العالم

فدية تحرير الرهائن أم رصاصة في صدر الساحل الإفريقي؟

في تقرير أممي يفضح دولة الإمارات.

  • 3041
  • 5:21 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

لم تعد قضية دفع فدية لجماعات إرهابية مجرد جدل أخلاقي حول أولوية إنقاذ حياة الرهائن. تقرير ظهر بداية هذا الشهر لخبراء الأمم المتحدة كشف للعالم حقيقة أكثر قسوة: المال "النتن" الذي يُدفع لتحرير رهينة يمكن أن يتحول إلى تمويل لحرب كاملة وإلى وقود لعمليات اختطاف جديدة وإلى سلاح في يد تنظيم إرهابي عابر للحدود.

فضح تقرير أممي حديث تمويل جماعات إرهابية تعمل على زعزعة استقرار منطقة الساحل وإفريقيا بشكل عام، من خلال دفع ملايين من الدولارات على شكل فدية مقابل إطلاق سراح رهائن. ويشير تقرير حديث لخبراء بالأمم المتحدة إلى أن فدية بنحو 50 مليون دولار دُفعت لإطلاق سراح رهينة اختطفها مسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة الإرهابي في مالي أواخر عام 2025، ساعدت في تمويل توغّلهم في غرب إفريقيا والشبكة العالمية للتنظيم. ونقلت وكالة "رويترز" عن ثلاثة مصادر إقليمية أن الإمارات هي التي دفعت المبلغ مقابل الإفراج عن أحد رعاياها، بالإضافة إلى أجنبيين آخرين.

التقرير الذي ناقشته لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة ذكر أن معظم الأموال ذهبت إلى الإرهابيين الناشطين في منطقة الساحل، وتدفّق بعضها إلى تنظيم "القاعدة" في اليمن والقيادة المركزية للتنظيم. ونقلت الوكالة عن مصدر مطّلع أن تقرير الأمم المتحدة، الذي أعدّه فريق يراقب تنظيمي "القاعدة" و"الدولة الإسلامية" نيابة عن مجلس الأمن الدولي، عرض على لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة قبل أيام.

50 مليون دولار.. هو الرقم الذي كشفه التقرير الأممي بكونه فدية دُفعت في أواخر 2025 لتحرير رهينة احتجزها تنظيم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، المرتبط بتنظيم القاعدة في مالي. والأخطر أن الخبراء الأمميين خلصوا إلى أن هذه الأموال لعبت دورا مهما في تمويل الهجوم العسكري للتنظيم وتوسيع عملياته في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، كما وصل جزء منها إلى قيادة القاعدة وفروعها، بما في ذلك فرع التنظيم في اليمن.

هنا تحديدا تستعيد الجزائر واحدا من أكثر مواقفها وضوحا وثباتا في الحرب على الإرهاب: الفدية ليست ثمنا لتحرير إنسان وإنما تمويل للإرهاب عندما تكون الجهة المستفيدة جماعة إرهابية.

والجزائر لم تقل ذلك اليوم، لقد حذرت منه منذ سنوات وطالبت المجتمع الدولي بتجريم دفع الفديات للجماعات الإرهابية وكانت من أوائل الدول، بل توصف بأنها أول دولة طالبت بإصرار بتجريم دفع الفدية للإرهابيين. وقد وثقت دراسات متخصصة أن الجزائر قادت جهودا دولية من أجل تجريم دفع الفديات للجماعات الإرهابية، كما أشارت دراسة للمعهد الأوروبي للدراسات الأمنية إلى أن الجزائر كانت تقود الدعوات الدولية في هذا الاتجاه.

ولم يكن هذا الموقف نظريا أو دبلوماسيا مجردا، فقد عرفت الجزائر الإرهاب وخبرت شبكاته وعرفت قبل كثير من الدول كيف تتحول عمليات الاختطاف إلى اقتصاد قائم بذاته.. جماعة تختطف شخصا، تفاوض، تحصل على ملايين الدولارات، تشتري بها السلاح، تدفع رواتب عناصرها، تستقطب مقاتلين جدد، ثم تبحث عن رهينة جديدة.

من يفعلها مرة يفعلها مرات..

بل إن المسألة، في منطق الجماعات الإرهابية، أبعد من ذلك: إذا نجح الاختطاف في جلب عشرات الملايين، فإن الرهينة التالية تصبح استثمارا محتملا. وهكذا يتحول الخطف إلى صناعة والفدية إلى رأس مال والرهينة إلى أصل مالي والإرهاب إلى مشروع قابل لإعادة إنتاج نفسه.

50 مليون دولار.. وها هي النتيجة

المفارقة التي كشفها التقرير الأممي صادمة، فالعملية التي كان هدفها تحرير رهائن انتهت إلى ضخ 50  مليون دولار في خزائن جماعة مرتبطة بالقاعدة.

تقول المعطيات الأممية إن الأموال لم تبق محصورة في مكان دفعها وإنما ساهمت في تعزيز قدرات الجماعة، إذ تم توزيع القسم الأكبر منها على مقاتليها في مالي، بينما وصل جزء منها إلى قيادة القاعدة وفروعها خارج المنطقة.

