العالم

الصحراء الغربية: لقاءات تمهيدية بالولايات المتحدة تمتحن الإرادة السياسية

وفق تقديرات مصادر مطلعة، فإن ما يجري لا يرقى إلى مستوى مفاوضات فعلية بقدر ما يبدو جلسة تمهيدية لجس النبض.

  • 4183
  • 3:35 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

يتواجد وفد صحراوي بالولايات المتحدة تمهيدا لمفاوضات مرتقبة بين المغرب وجبهة البوليساريو، وسط تعتيم شبه كامل على طبيعتها وأهدافها الحقيقية.

ووفق تقديرات مصادر مطلعة، فإن ما يجري لا يرقى إلى مستوى مفاوضات فعلية بقدر ما يبدو جلسة تمهيدية لجس النبض بين الطرفين ومحاولة جديدة لاختبار مواقف الأطراف من دون أي ضمانات سياسية أو مرجعية تفاوضية واضحة.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الطرف الصحراوي يقوده وزير الخارجية محمد يسلم بيسط وممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة الدكتور محمد سيدي عمر وممثلها لدى واشنطن مولود سعيد، في حين لم تتسرب أسماء أعضاء الوفد المغربي الذي من المرجح أن يكون بقيادة وزير الخارجية ناصر بوريطة وممثل المغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال، فيما يحضر المبعوث الشخصي الأمين الأممي إلى الصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا. كما لا يستبعد حضور ممثل عن الجانب الأمريكي، والمرجح حضور كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس.

ويحضر الطرف الصحراوي من دون أي التزامات مسبقة، انطلاقا من موقف ثابت يدعو إلى مفاوضات مباشرة تحت رعاية الأمم المتحدة وضمن الإطار الذي رسمته قرارات الشرعية الدولية. ولا يذهب الصحراويين إلى أي مسار تفاوضي بوصفه غاية في حد ذاته، بل باعتباره وسيلة وحيدة لتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

وكان مجلس الأمن الدولي قد اعتمد في 31 أكتوبر القرار 2797 (2025) حول الصحراء الغربية، جدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) سنة كاملة، كما أكد ضرورة إجراء مفاوضات مباشرة للتوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول للطرفين، قائم على التوافق، يتماشى مع مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير.

ومنذ ما يقارب عقدين، لايزال المغرب يروّج لمقترح "الحكم الذاتي" الذي طرح سنة 2007، من دون أن يقدم له مضمونا قانونيا أو سياسيا واضحا أو يشرح كيف يمكن لهذا المقترح أن يشكّل أساسا لتسوية عادلة ودائمة.

ويرى مراقبون أن الرباط تتعامل مع هذا المقترح بوصفه أداة لإدارة الوقت لا مشروع حل، إذ يتم استدعاؤه كلما اشتد الضغط الدولي، ثم يترك معلقا من دون تفاصيل أو التزامات. والسؤال الجوهري المطروح اليوم هو: هل يمتلك المغرب فعلا مقترحا قابلا للتفاوض، أم أن خطته لا تتجاوز إطالة أمد النزاع إلى أجل غير مسمى؟

وعليه، فإن الإشكال الحقيقي، حسب مراقبين، لا يكمن في شكل اللقاءات أو مكان انعقادها، بل في غياب إرادة سياسية مغربية حقيقية للتفاوض من دون شروط مسبقة.

والشكوك حول مقترح الحكم الذاتي لا تصدر فقط عن خصوم المغرب، بل تتنامى أيضا داخل الأوساط السياسية والفكرية المغربية نفسها. ويحذر مراقبون من داخل المملكة من أن أي صيغة حقيقية للحكم الذاتي في الصحراء الغربية قد تتحول إلى قنبلة سياسية داخلية، تفتح الباب أمام مطالب مماثلة في أقاليم أخرى مثل الريف أو سوس، حيث توجد تيارات قوية تدعو إلى التسيير الذاتي، بل وحتى إلى الاستقلال عن المغرب.

هذه الهواجس ليست جديدة، بل سبق التعبير عنها بوضوح على لسان وزير الداخلية المغربي الأسبق، إدريس البصري، الذي نُقل عنه قوله إن الملك الحسن الثاني قبل بفكرة الاستفتاء لأنه أدرك خطورة أي بديل آخر على بنية الملكية، مؤكدا أن "من يقترح الحكم الذاتي عدو للمغرب"، وهي شهادة تعكس عمق القلق عند المخزن من تداعيات هذا الخيار.

من الناحية القانونية، يواجه أي مقترح مغربي "ذي مصداقية" معضلة أساسية تتمثل في عدم امتلاك المغرب السيادة القانونية على الإقليم. وحتى إذا جرى تجاوز هذه العقبة عبر إدراج المقترح ضمن استفتاء حر يضم خيارات متعددة، فإن ذلك يفرض على الرباط الذهاب بعيدا في تفصيل المقترح، بما يشمل نقل صلاحيات حقيقية لسلطة الحكم الذاتي، خاصة في ما يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية وتسيير شؤون الإقليم.

في المقابل، موقف جبهة البوليساريو لم يتغير رغم كل التحولات الإقليمية والدولية. فالجبهة، حسب هذه المصادر، منفتحة على كل المفاوضات من دون شروط مسبقة، لكنها غير مستعدة للانخراط في أي مسار يقفز على حق تقرير المصير أو يحوّله إلى مجرد تفصيل ثانوي.

وتشدد الجبهة على تمسكها بالقانون الدولي وبمرجعية الأمم المتحدة واستعدادها للتعاون مع المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، متى توفرت إرادة دولية حقيقية لفرض حل عادل، لا إدارة أزمة مزمنة.

من جهة ثانية فإن الحديث عن احتمال استضافة الولايات المتحدة جولة من هذه اللقاءات يثير بدوره إشكالا إضافيا. فواشنطن، التي يُفترض أن تلعب دورا داعما للمسار الأممي مطالبة بإثبات حد أدنى من الحياد، بعد أن كسرت هذا الحياد عمليا بدعمها العلني للاحتلال المغربي ومحاولتها فرض الحكم الذاتي كخيار وحيد خلال مناقشات مجلس الأمن الأخيرة.

ويرى متابعون أن أي رعاية أمريكية لا تفتح المجال أمام جميع الخيارات المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة، بما فيها خيار الاستقلال، لن تكون سوى غطاء سياسي لمسار معطوب ومحاولة جديدة لإفراغ العملية التفاوضية من مضمونها.

رضا شنوف