اسلاميات

وقت إخراج زكاة الفطر

في كل سنة يثار الجدل حول إخراج الزكاة

  • 35
  • 3:07 دقيقة
الدكتور بلخير طاهري الإدريسي
الدكتور بلخير طاهري الإدريسي

في كل سنة يثار الجدل حول إخراج الزكاة من عينها، أي قوت أهل البلد أو جواز إخراجها نقدا. وقد أجبنا على هذا الإشكال في منشور سابق بالتفصيل، وانتهينا إلى أن خلاصة الموضوع فيه ثلاثة مذاهب: أولها، من تمسكوا بقوت البلد دون غيره، وهو قول المالكية والحنابلة. ثانيا، جواز النقد مطلقا، وهو قول الحنفية. ثالثا، جواز الوجهين باعتبار أصلحهما لحال الفقير، وهذا أسعد المذاهب وأعدلها في تحقيق مقصود الشارع من الزكاة.

مسألة وقت الإخراج
وهذه المسألة كذلك تثار في كل سنة حول زمن الإخراج، وهي فرع عن المسألة السابقة.. وخلاصة كلام الفقهاء المقرر في كتبهم: الذي عليه جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وهو قول الحسن بن زياد من الحنفية، أن وقت وجوب أداء زكاة الفطر مضيق، فمن أدّاها بعد غروب شمس يوم العيد بدون عذر كان آثما، وكان إخراجها في حقه قضاء، بينما ذهب جمهور الحنفية إلى أن وقت وجوب أداء زكاة الفطر موسع، لأن الأمر بأدائها غير مقيد بوقت، ففي أي وقت أخرجها كان أداء لا قضاء، لكن يستحب إخراجها قبل الذهاب إلى المصلى.

وقد اتفق الفقهاء على أن زكاة الفطر لا تسقط بخروج وقتها لأنها وجبت في ذمة المزكي للمستحقين، فصارت دَيْنًا لهم لا يسقط إلا بالأداء. قال شيخ الإسلام البيجوري الشافعي في حاشيته على شرح ابن قاسم الغزي على متن أبي شجاع: «ولا يجوز إخراجها، أي زكاة الفطر، في أول رمضان، ويسن أن تخرج قبل صلاة العيد للإتباع إن فعلت الصلاة أول النهار، فإن أخرت استحب الأداء أول النهار، ويكره تأخيرها إلى آخر يوم العيد، أي قبل غروب شمسه، ويحرم تأخيرها عنه لذلك، أي لآخر يوم العيد، وهو ما بعد المغرب. بخلاف زكاة المال، فإنه يجوز تأخيرها له إن لم يشتد ضرر الحاضرين”.

إعادة رسم المسألة وفق الواقع المعاصر
وهي لا تعدو عن ثلاثة مذاهب، يمكن إيجازها فيما يلي:
المذهب الأول: قبل العيد بيوم أو يومين، وهو مذهب المالكية والحنابلة. واستدلوا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه: “وكانوا يُعطون قبل الفطرِ بِيوم أو يومين” رواه البخاري. وقال بعضهم: قبل العيد بثلاثة أيام، لما في “المدونة”، قال مالك: أخبرني نافع أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة.
المذهب الثاني: يجوز من أول شهر رمضان، وهو ما عليه الفتوى عند الحنفية (انظر: “بدائع الصنائع”)، والصحيح عند الشافعية (انظر “الأم”، و«المجموع”). قالوا: لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها، كما يجوز تعجيل زكاة المال بعد ملك النصاب قبل تمام الحول.

المذهب الثالث: يجوز من بداية الحول، وهو هذا القول ينسب لبعض الأحناف وبعض الشافعية. قالوا: لأنها زكاة، فأشبهت زكاة المال في جواز تقديمها مطلقا.

الترجيح
جمعًا بين الأقوال، فإننا نستبعد القول الثالث في زكاة الفطر. ولكن القول الأول والثاني له وجاهته، من جهة إعمال النصوص وتحقيق مقصود الشارع.

وعليه، أقول: الأصل الإبقاء على إخراج الزكاة قبل صلاة العيد بالوقت اليسير، ولا بأس باليوم واليومين. ويمكن تحقيق هذا القول واقعا وعمليا، من جهة الالتزام بالتسليم في هذا الوقت، إلا أنه يمكن جمع الزكاة من أول يوم من رمضان من طرف الجمعيات أو صندوق الزكاة، على أن تسلم إلى الفقير قبل يوم أو قبل الصلاة.

أما المذهب الثاني يمكن إعماله على وجه الفور من بداية رمضان وطيلة الشهر في أيامه إذا علم أن هناك فقراء لا يجدون قوت يومهم، أو نزل بهم من المصائب والضيق مما لا يدفع إلا بالمال، فجاز إعطاؤهم نقدا بنيّة زكاة الفطر، وهذا هو الأحوط لتكاسل الناس عن إخراجها في اليوم الأخير إما نسيانا أو استهانة أو اعتماد واحد على الآخر. فالأسلم الابتعاد عن وقت الضيق والحرج، وحتى يرى الفقير حاجته قبل العيد، ليتحقق مقصد: “أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم”، وتتحقق لهم الفرحة مع المؤمنين دون الانشغال بمدّ اليد للمد.
وأخيرا.. نقول إن الزكاة في الشريعة الإسلامية جاءت لمقصدين: أولهما: تطهير مال المزكي، وثانيهما: سد حاجة الفقير. وإن النظر إلى حال الفقير هو المعتبر شرعا، فوجب مراعاته وتحقيقه ما أمكن: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقواعد اليُسر ورفع الحرج شاهدة له، وإذا ضاق الأمر اتسع.. هذا وبالله التوفيق.

*عضو لجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين