العالم

هرمز تحت الصفر أو كيف أربكت "حرب الناقلات" حسابات واشنطن

في هذا السياق الجيوسياسي المضطرب، تتسارع الترتيبات لعقد جولة جديدة من المفاوضات في إسلام آباد، وسط تناقضات أمريكية صارخة.

  • 773
  • 4:17 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في اليوم الحادي عشر من هدنة هشة بين الولايات المتحدة وإيران، تحول مضيق هرمز، وهو شريان الطاقة العالمي، إلى مرآة عاكسة لمأزق استراتيجي تعيشه إدارة الرئيس دونالد ترمب. فبينما تؤكد القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها تفرض "حصارا محكما" على الموانئ الإيرانية، كشفت بيانات تتبع السفن عن واقع أكثر تعقيدا، حيث لم تعبر أي سفينة المضيق أمس وعادت 13 ناقلة نفط على الأقل أدراجها أمس الأول.

هذا المشهد المتناقض بين حصار أمريكي معلن وشلل ملاحي فعلي يكشف عن حقيقة استراتيجية أعمق هي أن الحرب الاقتصادية التي شنها ترمب على إيران ارتدت لتصبح حربا على الاقتصاد العالمي، وأصبحت كلفتها الداخلية عبئا يهدد مستقبله السياسي.

في هذا السياق الجيوسياسي المضطرب، تتسارع الترتيبات لعقد جولة جديدة من المفاوضات في إسلام آباد، وسط تناقضات أمريكية صارخة: ترمب يهدد بتدمير "جميع محطات الطاقة والجسور" في إيران إذا لم تقبل بـ"العرض العادل"، وفي الوقت نفسه يقر بأن حصاره أغلق المضيق فعليا، معترفا بأن طهران تخسر 500 مليون دولار يوميا "أما نحن فلا نخسر شيئا". لكن هذا التباهي يتناقض مع تقارير "رويترز" التي كشفت أن "حساسية ترمب المتزايدة تجاه الكلفة الاقتصادية الداخلية" هي التي دفعته للتحول المفاجئ من القصف إلى الدبلوماسية.

هرمز وصفر عبور وانهيار الثقة الملاحية

أكدت بيانات تتبع السفن التي نقلتها وكالة "بلومبرغ" أن مضيق هرمز شهد أمس توقفا تاما لحركة الملاحة، في سابقة خطيرة تعكس حجم الاضطراب الذي أصاب التجارة البحرية العالمية. فالمضيق الذي يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط العالمي يوميا في أوقات السلم، أصبح اليوم منطقة محظورة فعليا، ليس بسبب إغلاق إيراني شامل كما هددت طهران، بل بسبب تداخل إجراءات الحصار الأمريكي مع مخاوف شركات الشحن من الوقوع في مرمى النيران المتبادلة.

وكان لافتا أن وكالة "تسنيم" الإيرانية أفادت بأن القوات الإيرانية "أعادت ناقلتين كانتا في طريقهما إلى مضيق هرمز ومنعتهما من العبور"، في إشارة إلى أن طهران تمارس أيضا شكلا من أشكال التحكم بالملاحة، ما يضاعف من تعقيد المشهد ويجعل المضيق منطقة رمادية قانونيا وأمنيا.

بالمقابل، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن مروحياتها تنفذ دوريات في منطقة الخليج لتنفيذ الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. ويأتي هذا الانتشار في إطار "حملة الضغط الأقصى" التي تحدث عنها وزير الطاقة الأمريكي، مؤكدا أن واشنطن "تُحكِم الخناق ماليا على إيران"، واصفا الضجيج الإعلامي بأنه "مؤشر حقيقي على نظام ينهار".

لكن الثغرات في الحصار بدت واضحة، فرغم الوجود العسكري الأمريكي المكثف، كشفت مصادر إيرانية عن سرعة "أعلى مما كانت قبل الحرب" في تجديد منصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وفقا لتصريحات قائد القوة الجوفضائية بالحرس الثوري. هذا يعني أن القدرات العسكرية الإيرانية لم تُستنزف بالشكل الذي كانت تأمله واشنطن وأن طهران لا تزال قادرة على الردع والتصعيد إذا فشلت المفاوضات.

ورغم أن ترمب يزعم أن الولايات المتحدة "لا تخسر شيئا" من إغلاق المضيق، تكشف تقديرات عن حقيقة مغايرة: ارتفاع أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة وتضرر المزارعين من تعطل شحنات الأسمدة وارتفاع أسعار وقود الطائرات، كلها عوامل أضرت بالقواعد الانتخابية الحساسة لترمب وزادت من ضعفه أمام انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.

وعلى المستوى الدبلوماسي، فإن الوسطاء "يضعون اللمسات الأخيرة على التحضيرات لعقد جولة محادثات جديدة بين واشنطن وطهران". وتشير التقارير إلى وصول طائرتين أمريكيتين إلى إسلام آباد تقلان فريقا تمهيديا ووجود فرق أمن أمريكية في إطار التحضير للمحادثات، كما أكدت الخارجية الباكستانية اتصالا بين وزير الخارجية ونظيره الإيراني واتفاقا على إجراء اتصال بين رئيس الوزراء شهباز شريف والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

لكن اللافت هو حالة الارتباك التي تسود الجانب الأمريكي بشأن من يقود وفد التفاوض. فبينما أعلن ترمب في البداية أن نائبه جيه دي فانس سيقود الوفد، عاد ليقول إن فانس لن يتوجه إلى باكستان "لأسباب أمنية"، مشيرا إلى أن جهاز الخدمة السرية "ليس مطمئنا" لذهابه، ثم أعلن أن مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر سيكونان في إسلام آباد يوم الثلاثاء. هذا التخبط يعكس حجم التوتر والمخاطر الأمنية المحيطة بجولة المفاوضات، كما يعكس انقسامات داخل الإدارة الأمريكية نفسها حول إدارة الملف الإيراني.

وتشير التقديرات إلى أن 7 أسابيع من الحرب فشلت في إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على تلبية جميع مطالب ترمب، لكنها نجحت في كشف إحدى أبرز نقاط ضعفه وهي "حساسيته المتزايدة تجاه الكلفة الاقتصادية الداخلية". فارتفاع أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة وتصاعد الضغوط التضخمية وتراجع شعبيته في الداخل، كلها عوامل دفعته إلى التحول المفاجئ من القصف إلى الدبلوماسية.

وأشار بريت بروين، المستشار السابق للسياسة الخارجية في إدارة أوباما، إلى أن ترمب "يشعر بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب". وهذا الاعتراف من خصم سياسي يعكس حقيقة استراتيجية: الاقتصاد هو كعب أخيل ترمب، وإيران نجحت في استهدافه عبر التلويح بورقة مضيق هرمز.

وقد امتدت التداعيات الاقتصادية للحرب إلى قطاعات وقواعد انتخابية حساسة داخل الولايات المتحدة. فتضرر المزارعون الأمريكيون، الذين يشكلون إحدى أهم قواعد ترمب الانتخابية، من تعطل شحنات الأسمدة التي تمر عادة عبر مضيق هرمز، كما انعكس ارتفاع أسعار وقود الطائرات على أسعار تذاكر السفر، ما أثر على قطاع السياحة والنقل الجوي.

وحذر صندوق النقد الدولي من مخاطر الركود العالمي، في وقت لايزال الغموض يلف مصير البرنامج النووي الإيراني. وحتى لو توقفت الحرب قريبا، فإن الأضرار الاقتصادية قد تستغرق شهورا وربما سنوات لمعالجتها، ما يزيد من الضغوط على الإدارة الأمريكية لإيجاد مخرج سريع.

ويقول محللون إن الصين وروسيا، وهما من أبرز خصوم الولايات المتحدة، قد تستخلصان درسا مماثلا من هذه الأزمة: أن ترمب قد يلجأ إلى القوة العسكرية، لكنه يفضل المخرج الدبلوماسي عندما تتحول الكلفة الاقتصادية إلى عبء داخلي. هذا الدرس قد يشجع القوى المنافسة على اختبار حدود الردع الأمريكي في مناطق أخرى من العالم، مستفيدة من "حساسية ترمب الاقتصادية".