العالم

حرب إيران تفاقم تصدع الحلف الأوروبي الأمريكي

منذ بداية العدوان الأمريكي والصهيوني على إيران، إذ برز هذه المرة تمايز أوروبي لافت في المواقف بشكل كبير عن الاندفاع الأمريكي، واحتفظت أوروبا لنفسها بمواقف متحفظة.

  • 834
  • 2:43 دقيقة
الصورة: موقع "أكسيوس"
الصورة: موقع "أكسيوس"

كشف العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران أن التصدع في الحلف الأوروبي الأمريكي بلغ حدا غير مسبوق، إذ برز هذه المرة تمايز أوروبي لافت في المواقف بشكل كبير عن الاندفاع الأمريكي، واحتفظت أوروبا لنفسها بمواقف متحفظة مقارنة بأحداث وحروب سابقة كانت فيها أوروبا أكثر انسياقا للقرار الأمريكي، وهو ما يفسر حدة الخطاب الذي يبديه ترامب ضد عدد من الدول الأوروبية التي رفضت الانسياق وراء مواقفه.

منذ بدء الحرب في أوكرانيا، انتبهت الدول الأوروبية إلى أن واشنطن تستخدم أوروبا كحائط صد ضد روسيا، بينما لم تقدم واشنطن الدعم الكافي لحسم الحرب في وقت وجيز، وظلت في خضم المفاوضات بين كييف وموسكو تقدم مصالحها على مصالح أوروبا. ومع تفاقم الحرب وامتدادها الزمني، اتضح أن الأعباء الأوروبية السياسية والعسكرية باتت تتزايد وتخلق مشكلات كبيرة وعطلت اقتصادها، خاصة في ما يتعلق بمشكلة الطاقة، حيث واجهت أوروبا مصاعب كبيرة في هذا المجال بالنسبة لأمنها، ما دفع أوروبا إلى التفكير في إعادة بناء نظام أمني إقليمي والتفكير في إنشاء الجيش الأوروبي، بينما أعادت الكثير من الدول مراجعة موازنات الدفاع وزيادتها.

مدريد كانت أكثر الدول الأوروبية التي واجهت قرار الحرب الأمريكي ورفضت بشدة الانخراط في القرار الأمريكي. رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز قال إن "إسبانيا لا تدعم الأنظمة التي تنتهك حقوق مواطنيها أو تقمع النساء، لكن رفض الاستبداد لا يبرر خرق الشرعية الدولية أو اللجوء إلى تدخل عسكري خارجي"، وحذر مما وصفه بـ"اقتصاد الحروب وتأثير المجمع الصناعي العسكري في تأجيج النزاعات، الإجراء الذي ينقذ أكبر عدد من الأرواح هو ببساطة قول لا للحرب حتى تنتهي في أسرع وقت ممكن"، كما رفضت فرنسا وبريطانيا والعديد من الدول الحليفة لواشنطن مشاركة هذه الأخيرة في الحرب على إيران، وابتعدت بمسافة عن ذلك.

لم تقتصر المواقف الأوروبية على رفض دعم الحرب سياسيا وإعلاميا، بغض النظر عن مواقفها المنتقدة أيضا للسياسات الإيرانية، بل رفضت إشراك القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها في الحرب ومنعت تقديم أي دعم لوجيستي لصالح القوات الأمريكية، فقد رفضت الحكومة البريطانية ذلك واتخذت الحكومة الإسبانية خطوة عملية تمثلت في رفض السماح باستخدام القاعدتين العسكريتين الأمريكيتين في روتا ومورون لتنفيذ عمليات ضد إيران أو تقديم دعم لوجستي للهجوم، وبسبب هذا القرار، اضطرت 15 طائرة عسكرية أمريكية إلى مغادرة إسبانيا وتغيير مسارها نحو قواعد أخرى، بينها قاعدة رامشتاين في ألمانيا.

قبل الحرب على إيران كانت أوروبا قد صدمت بتزايد المطامع الأمريكية في جزيرة غرينلاند في الدنمارك، نتج عنها سلسلة تصريحات ساخرة من قبل ترامب بحق قادة أوروبيين، وقوله إن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تحمي أوروبا. وبرز التصدع بين أوروبا وأمريكا أيضا في المستوى الاقتصادي، حيث فرضت واشنطن حزمة ضرائب على الدول الأوروبية وأجبرتها على الخضوع لبعض الالتزامات الاقتصادية، وهو ما أكد أن واشنطن تنظر إلى أوروبا كسوق أكثر منها كشريك.

في خضم الحرب على إيران، زاد التصدع أيضا بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، بالنظر إلى أن الحرب لم تأخذ بعين الاعتبار حسب التقديرات الأوروبية مصالح القارة العجوز في مجال الطاقة على وجه الخصوص، إذ أنه كان من الواضح أن الحرب ستتسبب في غلق مضيق هرمز وينسحب ذلك على تأثيرات ذات صلة بحركة نقل النفط وإمدادات الطاقة، وهو ما ينعكس أيضا على سلاسل الإنتاج، ما وضع الأوروبيين في معضلات إضافية، كونها دولا كانت خارج قرار الحرب والسلم.

من الواضح الآن أن العلاقات الأوروبية الأمريكية لن تكون بعد الحرب كما هي قبل الحرب، من المؤكد أن هامش الثقة بدأ يضيق بين الطرفين، ما قد يدفع أوروبا إلى التفكير في خيارات بديلة، بما فيها إمكانية التفاهم مع روسيا، وهو احتمال يبدو واقعيا مع مرور الوقت وتطورات الأحداث.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع