العالم

مالي.. سيناريوهات وأفكار حلول

التطورات الأخيرة في مالي تُنذر بانزلاق أكبر نحو الفوضى وعدم الاستقرار

  • 529
  • 2:26 دقيقة
ح.م
ح.م

هذا البلد الشاسع الذي يضم نحو 26 مليون نسمة، يحتل أصلاً مرتبة متقدمة في مؤشر  الهشاشة FSI، ذلك أنه يوجد ضمن ”الخانة الحمراء“ فيه، وبين البلدان الـ 15 الأكثر فشلاً في العالم. كما أن وضعه التنموي متدن جداً، إذ  يحتل المرتبة 188 من أصل 193 في مؤشر التنمية البشرية HDI. علاوة على ذلك، يقع البلد، ضمن حزام منطقة الساحل، حيث توجد بلدان عدة تواجه صعوبات الجغرافيا (مناطق حبيسة، تداعيات تغيرات المناخ.. الخ) ومشتركات الانقلابات والتقسيم والفقر والاستقطاب الخارجي.

مع تكثّف الضربات المنسّقة للمجموعات المناوئة للمجلس العسكري الحاكم في باماكو، في الآونة الأخيرة، بات البلد يواجه سيناريو سقوط المركز في أيدي هذه المجموعات، وخصوصاً مجموعة الأزواد، وبالتالي سيتحوّل إلى نسخة مشابهة، إلى حد ما، لأفغانستان. وربما ستكون مالي أسوأ، ذلك أن مجموعاتها المسلحة مختلفة عرقياً وإديولوجياً وولاءً، على عكس طالبان المتجانسة مع - والمقبولة من - الشعب الأفغاني إلى حد كبير، والتي أظهرت خلال السنين القليلة الماضية مؤشرات قدرة على النهوض بالبلد بعد رحيل الأمريكيين.

الاستشراف الآخر يتعلق ببقاء المركز، بيد العسكر، لكن معزولاً وضعيفاً، مع سيطرة الجماعات المسلحة على مناطق مترامية الأطراف، وبالتالي قد يكون البلد نسخة مشابهة للصومال. بمعنى آخر، مالي قد تتحوّل إلى أفغانستان إذا سقط الحكم، أو إلى الصومال إذا بقي هشاً كما هو الآن.

في كلتا الحالتين، سيكون المجلس العسكري الحاكم هو الخاسر، ومعه ”الفيلق الروسي“ الذي عوّض ”جماعة فاغنر“ والذي يخضع للتوجيه مباشرة من موسكو. الروس الذين قدموا للبلد بعد طرد الفرنسيين والقوات الدولية، بموجب صفقة مفادها ”الحماية مقابل المال والثروات“، بات دورهم الآن محل تساؤل وتشكيك.

تقول تقارير متخصصة إن فشل الروس في الشمال (كيدال)، سيجعل دولاً ”ساحلية“ أخرى (بوركينا فاسو، افريقيا الوسطى.. وغيرهما) تتساءل عن جدوى استعانتها هي الآخرى بخدمات هذا ”الفيلق“ مقابل أموال وثروات معدنية. للإشارة، فإن مالي تدفع للمرتزقة الروس ما بين 10 مليون إلى 20 مليون شهرياً، وبلغ مجموع ما دفعته منذ عام 2021، نحو 900 مليون دولار، وفق تقارير دولية.

الخيار المنطقي أمام حكام باماكو، إذا أرادوا النجاة بالبلد، هو البحث عن حلول إقليمية بدل الاستعانة بقوى بعيدة أثبت التاريخ أنها لم تهزم خصماً ولم تَحم حليفاً.

الجزائر، تبرز، أمام المشهد، قادرة على المساعدة في مجالات عدة تتجاوز البعدين الأمني والاقتصادي. الجزائر، تملك المشترك الديني والالتصاق الجغرافي، وهي قوة دولية متوسطة في الإقليم، يُمكنها تحقيق مع لا تستطيع تحقيقًه قوى دولية كبرى من خارجه.

التحوّلات العالمية، نفسها، تُرجّح منطقية ”الحل الجزائري“ ونجاعته، ذلك أن التوجه الدولي بات يدعم جهود القوى المتوسطة (عبر التدخل والوساطات لحل النزاعات، والمساعدة على العمل متعدد الاطراف..  الخ) أكثر من التعويل على أدوار القوى الكبرى.

الجزائر، بصعودها رسمياً، إلى مصاف القوى الدولية المتوسطة، تملك الرغبة والرؤية والقدرة على مرافقة جارتها الجنوبية نحو بر الأمان، على عكس الدول التي قدمت للمنطقة على حين غرة بخطط وأجندات غريبة وغير عملية. ولعل المفارقة هنا، تكمن في أن مالي وجاراتها "الساحلية"، أبعدت قوة استعمارية قديمة (فرنسا) وأبدلتها بأخرى جديدة فاشلة (المرتزقة الروس).

الخلاصة.. مالي بلد ضعيف وازداد ضعفاً بعد الانقلاب العسكري والاستعانة بحماية أجنبية بعيدة، والحل المنطقي، وربما الوحيد، أمامه هو العودة إلى الحكم المدني أولاً وإلى محيطه الإقليمي بحثاً عن التعاون والدعم والمرافقة ثانياً.