يشهد الخلاف بين المملكة العربية السعودية والإمارات تصاعدا غير مسبوق، في وقت تحاول الرياض الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية وعمقها الأمني على خطوط اليمن والصومال والبحر الأحمر في مواجهة ما تصفه بالتدخلات الإماراتية المخالفة للقوانين الدولية ولقواعد الشراكة الثنائية، إذ أفادت قناة الإخبارية السعودية بأن المملكة هددت باتخاذ إجراءات غير مسبوقة ضد الإمارات، متهمة إياها بالاستمرار في العمل ضد مصالح المملكة وأمنها القومي.
وفي تقرير بثته القناة بنبرة تحذيرية واضحة، أكدت المملكة أنها لن تتردد في اتخاذ أي خطوات رادعة ضد أي طرف يمس أمنها، ملمّحة إلى أن قرارات حاسمة قد تتخذ خلال الفترة المقبلة، تشمل إجراءات دبلوماسية، اقتصادية وربما محدودة على الأرض، في حال استمرار أبوظبي في ما تصفه المملكة بـ"التحريض المستمر".
وأشار التقرير إلى أن الإمارات نظمت عملية تهريب لعيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، المطلوب من العدالة اليمنية، وقدمت له ولأتباعه دعما ماليا للتحريض ضد المملكة، في خطوة تظهر، حسب القناة، انتهاك أبوظبي للاتفاقات الثنائية والالتزامات الإقليمية.
كما تضمنت التحركات الإماراتية – وفق "الإخبارية" – اتهامات كاذبة للرياض بدعم جماعة الإخوان وتمكين تنظيم القاعدة وادعاءات إعلامية حول احتجاز أعضاء الوفد الجنوبي المستضاف في المملكة، ووصفت القناة هذه الادعاءات بأنها حملات مضللة هدفها تشويه الدور السعودي وإعطاء غطاء للتحركات الإماراتية الانفصالية في جنوب اليمن.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير المعلومات إلى أن أبو ظبي دعمت تحركات وتصعيدات شعبية ومظاهرات في عدن بهدف إفشال الحوار "الجنوبي–الجنوبي"، وهو المسار الذي كانت السعودية ترعاه لإعادة توحيد البيت الجنوبي وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة للقضية الجنوبية.
وذكرت "الإخبارية" أن البيان الصادر عن مجلس الوزراء السعودي في ديسمبر الماضي مثّل إنذارا نهائيا، دعا فيه أبو ظبي إلى وقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف خارج إطار الشرعية اليمنية. ورغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على ذلك البيان، فإن الإمارات – حسب التقرير – تستمر في التحريض والإضرار بمصالح المملكة، ما دفع الرياض إلى التلويح بخيارات حازمة لحماية الأمن القومي.
وتفاقمت هذه التوترات بعد أن سيطر المجلس الانتقالي على عدن وظهر الانقسام في تنفيذ اتفاقات الرياض التي ترعاها السعودية. ويعكس هذا الخلاف انتقال الصراع بين الحليفين السابقين من رسائل دبلوماسية مغلقة إلى مواجهة إعلامية مفتوحة، ما ينذر بفترة من التوتر العلني طويل الأمد.
وكان المجلس الانتقالي الجنوبي استغل الفراغ السياسي وتراجع نفوذ الحكومة الشرعية، إضافة إلى تعدد القوى المسلحة والانهيار الواسع في الخدمات الأساسية، بما في ذلك انقطاع الكهرباء والصراع القبلي–النفطي.
وحضرموت ليست مجرد مركز لإنتاج النفط، بل بوابة استراتيجية تمتد من الحدود السعودية شمالا إلى بحر العرب جنوبا، ما يجعلها نقطة محورية للسيطرة على طرق التجارة والتهريب ومسارات النفوذ الإقليمي.
ووفق المعطيات، فإن الأهداف الإماراتية تتجاوز دعم خيارات اليمنيين، إذ تعمل أبوظبي على بناء نطاق نفوذ متصل يمتد من عدن إلى المهرة مرورا بحضرموت وسقطرى، في محاولة لترسيخ حضور دائم في الساحل الجنوبي، مستغلة ضعف الدولة اليمنية والصراع بين القوى المحلية.
على صعيد آخر، يمثل القرار الصومالي الأخير إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات وإخراجها من الموانئ في بربرة وبوصاصو وكسمايو، وفق بيانات الحكومة الصومالية، ضربة مباشرة للمشروع الإماراتي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
فأبوظبي سعت لعقد اتفاقيات اقتصادية وأمنية واستثمرت في الموانئ عبر شركات مثل "دي بي وورلد" لبسط نفوذ جغرافي واستراتيجي، مستغلة الانقسامات الفيدرالية والهشاشة المؤسسية في الصومال. لكن القرار الصومالي شكل نهاية الوجود الإماراتي في البلاد، مؤكدا أن زمن إدارة الدول عبر شركات وموانئ أجنبية قد انتهى.
ويترتب على ذلك فقدان أبوظبي نقطة ارتكاز استراتيجية قريبة من باب المندب، ما يضعف قدرتها على لعب دور "شرطي الممرات البحرية" ويحد من مشاريعها البحرية في القرن الإفريقي، خاصة مع تراجع نفوذها في اليمن وفقدان أدواتها المحلية مثل المجلس الانتقالي.
محمد. ش/ وكالات
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال