الوطن

"حروب السرديات تستهدف الوعي.. والإعلام الوطني مطالب باستعادة زمام الرواية"

رئيس منظمة الصحافيين الجزائريين، سليمان عبدوش، لـ "الخبر"

  • 127
  • 7:25 دقيقة
صورة: رئيس منظمة الصحافيين الجزائريين، سليمان عبدوش
صورة: رئيس منظمة الصحافيين الجزائريين، سليمان عبدوش

تأتي هذه المقابلة مع رئيس المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين، سليمان عبدوش، في سياق إطلاق الجامعة الصيفية الأولى للمنظمة، التي اختارت "الإعلام الوطني في مواجهة حروب السرديات" عنوانا لها، لبحث تحديات التضليل والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، والتأكيد على دور الصحفي في حماية الوعي وصياغة رواية مهنية تستند إلى الحقيقة والمصداقية. فيما يلي نص المقابلة كاملا:

كيف بدأت فكرة تنظيم الجامعة الصيفية الأولى للمنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين؟ وما الذي دفعكم إلى إطلاق هذه المبادرة في هذا الظرف بالذات؟

. فكرة الجامعة الصيفية لم تأت من فراغ، وإنما جاءت نتيجة قراءة للواقع الذي يعيشه الإعلام الوطني اليوم، والتحولات الكبيرة التي طرأت على المهنة وعلى البيئة الإعلامية بشكل عام.

نحن نعيش مرحلة لم يعد فيها الصحفي يشتغل فقط داخل غرفة أخبار تقليدية، وإنما أصبح يعمل في فضاء رقمي مفتوح، تتدفق فيه المعلومات بسرعة كبيرة، وتتداخل فيه الأخبار الحقيقية مع الأخبار الزائفة، وتنتشر فيه الروايات والمضامين الموجهة، وأصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءا من عملية إنتاج وتوزيع المحتوى الإعلامي.

من هنا جاءت فكرة الجامعة الصيفية كفضاء يجمع الصحفيين والخبراء والأساتذة والفاعلين في القطاع، ليس فقط للحديث عن هذه التحديات، وإنما لمحاولة فهمها والتفكير في كيفية التعامل معها مهنيا.

وقد اخترنا أن تكون الدورة الأولى تحت عنوان "الإعلام الوطني في مواجهة حروب السرديات"، لأننا نعتقد أن المعركة الأساسية اليوم أصبحت معركة على المعلومة وعلى الوعي وعلى الرواية.

لماذا اخترتم "حروب السرديات" عنوانا للجامعة الصيفية؟

. لأن العالم تغير، وأدوات التأثير تغيرت معه، اليوم يمكن أن تبدأ حملة إعلامية من منشور على منصة اجتماعية، ثم تنتقل خلال ساعات إلى آلاف الصفحات والحسابات، وبعدها تتحول إلى مادة تتناولها وسائل إعلام مختلفة.

حرب السرديات أخطر من مجرد نشر خبر كاذب؛ لأنها تقوم أحيانا على بناء تصور كامل لدى المتلقي حول حدث أو قضية أو دولة أو مؤسسة أو مجتمع.

ولهذا فإن الإعلام الوطني مطالب بأن يكون حاضرا في هذه المساحة، ليس بمنطق الرد الدائم، وإنما بمنطق المبادرة وصناعة المحتوى المهني والموثوق وصناعة الرواية القائمة على الحقائق.

وما الهدف الأساسي الذي تسعون إلى تحقيقه من خلال هذه الجامعة؟

. الهدف الأساسي هو التكوين وتبادل الخبرات وفتح نقاش مهني جاد حول مستقبل الصحافة الجزائرية. نحن لا نريد أن تكون الجامعة مجرد لقاء ظرفي أو مناسبة بروتوكولية، وإنما نريدها أن تصبح فضاء يلتقي فيه الصحفيون لمناقشة القضايا التي تؤثر مباشرة في مهنتهم ومستقبلهم.

ولهذا يتضمن البرنامج جلسات حول الإعلام الوطني، والدبلوماسية الإعلامية، والمسؤولية الأخلاقية، وحروب السرديات، والتضليل، إضافة إلى قضايا مرتبطة بالممارسة الصحفية والتكوين.

في برنامج فعاليات الجامعة الصيفية، هناك محور يتعلق بـ "الإعلام الوطني والدبلوماسية الإعلامية"، كيف تنظرون إلى العلاقة بين الإعلام والدبلوماسية؟

. أصبح الإعلام أحد مكونات القوة الناعمة للدول، وأصبح للصورة التي تقدمها الدولة عن نفسها وللطريقة التي تشرح بها مواقفها وسياساتها، تأثير كبير في الخارج.

وهنا يأتي دور الصحفي المهني في نقل المعلومة بدقة، وفي فهم السياقات الإقليمية والدولية، وفي تقديم صورة حقيقية ومتوازنة عن الجزائر.

الدبلوماسية الإعلامية لا تعني أن يتحول الصحفي إلى موظف دبلوماسي، وإنما تعني أن يكون الإعلام قادرا على فهم طبيعة المعركة الإعلامية التي تدور حول الجزائر، وأن يقدم المعلومة المهنية التي تمكن المتلقي، في الداخل والخارج، من فهم الموقف الجزائري بعيدا عن التضليل والاقتطاع من السياق.

هل تعتقدون أن الإعلام الوطني الجزائري يملك اليوم القدرة على صناعة الرواية الوطنية؟

. نعم، ونعتقد في المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين أن الإعلام الجزائري يملك طاقات بشرية ومهنية كبيرة تسمح له بذلك، لكن صناعة الرواية الوطنية يحتاج إلى عمل مستمر وإلى سرعة في التعامل مع الأحداث وإلى إنتاج محتوى نوعي.

لا يمكن أن نترك الساحة فارغة ثم نشتكي من أن الآخرين يصنعون الرواية، عندما تكون لدينا معلومة موثوقة، وتحليل مهني، وصورة واضحة، ومحتوى يصل إلى الجمهور في الوقت المناسب، فإننا نكون قد ساهمنا في حماية الحقيقة. والرواية الوطنية التي نتحدث عنها ليست رواية دعائية، وإنما رواية مبنية على الوقائع والحقائق والذاكرة الوطنية والمهنية الصحفية.

إلى أي مدى أصبحت حروب السرديات والتضليل الإعلامي تشكل تهديدا للأمن المعلوماتي والسيادة الوطنية؟

. أصبحت تشكل تهديدا حقيقيا، لأن استهداف الدول لم يعد يقتصر على المجالات العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، بل أصبح يمتد إلى الوعي.

عندما يتم ضخ معلومات كاذبة بشكل متكرر، أو يتم التلاعب بصورة أو فيديو، أو اقتطاع تصريح من سياقه، فإن الهدف قد يكون خلق حالة من الشك أو فقدان الثقة أو التأثير في الرأي العام. وهنا تبرز أهمية الإعلام الوطني، لأنه يمثل إحدى المؤسسات الأساسية القادرة على مواجهة هذا النوع من التضليل من خلال التحقق ونشر الحقيقة وتفسير السياق.

كيف يمكن للصحافة الجزائرية مواجهة الأخبار الزائفة والتزييف العميق والمحتويات المضللة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؟

. المواجهة تبدأ من الصحفي نفسه.. يجب أن نتعامل مع أي معلومة متداولة على المنصات الرقمية باعتبارها معلومة تحتاج إلى التحقق، وليس باعتبارها حقيقة لمجرد أنها منتشرة.

أما الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، فقد جعلا عملية التحقق أكثر أهمية.. نحن أمام محتويات يمكن أن تبدو حقيقية في الصورة والصوت والفيديو، ولذلك أصبح الصحفي مطالبا بتطوير أدواته في التحقق الرقمي، والعودة إلى المصادر الأصلية، ومقارنة المعلومات، وفهم السياق، وهذا تحديدا أحد أهداف الجامعة الصيفية، المتمثلة في رفع مستوى وعي الصحفي بهذه الأدوات والمخاطر، وتمكينه من التعامل معها مهنيا.

هل يمتلك الصحفي الجزائري اليوم الأدوات والمهارات الكافية للتحقق من المعلومات وتحليل البيانات وكشف الحملات الإعلامية الموجهة؟

. الصحفي الجزائري ذكي وفطن، ولديه قدرة كبيرة على التعلم والتكيف مع التحولات.. لكن الذكاء والموهبة وحدهما لا يكفيان أمام التطور المتسارع للتكنولوجيا. الصحفي يحتاج إلى التكوين المستمر، ولهذا جاءت الجامعة الصيفية. نحن نريد أن نساعد الصحفي على تطوير أدواته، ليس فقط في كتابة الخبر، وإنما أيضا في التحقق من المعلومات، وتحليل البيانات، وفهم آليات انتشار المحتوى، واكتشاف الحملات الإعلامية الموجهة.

في البرنامج محور بعنوان "المسؤولية الأخلاقية في مواجهة التضليل الإعلامي"؛ أين تبدأ هذه المسؤولية وأين تنتهي؟

. المسؤولية تبدأ من لحظة حصول الصحفي على المعلومة.. فيبدأ بطرح الأسئلة: هل هي صحيحة؟ هل مصدرها موثوق؟ هل تم التحقق منها؟ هل نشرها يخدم حق الجمهور في المعرفة أم يمكن أن يؤدي إلى تضليله؟

السرعة مهمة في العمل الصحفي، لكنها لا يمكن أن تكون على حساب الدقة. وفي اعتقادي، فإن أخلاقيات المهنة ليست قيدا على الصحفي، وإنما هي التي تحميه وتحمي مؤسسته وتحمي المجتمع من الفوضى الإعلامية.

ألا تخشون أن تؤدي مواجهة حروب السرديات إلى تراجع استقلالية الصحفي؟

. بالعكس.. نحن نرى أن مواجهة التضليل لا يمكن أن تكون ناجحة من دون صحافة مهنية ومستقلة ومسؤولة.

الصحفي ليس مطلوبا منه أن يتخلى عن استقلاليته، وإنما المطلوب أن يكون أكثر مهنية وأكثر قدرة على التحقق وأكثر التزاما بأخلاقيات المهنة.

قوة الصحفي في مصداقيته، وقوة المؤسسة الإعلامية في ثقة الجمهور بها، ولذلك فإننا نرفض أن تكون مواجهة التضليل ذريعة للتخلي عن القواعد المهنية.

الجامعة الصيفية تجمع صحفيين وأساتذة وخبراء وفاعلين من مجالات مختلفة، لماذا هذا التنوع؟

. لأن التحديات التي تواجه الصحافة اليوم لم تعد صحفية فقط. عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، نحتاج إلى خبراء في التكنولوجيا، وعندما نتحدث عن حروب السرديات، نحتاج إلى باحثين وأساتذة، وعندما نتحدث عن الدبلوماسية الإعلامية، نحتاج إلى مختصين في العلاقات الدولية، وعندما نتحدث عن أخلاقيات المهنة، نحتاج إلى نقاش مهني وقانوني. الصحفي لا يمكن أن يعيش بمعزل عن محيطه، ولهذا أردنا أن تكون الجامعة مساحة للحوار وتبادل الخبرات.

هل يمكن أن تتحول الجامعة الصيفية إلى تقليد سنوي للمنظمة؟

. هذا هو طموحنا.. نريد أن تكون هذه الدورة الأولى بداية لمسار مستمر، وأن تصبح الجامعة الصيفية موعدا سنويا يلتقي فيه الصحفيون لمناقشة القضايا التي تهم المهنة. لكن الأهم بالنسبة لنا هو أن يكون لهذه المبادرة أثر حقيقي بعد انتهاء فعالياتها، من خلال استمرار التكوين والنقاش وتبادل الخبرات.

بالعودة إلى واقع الصحفي الجزائري، ما هي أهم التحديات التي تواجهه اليوم في رأيكم؟

. التحديات متعددة، منها التحول الرقمي، وضغط السرعة، والمنافسة مع المحتوى غير المهني على المنصات، والحاجة إلى التكوين المستمر، إضافة إلى القضايا الاجتماعية والمهنية التي تواجه الصحفي.

ولهذا فإن الدفاع عن الصحفي لا يعني فقط الدفاع عن حقوقه المهنية والاجتماعية، وإنما أيضا تطوير قدراته وأدواته حتى يكون قادرا على أداء رسالته.

وهل يمكن فصل تطوير الصحافة عن تحسين الظروف المهنية والاجتماعية للصحفي؟

. بالتأكيد لا. الصحفي هو أساس العملية الإعلامية، وكلما كانت ظروفه المهنية والاجتماعية أفضل، كان أكثر قدرة على أداء مهمته. ولهذا فإن المنظمة تنظر إلى الصحفي باعتباره إنسانا ومهنيا في الوقت نفسه، وتعمل على طرح مختلف القضايا التي تهم الأسرة الصحفية، إلى جانب التكوين والتأهيل.

ما الرسالة التي تريدون توجيهها من خلال هذه الجامعة إلى الصحفيين الجزائريين؟

. رسالتي هي أن المرحلة الجديدة تتطلب صحفيا جديدا، ليس بمعنى التخلي عن قيم المهنة، وإنما بمعنى امتلاك أدوات جديدة. نحن نملك صحفيين أكفاء، ولدينا طاقات شابة قادرة على مواكبة التحول الرقمي، وما نحتاجه هو الاستثمار أكثر في التكوين. وأقول للزملاء.. لا تخافوا من التكنولوجيا، بل تعلموا كيف تستخدمونها.. ولا تخافوا من الذكاء الاصطناعي، بل افهموا آلياته ومخاطره واستفيدوا من أدواته في خدمة الصحافة. وفي النهاية، مهما تطورت التكنولوجيا، ستبقى الحقيقة والمهنية والمصداقية وأخلاقيات المهنة هي الأساس الذي تقوم عليه الصحافة.

في كلمات مختصرات، ما المرجو من هذه الفعالية الأولى من نوعها لفائدة الصحافيين؟

. الجامعة الصيفية هي بداية وليست نهاية.. نريد من خلالها أن نفتح نقاشا واسعا حول مستقبل الإعلام الوطني، وأن نؤكد أن الصحفي الجزائري قادر على مواجهة التحديات الجديدة متى توفرت له المعرفة والأدوات والتكوين.

نحن نؤمن بأن الإعلام الوطني شريك أساسي في حماية الوعي العام، وفي مواجهة التضليل، وفي الحفاظ على الذاكرة الوطنية، وفي تقديم الجزائر للعالم كما هي، بعيدا عن التشويه والاقتطاع والتضليل. وإذا كانت حروب السرديات تخاض اليوم في الفضاء الرقمي، فإن أفضل سلاح لمواجهتها هو صحفي مهني، واع، متكون، ومتمسك بالحقيقة وأخلاقيات المهنة.

حاوره: جلال بوعاتي