الجزائر قالتها قبل أن تتحدث الأمم المتحدة

في 2014، أصدر مجلس الأمن القرار 2133 الذي دعا الدول إلى منع الجماعات الإرهابية من الاستفادة من دفع الفديات. والقرار نفسه جاء في سياق دولي متصاعد، كانت فيه الجزائر تضغط من أجل تجريم هذه الممارسة. وكان الموقف الجزائري مبنيا على تجربة مريرة في مواجهة الإرهاب وعلى قناعة بأن مكافحة التنظيمات المسلحة لا يمكن أن تقتصر على ملاحقة عناصرها بالسلاح وإنما يجب أن تصل إلى مصادر تمويلها.

وفي 2020، عادت إلى التحذير من دفع مبالغ ضخمة للجماعات الإرهابية مقابل تحرير الرهائن، مع التأكيد أن هذه التحويلات تقوض جهود مكافحة الإرهاب. واليوم، بعد أكثر من عقد على التحذيرات، يأتي تقرير الأمم المتحدة ليقدم الدليل الأكثر وضوحا على صحة جوهر هذا الموقف.

الإمارات.. السؤال الذي لا يمكن تجاهله.. هنا تصبح القضية أكثر حساسية

قالت ثلاثة مصادر إقليمية لوكالة "رويترز" إن الإمارات المتحدة كانت الجهة التي دفعت نحو 50 مليون دولار، في إطار صفقة أفضت إلى تحرير مواطنين إماراتيين ورهائن آخرين. كما سبق لـ"رويترز" في أكتوبر 2025 أن نقلت عن مصادر أن اتفاقا أُبرم للإفراج عن رهائن إماراتيين مقابل مبلغ يقارب 50 مليون دولار. ولم تؤكد أبوظبي الواقعة أو تنفها، فماذا حدث للـ50 مليون دولار بعد تحريرهم؟

التقرير الأممي يقدم جزءا من الإجابة، حيث ساهمت الأموال في تمويل نشاط جماعة مرتبطة بالقاعدة وفي تعزيز عملياتها العسكرية وشبكاتها العابرة للحدود. وهنا تعود المخاوف الجزائرية القديمة إلى الواجهة.

تحذيرات الجزائر.. من مالي إلى ليبيا والسودان

لم تكن الجزائر تنظر إلى منطقة الساحل باعتبارها مجموعة أزمات منفصلة، فمنذ سنوات حذرت من خطورة تحويل المنطقة إلى ساحة لتنافس القوى الخارجية ومن انتقال الأسلحة والمال والمرتزقة والجماعات المسلحة بين ليبيا ومالي والنيجر والسودان وغيرها.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت الجزائر أكثر صراحة في التعبير عن مخاوفها من أدوار إماراتية ونشاط وظيفي للكيان الصهيوني في عدد من بؤر التوتر. في العام 2024، تم التحذير في الجزائر "من دولة أموالها توجد حيثما يوجد القتال"، في إشارة للأوضاع في مالي وليبيا والسودان. وتزامن ذلك مع تصاعد الجدل حول الدور الإماراتي في عدد من النزاعات الإفريقية، خصوصا السودان وليبيا.

ما يجب الوقوف عليه في هذا الباب هو أن الجزائر لا تتعامل مع الإرهاب باعتباره مجموعة أفراد يحملون السلاح، وإنما منظومة متكاملة تحتاج إلى المال واللوجستيات والمعلومات والسلاح والقدرة على الحركة، ومن ثم فإن تجفيف التمويل ليس ملفا ثانويا وفي صلب الحرب على الإرهاب.

وقد دعمت الجزائر، خلال عضويتها الأخيرة في مجلس الأمن، جهود تعزيز مكافحة تمويل الإرهاب، كما طرحت مبادرات تتعلق بمنع استخدام التقنيات المالية الحديثة في تمويل النشاط الإرهابي. ففي جانفي 2025، أعلنت الأمم المتحدة أن الجزائر قدمت مبادئ توجيهية غير ملزمة للدول لمنع وكشف وتعطيل استخدام التقنيات المالية الجديدة والناشئة لأغراض إرهابية، أي أن الموقف الجزائري لم يتوقف عند موضوع تجريم الفدية وإنما اتجه إلى "معركة أوسع"، هي قطع المال عن التنظيمات الإرهابية أينما وجد.

"متعودة دايما".. قال عادل إمام

وأنا أحاول الانصراف من الموضوع، استحضرني قول شهير للكوميدي العربي الشهير عادل إمام: "متعودة.. متعودة دايما". فهذه الإمارات العربية المتحدة والأمّارات بالسوء (جمع الأمّارة بالسوء)، تبيّن الآن بشهادة خبراء أمميين أشاروا إليها بكونها دفعت فدية بملايين الدولارات بمبرر تحرير رهائن مختطفين من جماعة إرهابية، الأكيد أنها "متعودة" و"من فعلها مرة يفعلها مرات أخرى عديدة"، مادام الهدف واحد، ودولة وحيدة في مرمى "الشياطين"، هي الجزائر الثابتة على مواقفها في القضايا العادلة.

أما وقد بلغنا خاتمة الموضوع.. أليس هذا يصب فيما سبق أن حذرت منه الجزائر بشأن ما يقوم به "مسؤولو" الإمارات العربية المتحدة من نشاط وظيفي لفائدة الكيان الصهيوني؟