه، أن يردهما صفرا”. وألحّ في دعائه إذ كرّر نداءه لربه ومع ذلك لم ينل جوابا، قال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سددتَ طرقها بالمعاصي.
إن الكسب الحلال، واللقمة الحلال تدفع النقم، وتصرف البلاء عن الأنفس والأموال والأولاد والأعمال والديار، وإن تحري أكل الحلال، والبعد عن الحرام والمشتبهات، من أعظم الخصال التي يتحلى بها المؤمن. ومعنى الكسب والمطعم الحلال أن يتحرى العبد في مطعمه ومشربه الطيبات التي أباحها الله تعالى، فلا يأكل أو يشرب إلا مما أحلّه الله تعالى، وأن يكون كسب المؤمن حلالا.
وإن طلب الحلال وتحرّيه أمر واجب وحتم لازم: “فلن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه”؛ فكان حقا على كل مسلم ومسلمة أن يتحرى الطيب من الكسب؛ ليأكل حلالا وينفق في حلال؛ امتثالا لأمر الكبير المتعال جلّ جلاله، قال تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين}.
والسعي في تحرّي الكسب الحلال وطيب المطعم من أجَلّ العبادات وأشرفها، ففي الصحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده”. وهو من أسباب الحصول على الأجر العظيم، قال صلّى الله عليه وسلم: “من أمسى كالًّا من عمل يديه، أمسى مغفورا له”، وهو أيضا من أسباب الحياة الطيبة المطمئنة والسعادة في الدنيا والآخرة، قال النبي صلّى الله عليه وسلم: “أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة”.
ومن الأسباب صلاح الأبناء، قال أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم عند موته: “لا ‌أعلم ‌في ‌جميع ‌مالي درهما من شبهة”، فكانت من ثمرات تحريه الحلال، أن ينشأ في بيته: الإمام البخاري صاحب الصحيح. ومن أسبابه قبول الأعمال، ففي الحديث: “والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به”، وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام”. وهو من أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار، وأما الكسب الحرام فهو من أسباب العذاب في الآخرة، يقول نبينا صلّى الله عليه وسلم: “إن رجالا يتخوَّضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة”.