العالم

مالي تدفع ثمن سياسات غويتا الرعناء

انقلب على الشعب وأدار ظهره للتاريخ خدمة لطموحاته الشخصية.

  • 2089
  • 2:20 دقيقة
العقيد أسيمي غويتا، الصورة: ح.م.
العقيد أسيمي غويتا، الصورة: ح.م.

من حصار العاصمة باماكو من طرف الجماعات المسلحة، إلى عمليات واسعة استهدفت مواقع عسكرية في مناطق مختلفة وضعت مالي أمام كل السيناريوهات. وفي خضم كل هذا يعيش الشعب المالي أزمات مركبة ومعقدة، أمنية وسياسية واقتصادية، وقد اختزل مطالبه وآماله اليوم في البقاء على قيد الحياة، بعدما كان، قبل نحو خمس سنوات، يطمح إلى بناء دولة ديمقراطية ذات سيادة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا وصلت مالي إلى هذه الحالة؟

منذ وصول العقيد أسيمي غويتا إلى الحكم، بعد تدبيره انقلابين عسكريين في أوت 2020 ضد الرئيس أبو بكر كايتا وفي أوت 2021 ضد الرئيس الانتقالي باه نداو، وعد الشعب المالي، الذي خرج في مظاهرات ضد حكم الرئيس المعزول إبراهيم بوبكر كايتا، على خلفية اتهامه بالفساد وسوء الحوكمة والارتهان لفرنسا، ببناء دولة ديمقراطية سيدة في قراراتها. وقد تبنى غويتا هذا الخطاب، وقدم نفسه كمخلص للشعب، إذ قطع علاقاته مع فرنسا وتوجه إلى روسيا كحليف جديد.

غير أنه، منذ وصوله إلى الحكم، تبنى خارطة طريق خاصة به، لم تعر اهتماما لمطالب الشعب، واعتمد خيارات جعلت البلد أقرب إلى الحكم الديكتاتوري أقصى منه الأحزاب السياسية والمنظمات ذات الطابع السياسي، مقابل فرض شروط مشددة لإنشاء أحزاب جديدة. كما ربط تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية بتحسن الوضع الأمني، مع تنصيب نفسه رئيسا للبلاد لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد.

وكشف غويتا عن طموحاته خلال جلسات الحوار الوطني الذي نظمته السلطة في باماكو، شهر ماي من عام 2024، أي بعد ثلاثة أشهر من نفاذ المهلة التي حددها غويتا لنقل السلطة إلى المدنيين أي مارس 2024.

وبدل ترسيخ الحوار والبحث عن حلول سياسية للأزمات التي تعصف بالبلاد، اتجه غويتا نحو المقاربة الأمنية، خاصة في منطقة الشمال، بعدما ألغى اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة في مالي، الذي كان ثمرة مشاورات واسعة بدعم دولي ووساطة جزائرية. وفي المقابل، اعتمد على القوة الصلبة في التعامل مع أزمة سياسية في شمال البلاد، لتكون النتيجة عودة الأوضاع بحمولتها المثقلة بالأزمات وبشكل أكثر تعقيدا إلى نقطة الصفر.

ولم يقتصر إخفاق غويتا على الجوانب الأمنية والسياسية، بل امتد إلى الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، حيث يعيش الشعب المالي أوضاعا صعبة، في ظل تفاقم الندرة في السلع وعجز في تأمين الخدمات وأزمات متكررة في الكهرباء، زاد من حدتها حصار الجماعات المسلحة للعاصمة باماكو، ما عمق معاناة المواطنين.

وبعد خمس سنوات من الانقلابات، تبدو مالي وكأنها تعود إلى دوامة الأزمات العنيفة، نتيجة سياسات ارتبطت، بحسب متابعين، بطموحات شخصية وأجندات إقليمية لا تخدم استقرار البلاد ولا المنطقة، خاصة أن مالي تمثل دولة محورية في منطقة الساحل، يؤثر استقرارها أو اضطرابها بشكل مباشر على محيطها الإقليمي.

نظام غويتا لم يحفظ الدرس جيدا، وأصر على مدار خمس سنوات على إهدار الفرص الثمينة التي تأتي إلى مالي وشعبها ببناء دولة بركائز متينة قوامها مصالحة بين كل أبناء الشعب المالي ووفق ما تقتضيه مصالحه العليا، لكنه آثر أن يفصل مالي عن محيطها وواقعها الجيوسياسي، ليجز بها في حسابات إقليمية لدول وظيفية هي أصلا في حاجة لمن يساعدها، وللأسف تدفع مالي من جديد ثمن تهور قيادات وقفت في الجانب الخطأ من التاريخ.