العالم

المغرب يبيع ما تبقى من كرامته

مئات المغربيات يعملن عاملات نظافة في تل أبيب بإشراف إماراتي.

  • 3414
  • 3:00 دقيقة
ملك المغرب، محمد السادس، الصورة: ح.م.
ملك المغرب، محمد السادس، الصورة: ح.م.

اختارت الرباط موقعها بوضوح، حيث أعلن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إرسال ضباط عسكريين رفيعي المستوى إلى غزة، في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل وعمقت الشكوك بشأن حقيقة الموقف المغربي من القضية الفلسطينية.

لا يوجد في قطاع غزة ما يسمى استقرارا وإنما توجد مدن مدمرة ومستشفيات خارجة عن الخدمة وآلاف الضحايا تحت الأنقاض وسكان محاصرون في ظروف إنسانية كارثية.

ورغم ذلك، تتحدث الرباط عن إرسال ضباط وقوات أمن، تحت عنوان المساعدة والدعم!! في خطوة تطرح الكثير من الأسئلة المشروعة حول طبيعة هذه المساعدة وأهدافها الفعلية.

في هذا السياق، تتحدث مصادر متطابقة عن مهام ميدانية للمغرب في القطاع تتجاوز الطابع الإنساني. وتشير المصادر ذاتها إلى جمع معلومات وتنسيق أمني في منطقة تخضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي.

وتربط تقارير بين هذه التحركات ودور إماراتي داعم، في سياق ترتيبات إقليمية بالغة التعقيد. في المقابل، تغيب توضيحات رسمية دقيقة ترفع اللبس وتحدد الإطار القانوني والسيادي لهذه المهمة.. التي تأتي نتيجة لاجتماع ما يسمى "مجلس السلام" المجتمع الأسبوع الماضي.

كما تأتي هذه التطورات في ظل مسار التطبيع الذي انخرط فيه المغرب سنة 2020، الذي فتح الباب أمام تعاون أمني وعسكري متصاعد مع الكيان الإسرائيلي. ومنذ ذلك التاريخ، تتوالى الاتفاقيات والزيارات المتبادلة بين البلدين، بهدف تعزيز الشراكة الثنائية وإعادة رسم تموضع الرباط إقليميا.

ويطرح هذا المسار إشكالا سياسيا وأخلاقيا، خاصة أن ملك المغرب محمد السادس هو الذي يترأس لجنة القدس، وهي هيئة يفترض أن تدافع عن مدينة القدس الشريف وتحمي حقوق الفلسطينيين.

وأمام هذه الخطوة المغربية غير محسوبة العواقب والتداعيات على قضية الشعب الفلسطيني، يرى المراقبون أن الجمع بين هذا الدور وبين توسيع العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي يضع الخطاب الرسمي أمام تناقضات عميقة.

على صعيد آخر، أثارت تقارير إعلامية تتحدث عن إرسال عمال وعاملات مغاربة إلى إسرائيل للعمل داخل مستوطنات في الضفة الغربية موجة استياء مغربية وفلسطينية وعربية واسعة.

كما أن الوجود العسكري المغربي ليس بريئا، فهذه القوات تستخدم في جمع المعلومات ميدانيا وتحديد مواقع عناصر حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وتمريرها إلى الجيش الإسرائيلي لشن ضربات موجهة، تحت إشراف ومساعدة الإمارات، وذلك تمهيدا لإعادة تفعيل محمد دحلان، المتهم بالضلوع في اغتيال الراحل ياسر عرفات.

ويجري الحديث أيضا عن مئات النساء المغربيات اللواتي أُرسلن للعمل في تل أبيب كعاملات نظافة، فضلا عن مئات العمال الذين نقلوا عبر الإمارات للعمل في بناء فيلات ومبان داخل مستوطنات الضفة الغربية.

كل هذه التطورات تتزامن مع التصعيد الذي يعيشه الشارع المغربي بارتفاع الأصوات الرافضة للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، مع استمرار المظاهرات الدورية المنددة بالعلاقات مع الاحتلال وتطالب بإسقاطه (التطبيع)، حيث يؤكد المتظاهرون أن القضية الفلسطينية ليست ورقة سياسية كما أنها ليست ملفا ظرفيا، بل قضية مبدأ لا تقبل المساومة أو التفاوض عليها.

الغرق في مستنقع التطبيع مستمر

شهدت العلاقات بين المغرب والاحتلال الإسرائيلي تحولا نوعيا مع إعلان استئنافها رسميا في ديسمبر 2020، ضمن ما عرف باتفاقات أبراهام، برعاية الولايات المتحدة. وفتح هذا القرار الباب أمام مسار متسارع من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، أنهى سنوات من الاتصالات غير المعلنة وأدخل العلاقات الثنائية مرحلة العلنية الكاملة.

وسارعت الرباط وتل أبيب إلى تبادل الزيارات الرسمية، حيث وقع عدد من الاتفاقيات في مجالات متعددة، من بينها الدفاع والأمن السيبراني والتكنولوجيا والزراعة والسياحة، كما أُنشئت آليات للتشاور السياسي المنتظم وتم فتح مكاتب اتصال تحولت لاحقا إلى بعثات دبلوماسية كاملة.

ويتصدر التعاون العسكري واجهة هذا التقارب، بعد توقيع مذكرة تفاهم في المجال الدفاعي تعد الأولى من نوعها بين الاحتلال الإسرائيلي ودولة عربية. وشمل التعاون صفقات تسليح وتبادل خبرات وتدريبات.

وفي الجانب الاقتصادي، ارتفع حجم المبادلات التجارية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مع دخول شركات إسرائيلية السوق المغربية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا الحديثة وتحلية المياه والطاقة، كما شهدت حركة الطيران المباشر بين الجانبين نموا لافتا، مدفوعة بزيارات رجال الأعمال والسياح.

ويستمر الجدل في المغرب حول حدود هذا التقارب وآثاره السياسية والأخلاقية، في ظل استمرار التوتر في الأراضي الفلسطينية وتصاعد الانتقادات الإقليمية والدولية لسياسات الاحتلال.