العالم

مساهمة: تاريخ الدبلوماسية الروسية وحداثته

يحتفل الدبلوماسيون الروس، اليوم، بالعيد المهني للعمال في الحقل الدبلوماسي ما يسمى بيوم العامل الدبلوماسي.

  • 235
  • 3:43 دقيقة
الصورة: أليكسي سولوماتين سفير روسيا الاتحادية في الجزائر
الصورة: أليكسي سولوماتين سفير روسيا الاتحادية في الجزائر

يحتفل الدبلوماسيون الروس، اليوم، بالعيد المهني للعمال في الحقل الدبلوماسي ما يسمى بيوم العامل الدبلوماسي. ويُصادف 10 فيفري 1549 أول ذكر موثّق لقسم السياسة الخارجية وهو أول هيكل في تاريخ بلدنا كان مسؤولا عن الشؤون الخارجية. ويعتبر هذا التاريخ بالذات يوم الإنشاء الرسمي لوزارة الخارجية الروسية. وبالطبع بدأت الدولة الروسية القديمة بالمشاركة الفعالة في العلاقات الدولية في وقت أبكر من ذلك وتحديدا في القرن التاسع. إلا أنه مع تأسيس قسم السياسة الخارجية شرعت الأرشيفات تُحفظ موثّقة الأدلة الوثائقية على عمل دبلوماسيينا في بناء وتطوير العلاقات مع الدول الأجنبية.

على مدى ما يقرب من خمسمائة عام غيّر قسمنا السياسة الخارجية اسمه عدة مرات وتطور إلى جهاز فعال له تقاليده وتاريخه وتمارس بعثاتنا الدبلوماسية مهامها لصالح وطننا الأم في جميع أنحاء العالم.

وخرّجت المدرسة الدبلوماسية الروسية التي تُعدّ بحق واحدة من أقوى المدارس الدبلوماسية العديد من الشخصيات البارزة ذات الأهمية العالمية وهم فيودور تيوتشيف وأليكسي أورلوف وألكسندر غريبايدوف وألكسندر جورتشاكوف وجورجي تشيشيرينوفياتشيسلاف مولوتوف وأندريه جروميكو ويفغيني بريماكوف، وعلى مر التاريخ دافع دبلوماسيينا بشرف، بل وضحوا بحياتهم في بعض الأحيان عن مصالح بلادهم. التضحية بالنفس والوفاء بالواجب وحب الوطن هي سمات خالدة للدبلوماسي الروسي، وقد تجلّت هذه الصفات بوضوح خلال الحرب الوطنية العظمى (1941-1945) حين حامى الدبلوماسيون السوفيت عن بلادهم ليس فقط بكتاباتهم، بل أيضا بأسلحة وبأيديهم، إذ توجه ما يقارب من نصف موظفي السلك الدبلوماسي السوفيتي إلى الجبهة وقاتلوا ببسالة في شتى فروع القوات المسلحة مدافعين عن موسكو ولينينغراد وستالينغراد وكورسك، ومع ذلك لم يتوقف العمل الدبلوماسي قط. ففي هذا الوقت العصيب كان من الضروري مواصلة الجهود الدبلوماسية التي تُوّجت بتشكيل وتعزيز التحالف المناهض لهتلر وفتح جبهة ثانية، ولولا ذلك لكان النصر على الفاشية أكثر تكلفة على البشرية.

في العام الماضي احتفل المجتمع الدولي بذكرى تاريخية مترابطة، الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة، وقد أسهم دبلوماسيونا إسهاما كبيرا في صياغة ميثاق الأمم المتحدة الذي تُشكّل مبادئه أساس العلاقات بين الدول والقانون الدولي، ويُعدّ تأسيس الأمم المتحدة أحد أهم نتائج الحرب العالمية الثانية، إذ بُني ميثاقها على السعي إلى منع تكرار ويلات الحرب وعلى الرغبة في بناء علاقات ودية ومتكافئة بين الدول.

نحن ننطلق من أن المبادئ الراسخة للميثاق يجب أن تبقى نبراسا لا يتزعزع للمجتمع الدولي بأسره اليوم، لطالما استرشدت روسيا ودبلوماسييها بقناعات تتوافق مع أحكام هذا الميثاق.

تستند أخلاقياتنا المهنية إلى الحفاظ على توازن القوى في الشؤون الدولية، العدالة اليوم تعني إرساء نظام عالمي متعدد الأقطاب يُراعى فيه مصالح جميع الدول مراعاة كاملة، هذه هي المهمة الأساسية لدبلوماسيينا، لطالما دافعنا وما زلنا ندافع عن المساواة في السيادة بين الدول كبيرها وصغيرها، ونحن على يقين من ضرورة إسماع صوت كل دولة على الساحة الدولية. ومن المأسوف عليه أنه لا يشارك الجميع هذه الرؤية، فهناك من يرون أن العدالة القائمة على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة لم تعد مجدية. يسعى الغرب إلى استبدال هذا الإطار القانوني العالمي بـ"نظام قائم على القواعد" ولا أحد يعلم ما يعنيه هذا. يُطلب منا تبني صياغات مبهمة دون توضيح جوهرها. مصطلح "القواعد" غير وارد في ميثاق الأمم المتحدة أو غيره من الوثائق الدولية العالمية، في محاولة للحفاظ على هيمنتهم يسعى الغربيون إلى منع تشكيل مراكز قوة اقتصادية وسياسية جديدة، إنهم يمارسون بنشاط ممارسات استعمارية جديدة.

فخلافا للدول الغربية لم تكن بلادنا قوة استعمارية قط وقد بنينا علاقات مع بلدان أجنبية على مبادئ الاحترام المتبادل والتعاون المتكافئ، وقدّم الاتحاد السوفيتي دعما شاملا للعديد من الدول في نضالها ضد الحكم الاستعماري.

وبصفتي سفير روسيا في الجزائر، أودّ أن أتحدث بمزيد من التفصيل عن هذا البلد الصديق، لقد دعّم الاتحاد السوفيتي كما فعلت روسيا باعتبارها خليفته، تطلعات الشعب الجزائري للاستقلال منذ بداية حركة التحرير الوطني، وقدّم له كل مساعدة ممكنة، وتُوّج التطور التدريجي طويل الأمد للتعاون بتوقيع إعلان تعزيز الشراكة الاستراتيجية المعمقة بين بلدينا عام 2023 خلال زيارة دولة لفخامة الرئيس عبد المجيد تبون إلى روسيا، في الوقت الحاضر تواصل الجزائر في سعيها نحو سياسة سيادية بناء علاقات متبادلة المنفعة معنا، ونحن نُقدّر عاليا موقف شريكنا هذا ونؤيده.

أعلم أن الدبلوماسيين في الجزائر يحتفلون على نطاق واسع أيضا بعيد مهني - اليوم الوطني للدبلوماسية - والذي يتوافق مع تاريخ انضمام الجزائر إلى الأمم المتحدة في 8 أكتوبر 1962.

نعرب عن تقديرنا لكفاءة زملائنا الجزائريين ومستوى التفاعل معهم، وقد أقامت وزارتا خارجيتنا حوارا سياسيا فاعلا، حيث يتواصل وزيرانا بانتظام شخصيا وعبر الهاتف ونولي اهتماما بالغا لتبادل الخبرات. وفي السنوات الأخيرة خضع دبلوماسيون جزائريون لتدريب متقدم في الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية الروسية.

نعتبر الجزائر شريكا مخلصا ومتوافقا في الرؤى نتشارك معها مواقف متشابهة أو متداخلة في معظم القضايا الدولية، وننسّق جهودنا في الساحات الدولية. وتتميز علاقات الصداقة الحقيقية بحرصنا الدائم على الاستماع باهتمام لشركائنا على طاولة المفاوضات والتوصل إلى توافق في الآراء، هذا هو جوهر العمل الدبلوماسي.

سفير روسيا الاتحادية في الجزائر