حليم بن عطا الله، سفير سابق
قد يبدو من الوهلة الأولى أن محاولة الربط بين الموقف التجديدي الذي تبنّته كندا في مواجهة الهيمنة النيوكولونيالية لجارها الأمريكي القوي، والموقف الأقدم للجزائر إزاء فرنسا، مغامرةً تحليلية محفوفة بالمخاطر. غير أن النزعة السيادية التي تحكم مقاربتي البلدين تستحق، مع ذلك، عقد مقارنة بينهما، وفق مقياس واقعي يستند إلى معطيين أساسيين:
فهي مقارنة واقعية، أولاً، لأن الأمر يتعلق بدولة متقدمة وأخرى نامية، تختلفان في خصائصهما السياسية والجغرافية، وتواجهان، كلٌّ على حدة، عدوانية قوتين عظميين تعتبران جوارهما مجالاً حصرياً لنفوذهما. وهي واقعية أيضاً لأن اليقظة السياسية التي يشهدها كندا في مطلع القرن الحادي والعشرين تذكّر بتلك التي عبّرت عنها الجزائر سنة 1974، حين دعت إلى بديل للنظام الذي أقامته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية. ولا تزال هذه الإشكالية الجيوسياسية راهنة، سواء على الصعيد العالمي أو الإقليمي.
الانتقال والقطيعة
يحمل الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس يوم 20 جانفي مضموناً استراتيجياً بالغ الأهمية. ففي سياق علاقات تاريخية واتكالية قصوى – تصل حدّ التبعية – من جانب كندا، يشكّل هذا الخطاب ردّاً سيادياً على النزعة العدوانية للجار الكبير الذي يوظّف الترابط الاقتصادي أداةً للإخضاع.
وقد شرح مارك كارني كيف تعتزم كندا التحرّر من قبضة جار ذي نزعة إمبريالية، مقدّماً رداً سريعاً ومدروساً بعناية لصدّ هجوم نيوكولونيالي. واعتبر أن العودة إلى النظام القديم ليست سوى حنين إلى الماضي، مؤكداً أن «الحنين ليس استراتيجية». وعليه، اختار مسار انتقال–قطيعة نحو نظام متعدد الأقطاب، يقوم على تحكيم المصالح المتبادلة بدلاً من علاقات الخضوع المفروضة بالتهديد العسكري أو بالإكراه الهجين. إنها سيادة في مجال الدفاع، والانتقال من موقع الضحية إلى موقع الفاعل؛ «فمن ليس على الطاولة يكون على قائمة الطعام»، كما قال.
ويأتي هذا المسار التصحيحي في وقت تعلن فيه مجموعة من الدول ولاءها لرئيس أمريكي متقلّب الأطوار، إلى درجة أن بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي باتوا يتساءلون علناً عن «سلامته العقلية». وإزاء إحباطه من تجاهله في مسألة جائزة نوبل للسلام – وهو إحباط عبّر عنه في رسالة وجّهها إلى رئيسة وزراء الدنمارك – لجأ إلى صناعة «أداة» رمزية تحت لافتة شركة تجارية تحمل اسم «مجلس السلام». غير أن هذا الكيان، غير القابل للتصنيف في سجلات المجتمع الدولي، لن يعمّر بعد صاحبه؛ إنه محض وهم.
وفي الوقت الذي يعبّر فيه الأوروبيون عن قلقهم إزاء تآكل المظلّة النيوكولونيالية الأمريكية، انتقل الكندي إلى الفعل مباشرة. فقد توجّه سريعاً إلى الصين لبناء شراكات جديدة، كاسراً أحد المحرّمات: فالصين، في نظره، ليست تهديداً بل شريكاً في الأعمال. وسار المكسيك بدوره في الاتجاه ذاته، في مواجهة الهيمنة العنيفة لأمريكا ترامب.
وفي هذه المرحلة، قد يُطرح سؤال مشروع: ما علاقة كل ذلك بالعلاقات الجزائرية–الفرنسية؟
سأكتفي بالإشارة إلى خاصيتين يمكن أن تشكّلا قاسماً مشتركاً أولياً بين الإشكالية الأمريكية–الكندية والإشكالية الجزائرية–الفرنسية.
أزمة بنيوية
الخاصية الأولى: في حين تطوّرت الوحشية النيوكولونيالية الأمريكية تجاه كندا خلال بضعة أشهر فقط، وأدّت سريعاً إلى ردّ معاكس انطلق من دافوس، فإن ميدان العلاقات بين فرنسا والجزائر (فرنسا المؤسسة تحديداً) تحوّل إلى حقل ألغام بين الدول، لا يمكن الولوج إليه دون الاضطرار إلى التراجع.
وخلال السنوات الأخيرة، تبلورت انحرافات سياسية بالغة الخطورة: فقد تجاوزت فرنسا عتبة «السبب الموجب للحرب casus belli» على المستوى الجيوسياسي. إنها استفزازات جسيمة. إذ انتقلت إلى سياسة العقوبات، وفرضت شروطاً معلنة أو مبطّنة في ملفات متعددة، وأقرت سياسة تقوم على التطويق البشري، وحبست العلاقات الثنائية داخل «تابوت» من المناورات السياسية الداخلية التي لا تنتهي. كما أن ألعابها السياسية في منطقة المغرب الكبير لا تقل خطورة، بل تمثل عاملاً مهدداً لأمن منطقتنا برمّتها.
في الآونة الأخيرة، أسهم عاملان مستجدّان في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه الجزائر في تعميق تدهور منسوب انعدام الثقة: أولهما، تغلغل اللوبيات الصهيونية داخل المؤسسات الفرنسية، وبين النخب، وفي منظومة القيم، بل وحتى في طريقة تفكير المؤسسة الحاكمة؛ وهي لوبيات، لا بد من التذكير، التقت على الأراضي الفرنسية مع كيان انفصالي صوري فاقد لأي وجود. وثانيهما، تمثّل في اتخاذ اليمين المتطرف موقع «البوصلة المرجعية» في توجيه المواقف. وهي توجهات ممتدة في الزمن وليست طارئة.
وبعد الإقدام على خطوات بهذه الخطورة، يصبح من غير المتصوّر أن تقدم فرنسا على أي تنازل دبلوماسي من شأنه إعادة بناء الثقة، على الأقل في ظل تركيبتها السياسية الحالية، وربما المقبلة. وفعلياً، قامت بتقليص هوامش الحوار إلى أدنى مستوياتها. لقد ذهبت بعيداً جداً، بحيث إن أي مفاوضات دبلوماسية لن تكون قادرة على محو هذه الصفحة. وإن حصلت مفاوضات، فإن فرنسا ستسعى إلى تكريس الأمر الواقع والتفاوض على مكاسب إضافية، من قبيل إعادة التفاوض حول اتفاق 1968 (وهو أمر غير قابل للتفاوض من وجهة نظري)، والحصول على مزيد من العقود في قطاع الطاقة (لفائدة شركة توتال)، وتوسيع حضورها في المجال التجاري عموماً.
ومن هذا المنظور، تستحق الاستراتيجية الكندية القائمة على استعادة الزخم في السيادة الاستراتيجية دراسة معمقة. وعلى غرار كندا، لا يمكن أن يكون طريق المستقبل سوى قرار جزائري سيادي، غير قابل للتفاوض، يتمثل في إعادة تموضع استراتيجي هادئ، في سياق دولي أصبحت فيه فرنسا فاعلاً ثانوياً على الساحة الدولية. وعلى مستوى الرؤية الاستراتيجية، كان رئيس الوزراء الكندي مصيباً حين قال: «الحنين ليس استراتيجية»، كما أن العاطفة حالة وجدانية يمكن للخصم استباقها.
أما السمة الثانية، فهي أن مؤشرات الانزلاق نحو انعدام ثقة بنيوي لم تغب خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، ظل الأمل قائماً في حدوث انتعاش إيجابي يعيد الأمور إلى نصابها.
في مساهمة لي حول الموضوع بعنوان «علاقات تحتاج إلى إعادة ضبط»، نُشرت في جريدة «ليبيرتي» بتاريخ 24 أكتوبر 2021، شرحت كيف كانت فرنسا تدفع باستمرار باتجاه ترجيح كفتها عبر «ضربات سياسية» متتالية. وكنت قد شددت على أن «استئناف التواصل لن يكون بالأمر السهل، نظراً لتشوش الأوراق بفعل مزيج متفجر من التقريبات الذاكراتية، والنقائص التاريخية، والأحكام المسبقة الإيديولوجية (…)».
وفي 9 فبراير 2023، وفي مساهمة أخرى نُشرت في جريدة «لو سوار دالجيري»، كتبت: «من فرنسا ستصدر الاستفزازات المقبلة (…). ومن باريس ستأتي (الزائفة) إشارات “التوبة” الدبلوماسية من أجل استئناف مجرى الأعمال وكأن شيئاً لم يكن (…). غير أن فرنسا التي تهاجم الجزائر يوماً وتقترح المصالحة في اليوم التالي ليست شريكاً موثوقاً (ولا تختلف في ذلك عن أميركا في عهد ترامب)». وخلصت إلى القول: «بالنظر إلى الاتجاهات الجديدة على الصعيد الجيو-استراتيجي، أرى أن فرنسا لم تعد مفيدة للجزائر».
الحلّ البنيوي
كان من الأفضل لو كذّبت الوقائعُ هذه التقديرات الشخصية. غير أنّ قمم التوتر المتكررة بشكل مفرط بلغت للأسف مرحلة الأزمة البنيوية. فالتحقيق التلفزيوني الأخير الذي بثّته قناة عمومية فرنسية يشكّل هجوماً مباشراً جديداً، نُفّذ بمشاركة فاعلة من الممثل السامي لرئيس الدولة الفرنسية. وبانخراطه في هذه القضية، يكون سفير فرنسا قد أقصى نفسه بنفسه، وأطلق النار على قدمه. لقد أصبحت فرنسا بلا رأس، ولم يبقَ من العلاقات بين الدول سوى حطام.
ومن زاوية ما، يشكّل اعتماد كندا لمسار جديد مصدراً مهماً للدروس في ما يتعلق باستراتيجية انتقالية تقوم على القطيعة مع جار كبير يتّسم، في بنيته العميقة، بنزعة تعالٍ متجذّرة.
وتبقى المسألة الجوهرية: في أي اتجاه ينبغي المضيّ؟ قد توفّر القوانين الكونية الطبيعية مؤشراً دالاً على ذلك.
منذ نهاية القرن العشرين، بات معلوماً في الجيو-استراتيجية أن الشمس لم تعد تشرق من الغرب؛ فقد استعاد الساعة الكونية دورتها الطبيعية. وفي مخططات تشييد المباني، يفضّل المعماريون عادة التوجّه نحو الجنوب للاستفادة القصوى من الإشعاع الشمسي، من دون أن يمنع ذلك الأخذ بعين الاعتبار جهة الغرب حفاظاً على توازن حراري شامل. وينطبق الأمر ذاته على الصعيد الجيو-استراتيجي.
في بلدان الجنوب، تتجه الدينامية العامة نحو منطق الجنوب–الجنوب. والجزائر بلد من بلدان الجنوب، وله رصيد قوي في فضاء الجنوب–الجنوب–الشرق. ومن وجهة نظري، يكمن في هذا الحيّز الجيوسياسي تحديداً مكمنُ قدراتها على النمو والقيادة. وإذا ما أعادت الجزائر توجيه بوصلتها على محور إفريقيا–آسيا، فإنها ستفتح أمامها آفاقاً واسعة للتعاون والأعمال. وبفضل هذه الأزمة، بدأت القوانين الكونية تصطفّ مع مقتضيات الدولة والتطلعات العميقة للأمة. وعندما تكتمل الدائرة، سيتضح الطريق من تلقاء نفسه.
خلاصة القول، وبالنظر المتأني، فإن فرنسا تقدّم خدمة للجزائر على المدى الطويل. فأزمة ممتدة لن تؤدي إلا إلى ترسيخ ميزان القوى لصالح الجزائر وتحديد مآلاته. وسرعان ما ستنحسر منظومة العنف السياسي والدبلوماسي التي تمارسها فرنسا إلى حدّها الأدنى. أما أدوات التأثير الثنائي التي تلجأ إليها، فهي محدودة، وأحياناً ضيّقة الأفق من منظور مصلحة الدولة، بل وقد تكون نتائجها عكسية على الصعيد الدبلوماسي. وأمام هذا المناخ العدائي، تشكّل وعي جزائري جديد.
إن الجزائر، بما تمتلكه من قدرة على الصمود، تحوز مخزوناً من الأوراق الرابحة، وآليات التأثير، والبدائل التي تفتقر إليها "فرنسا المؤسسة". وإذا كانت فرنسا تراهن على ما تسميه «تضامناً» مفترضاً من شركائها الأوروبيين، فهي واهمة إلى حدّ بعيد، إذ لن يجد هؤلاء الشركاء مصلحة حقيقية لهم في ذلك.
فهل بدأ العدّ التنازلي للحظة الحقيقة؟ ما لا شك فيه هو أن عامل الزمن الطويل يعمل لصالح الجزائر.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال