كشفت الحرب على إيران عن تحولات عميقة في الخريطة الجيوسياسية، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، بل على مستوى النظام الدولي برمته. فالحرب التي روج لها على أنها ستكون خاطفة وحاسمة وقادرة على إعادة رسم موازين القوى وفق الأجندة الأمريكية–الإسرائيلية، جاءت نتائجها معاكسة تماما. إذ لم تؤد فقط إلى تورط الولايات المتحدة في صراع مفتوح ومعقد، بل عمّقت الانقسامات داخل المعسكر الغربي ودفعت عددا من الدول إلى تبني خطاب غير مسبوق تجاه واشنطن و"إسرائيل"، كما شجعت دول في إفريقيا على تسريع مسار فك الارتباط بالقوى التقليدية.
لم يكن أحد يتصور قبل سنوات قليلة أن يجتمع الاتحاد الأوروبي لمناقشة تعليق معاهدة الشراكة مع الكيان الصهيوني، وهو ما تجسّد في اجتماع وزراء الخارجية في لوكسمبورغ، حيث دعت دول مثل إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا إلى تعليق اتفاقية الشراكة، على خلفية الانتهاكات في الضفة الغربية والأوضاع الإنسانية في غزة. وقد عبّر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس عن هذا التحول بقوله إن "مصداقية أوروبا على المحك".
ورغم معارضة بعض الدول، على رأسها ألمانيا، التي تدعو إلى الحوار مع الكيان بدلا من العقوبات، فإن هذا النقاش بحد ذاته يعكس تحولا نوعيا في المزاج الأوروبي، خاصة مع تزايد التباعد عن المواقف الأمريكية، كما ظهر في رفض عدد من الدول الانخراط في دعوات دعم التحركات العسكرية في مضيق هرمز.
هذا التحول لم يظل في إطار التصريحات، بل ترجم إلى خطوات عملية، حيث علّقت إيطاليا تعاونها العسكري مع إسرائيل، كما رفضت دول أوروبية، من بينها إسبانيا وبريطانيا، استخدام قواعدها في أي عمليات مرتبطة بالحرب على إيران، في مؤشر واضح على اتساع دائرة الرفض للسياسات الإسرائيلية.
ويتقاطع هذا التحول الرسمي مع ضغط شعبي متزايد داخل أوروبا، تُرجم في مبادرات مدنية جمعت أكثر من مليون توقيع للمطالبة بتعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل، ما يعكس تحولا عميقا في الرأي العام الذي بات أكثر حساسية تجاه الانتهاكات وأقل تقبّلا للسياسات التقليدية الداعمة لتل أبيب.
كما شهدت المؤسسات الأوروبية تصعيدا غير مسبوق في الخطاب، تجسّد في مواقف حادة داخل البرلمان الأوروبي، من بينها ما أثاره النائب البولندي كونراد بيركوفيتش، الذي ربط بين العمليات العسكرية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا، مشيرا إلى التداعيات الاقتصادية المباشرة للصراع، في وقت يتزايد القلق من انعكاسات الحرب على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ولم تعد هذه التحولات مقتصرة على أوروبا، بل امتدت إلى فضاءات دولية أخرى، ما يعكس اتساع دائرة الجدل حول السياسات الإسرائيلية وتداعياتها، سواء على المستوى السياسي أو الشعبي أو حتى الاقتصادي.
وفي موازاة هذه التحولات، احتضنت السنغال النسخة العاشرة من "منتدى داكار الدولي حول السلام والأمن في إفريقيا"، بمشاركة ممثلين عن 42 دولة. ويكتسب هذا المنتدى أهمية خاصة في ظل قيادة الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، الذي يطرح مقاربة قائمة على السيادة الوطنية والشراكات المتوازنة على عكس النسخ الماضية، حيث كان يعتبر منصة قريبة من المقاربات الغربية، خاصة الفرنسية.
وتعكس أجندة المنتدى تحولا عميقا في الوعي السياسي الإفريقي، حيث ركّزت النقاشات على ضرورة فك الارتباط التكنولوجي والاقتصادي بالقوى الكبرى والتأكيد على أن التحكم في البيانات والموارد الاستراتيجية هو مفتاح السيادة. كما تناولت الجلسات قضايا إدارة الثروات الطبيعية وبناء بنية رقمية إفريقية مستقلة، إضافة إلى مناقشة تداعيات الانقلابات العسكرية التي تشهدها عدة دول في القارة.
وتكشف هذه التطورات عن عالم يعاد تشكيله بعيدا عن الإرادة الأمريكية التي سرّعت، بسبب دعمها المفتوح لإسرائيل وتورطها في حروب خارج إطار الشرعية الدولية، على غرار الحرب على غزة والحرب على إيران، من وتيرة هذا التحول. كما أسهمت سياساتها، سواء في إدارة الأزمة في أوكرانيا على حساب شركائها الأوروبيين أو في قرار الحرب على إيران، في الإضرار بمصالح حلفائها، خاصة في الخليج، الذين وجدوا أنفسهم يدفعون الثمن وحدهم ومُغيّبين عن اتخاذ القرارات المرتبطة بأمن واستقرار المنطقة ومستقبلها.
كما أن منظومة صنع القرار في البيت الأبيض، حسب متابعين، سرّعت من وتيرة إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية وحرّكت توازنات دولية جديدة، خاصة في اتجاه بناء نظام دولي بديل للنظام الذي أنتجته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، القائم على هيمنة الدولار وحلف شمال الأطلسي. وتكشف زيارة رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إلى الصين والاتفاقيات التي أبرمها مع بكين، في خضم توتر علاقاته مع الرئيس الأمريكي، عن عمق هذه التحولات التي أفرزتها السياسات الأمريكية في المرحلة الراهنة.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال