العالم

هل ورّط ترامب دول الخليج في مستنقع الحرب مع إيران؟

في العديد من العواصم الخليجية، يتنامى شعور بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعت المنطقة إلى مواجهة مع إيران من دون أن تملك خطة واضحة لحماية حلفائها أو مخرجاً سياسياً للحرب.

  • 2132
  • 3:23 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في خضم التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجد دول الخليج العربي نفسها فجأة في قلب مواجهة لم تخترها، لكنها تتحمل جزءاً كبيراً من تداعياتها. فالحرب التي بدأت تحت عنوان كبح النفوذ الإيراني أو حتى تغيير النظام في طهران تحولت سريعاً إلى اختبار قاسٍ لمنظومة الأمن الإقليمي التي قامت لعقود على المظلة الأمريكية.

ففي العديد من العواصم الخليجية، يتنامى شعور بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعت المنطقة إلى مواجهة مع إيران من دون أن تملك خطة واضحة لحماية حلفائها أو مخرجاً سياسياً للحرب.

وفي السياق، يرى الباحث الأمريكي، مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، في تحليل نشره في مجلة "فورين بوليسي"، أن الثقة الخليجية في الضمانات الأمنية الأمريكية تآكلت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة. فالهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية عام 2019 شكّلت نقطة تحول، إذ كشفت حدود الردع الأمريكي عندما لم يأتِ رد حاسم من واشنطن. وتكرر الشعور ذاته لاحقاً مع الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت أبوظبي، ما عزز لدى قادة الخليج قناعة بأن المظلة الأمنية التي اعتمدوا عليها لعقود لم تعد صلبة كما كانت.

وحسب لينش، فإن هذا الإدراك دفع عدداً من العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم سياساتها الإقليمية. ففي عام 2023 أعادت السعودية وإيران العلاقات الدبلوماسية في خطوة هدفت إلى خفض التوترات وفتح قنوات اتصال مباشرة، في محاولة لتفادي الانجرار إلى صراعات إقليمية واسعة. غير أن اندلاع الحرب الحالية أعاد المنطقة إلى مربع المواجهة، ووضع دول الخليج في وضع حرج، حيث تعد حليفة تقليدية لواشنطن، لكنها لا ترغب في أن تتحول أراضيها إلى ساحة حرب بين القوى الكبرى، خصوصاً في ظل الانطباع المتزايد بأن قرارات الحرب اتخذت في واشنطن وتل أبيب بينما تُترك دول المنطقة لتحمل تداعياتها.

ومن وجهة النظر الإيرانية، تبدو المعركة الحالية وجودية. فمع تصاعد الضغوط العسكرية التي تقودها واشنطن وتل أبيب، تميل طهران إلى توسيع نطاق المواجهة بدل حصرها داخل حدودها. ويشير تحليل لينش إلى أن إيران لجأت إلى استراتيجية استنزاف تعتمد على استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة لاستهداف أو تهديد عدة دول خليجية، بينها الإمارات والبحرين. والرسالة الأساسية لهذه الهجمات ليست عسكرية فحسب، بل سياسية أيضاً، تتمثل في "إظهار هشاشة الأمن الإقليمي وإبراز حدود الحماية الأمريكية". كما ترتبط هذه الاستراتيجية بحسابات اقتصادية عالمية، فمجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف منشآت الطاقة أدى إلى تصاعد التوتر وارتفاع الأسعار العالمية، كما دفع بعض شركات الشحن إلى تجنب المرور في المنطقة، بينما اضطرت منشآت حيوية في الخليج إلى تعليق عملياتها مؤقتاً كإجراء احترازي.

في المقابل، وحسب العديد من المحللين، تبدو الرهانات الأمريكية على تغيير النظام في إيران محفوفة بقدر كبير من الغموض، فالأوساط العسكرية والاستراتيجية تشير إلى أن الاعتماد على الضربات الجوية وحدها لإسقاط نظام متجذّر منذ أكثر من أربعة عقود، يبقى خياراً غير واقعي، كما أن المعارضة الإيرانية ما تزال منقسمة ولا يوجد حتى الآن بديل سياسي واضح يمكن أن يحظى بإجماع داخلي في حال حدوث فراغ في السلطة.

ويثير هذا الغموض قلقاً خاصاً لدى دول الخليج، ليس فقط بشأن الحرب الحالية، بل أيضاً بشأن ما قد يحدث بعدها، فسيناريو انهيار الدولة الإيرانية قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة، كما أن أي فراغ سياسي في إيران قد يؤدي إلى موجات اضطراب أمني أو اقتصادي تمتد آثارها إلى عمق الخليج.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الولايات المتحدة أمام معضلة استراتيجية معقدة، فإسقاط النظام الإيراني – إذا كان هذا هو الهدف النهائي – يتطلب حملة عسكرية طويلة ومكلفة وربما تدخلاً برياً واسعاً، وهو خيار لا يحظى بدعم واضح داخل الولايات المتحدة نفسها. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب في شكلها الحالي قد يتحول إلى صراع استنزاف طويل لا يحقق نصراً حاسماً لأي طرف.

ويرى بعض المحللين أن ما يجري اليوم قد يكون بداية تفكك النظام الإقليمي الذي بنته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على مدى عقود، فالحرب التي يفترض أنها تهدف إلى احتواء إيران قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة تتمثل في إضعاف النفوذ الأمريكي ودفع حلفائه التقليديين إلى إعادة التفكير في علاقاتهم الاستراتيجية.

كل ذلك يفتح الباب أمام احتمال إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، فالحرب الجارية لا تهدد فقط الاستقرار الأمني، بل قد تعيد رسم التحالفات السياسية أيضا، وإذا استمرت الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية بالتراجع، فقد تجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية والبحث عن توازنات جديدة في منطقة تتغير معادلاتها بسرعة غير مسبوقة.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع