الوطن

تغيير جوهري في العلاقات بين الجزائر وواشنطن

بعدما كانت مقتصرة على المجالين الأمني والطاقوي.

  • 1944
  • 3:07 دقيقة
الرئيس عبد المجيد تبون خلال استقباله لكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس. ص:ح.م
الرئيس عبد المجيد تبون خلال استقباله لكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس. ص:ح.م

تشهد العلاقات الثنائية بين الجزائر والولايات المتحدة، تحولات جوهرية تتجسد في انتقال وتمدد تدريجي إلى مجالات غير تقليدية لم تكن ضمن حركية العلاقة بين الجزائر وواشنطن.

ولم تعد بلاد العم سام تكتفي بالتعاون التقليدي مع الجزائر في مجال الأمن والسلم ومكافحة الإرهاب وتطويق فلوله وإحباط محاولات إنعاشه، وإنما ينتبه المتابع لبيانات السفارة الأمريكية وأنشطتها إلى توجه نحو "تنويع مدروس" لعناصر هذه الرابطة الدبلوماسية، التي تمتد لقرابة قرنين ونصف من الزمن، على حد وصف الممثلية الدبلوماسية نفسها.

وفي حالة ما إذا بدأنا من آخر بيانات للسفارة، يتضح أن التجارة صارت كلمة مفتاحية ومتكررة في الأنشطة المشتركة بين البلدين، متجاوزة الأنشطة التقليدية المتمثلة مجال النفط والطاقات وأيضا في المجال الأمني الذي ظل أحد أهم روافد التعاون بين البلدين.

وبينما راهنت قوى على إحداث تباعد في بين الجزائر وواشنطن باللجوء إلى مكاتب اللوبيينغ وجماعات الضغط لتغليط أعضاء من مجلس الشيوخ وتأليبهم ضد الجزائر، جرت العلاقة في اتجاه معاكس، نحو تمتينها وتنويعها أكثر وتعميقها، بدليل تلك المشاريع والاستثمارات التي تعمل السفارة الأمريكية على مرافقتها وتطويرها في عدة ولايات، والبعد الثقافي الذي أضيف على الرابطة من خلال منشورات تاريخية تسلط الضوء على عمق وجذور وبدايات العلاقات قبل نحو 230 عاما، إلى جانب استغلال واشنطن التوجه الجزائري نحو اللغة الإنجليزية عبر إنشاء فضاءات وبلورة ومقترحات وتصورات لمرافقته ودعمه.

وعبر عن هذا التوجه العديد من الأنشطة والزيارات، من بينها لقاء وفد مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، في ماي المنصرم، بممثلين عن عدة ولايات أمريكية وكذا بفريق حاكم ولاية ميسيسيبي التي تشتهر بقدراتها الإنتاجية في زراعة الذرة وقصب السكر والصوجا والقمح وكذا القطن.

كما تجلّت هذه التحولات، وفق القائم بالأعمال بالسفارة، مارك شابيرو، خلال تصريحات إعلامية، في التبادل في قطاعات النقل والسكك الحديدية والاتصالات والطيران والموارد المائية والتقنيات البيئية والطاقة المتجددة والدفاع والزراعة والصناعات الزراعية والخدمات اللوجستية والتصنيع والتعدين.

وبحسب المعطيات المقدمة من الجانب الأمريكي، تنشط حاليا أكثر من 120 شركة أمريكية في الجزائر، فيما تواصل شركات أخرى بحث واستكشاف فرص استثمارية جديدة في السوق الجزائرية، كما تبرز الفلاحة باعتبارها أحد أكثر القطاعات التي توفر فرصا جديدة للتعاون بين البلدين، لاسيما بعد فتح السوق الجزائرية، أمام الأبقار الحلوب الأمريكية والمواد الوراثية الخاصة بالأبقار، في خطوة اعتبرها الجانب الأمريكي بداية مرحلة جديدة في الشراكة الزراعية بين البلدين.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع توريد نحو 30 ألف بقرة أمريكية للمساهمة في دعم مشروع "بلدنا" مع قطر لإنتاج الحليب بالقرب من أدرار، باعتباره من أبرز المشاريع التي تعكس حجم الطموحات المطروحة في مجال التعاون الزراعي.

ولا تقتصر المبادلات الزراعية على الأبقار، إذ تشكل صادرات فول الصويا الأمريكي إلى الجزائر أحد المكونات المهمة للعلاقات التجارية بين البلدين. ويُستخدم فول الصويا المستورد في الجزائر في إنتاج الأعلاف الموجهة إلى قطاعي الدواجن والثروة الحيوانية، بما يربط التجارة بين البلدين بسلسلة الإنتاج الفلاحي المحلية.

ويراهن الجانب الأمريكي، في الوقت نفسه، على فرص جديدة أمام الشركات المتخصصة في تصنيع المعدات والتكنولوجيات الزراعية، خصوصا أنظمة الري المحوري، وحلول الزراعة الذكية القائمة على الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تقنيات التخزين وسلاسل التبريد.

وتعليقا على هذا التطور، يرى الأستاذ في علوم الإعلام والاتصال والمحلل السياسي، البروفيسور العيد زغلامي، أن العلاقات الجزائرية الأمريكية تشهد تحولاً ملموساً في طبيعتها، بعدما كان يغلب عليها الطابع النفطي والأمني، لتتوسع اليوم إلى مجالات اقتصادية وثقافية وتجارية وعلمية وتعليمية.

وأشار زغلامي، في اتصال مع "الخبر"، إلى أن السفارة الأمريكية في الجزائر تعمل على تعزيز برامج تعليم اللغة الإنجليزية، وتنتهج ما يُعرف بـ"الدبلوماسية الناعمة"، من خلال توظيف التربية والثقافة والتعليم بهدف جذب واستقطاب فئات من المجتمع الجزائري، خصوصاً الشباب والمثقفين.

وأوضح زغلامي أن هذا التحول يعكس، في جانب منه، انفتاح الشباب الجزائري على تعلم لغات جديدة والتعرف على ثقافات وفضاءات مختلفة، مشيراً إلى أن الجزائر لا يمكن أن تبقى حبيسة الفضاء الفرنكوفوني، رغم أهمية العامل الجغرافي في علاقاتها مع فرنسا.

وأضاف الجامعي أن الشباب الجزائري يتطلع إلى فضاءات أخرى، من خلال الانفتاح على الولايات المتحدة والصين وألمانيا وروسيا وغيرها من القوى الاقتصادية والثقافية، معتبراً أن هذا الانفتاح يوسع آفاق العلاقات الجزائرية دولياً، ويتيح للأجيال الجديدة التعرف على الثقافات والحضارات الأنغلوسكسونية وغيرها.