الوطن

رسائل زيارة بابوية تاريخية

بقدر ما كشفت الزيارة عن مدى مساهمة رموز جزائرية في الحضارة البشرية، وموقع الجزائر في صناعة السلم والأمن الدوليين، بقدر ما كشفت عن دناءة إعلام ظل يتغنى بالمهنية والاستقلالية، ليتبين أنه إعلام تقوده أمراضه .

  • 743
  • 2:18 دقيقة
رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون عند توديعه البابا ليون الرابع عشر بعد انتهاء زيارته إلى الجزائر، الصورة: الفاتيكان.
رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون عند توديعه البابا ليون الرابع عشر بعد انتهاء زيارته إلى الجزائر، الصورة: الفاتيكان.

اختتم البابا ليون الرابع عشر، رجل الدين الأول في الكنيسة الكاثوليكية ورئيس دولة الفاتيكان، اليوم، زيارته التاريخية وغير المسبوقة إلى الجزائر، التي أعادت تسليط الضوء على الإرث الحضاري للجزائر، الضارب في التاريخ، وعلى معاناة شعبها من وحشية الاستعمار وصموده الأسطوري، ثم على أدوارها في تعزيز الأمن والسلم الدوليين وقيم التعايش في العالم والقارة.

 وعرفت الزيارة البابوية أبعادا رمزية وحضارية وسياسية ودبلوماسية، تتجاوز القراءات الضيقة التي عملت على حصرها في المستوى الديني أو الأوغسطيني، الذي قال عنه البابا إنه ليس حجا شخصيا له، بل واحداً من محطاتها. وانطلقت الزيارة باستقبال رئاسي ورسمي استثنائي للبابا بصفته رئيس دولة الفاتيكان، وأيضا رجل الدين الأول في المعتقد المسيحي الكاثوليكي، بحضور كبار المسؤولين، وممثلي السلك الدبلوماسي المعتمد بالجزائر.

 وبعدها وتحت زخات المطر، وقف البابا أمام مقام الشهيد منحنيا أمام تضحيات ونضالات الجزائريين في وجه الاستعمار، بما جعل المحطة محمّلة بالرمزية ومليئة بالرسائل السياسية والإنسانية، التي ترجمها الضيف في خطاب تاريخي غير منتظر.

 وتوجهت الأنظار نحو جامع الجزائر، حيث ألقى رئيس الجمهورية والبابا خطابين حول الإرث الحضاري للجزائر عبر التاريخ، من أوغسطين وما قبله، إلى الأمير عبد القادر، وحول أدوار الجزائر في تعزيز السلام وقيم التعايش، وصولا إلى ضرورات جعل خدمة الشعب الجزائري أولى الأولويات، بوصفه شعبا "صمد وهزم محاولات الطمس".

 ومما زاد للزيارة زخما، وأثار اهتمام الصحافة الدولية أكثر، تلك الصورة التي جمعت عميد جامع الجزائر مع بابا الفاتيكان، بمفردهما مقابل فضاء الإمامة ومنبرها، في موقف انبعثت منه الرسائل في كل الاتجاهات، وأبرزها عدم استخدام الدين في شن الحروب والإبادات.

 وكان للصورة وقع عميق على بعض الأوساط الصحفية الفرنسية والأوساط ذات الرؤية الضيقة المحصورة في الجانب الديني في عالم مضطرب وعلى حافة حرب عالمية ثالثة، فأخرجت معها الأمراض والانحرافات المهنية والقراءات الناشزة الخارجة عن حركة التاريخ ومقاصد الدين وفهمه السليم.

 وأبرزت الزيارة والخطاب البابوي الذي صاحبها ومفرداته الصريحة، ثبات مواقف الرجل تجاه الإبادات والحروب، وجرأته في تحديد الجلاد والضحية، قياسا بالصمت والخنوع للعديد من الأنظمة والملكيات العربية. فكانت الزيارة بمثابة بروز لحظة من لحظات الحقيقة الساطعة، في عالم لا يزال يضم أصواتا صادحة تقاوم الزيف والعنف والأسطورة.

 وبعد الجامع، استمرّت الزيارة نحو كنيسة السيدة الإفريقية بزغارة في أعالي العاصمة، وفيها أقام البابا قداسا للمسيحيين المقيمين بالجزائر، قبل أن يتوجه في اليوم الثاني إلى عنابة وتحديدا إلى كنيسة القديس أوغسطين، في محطة جديدة، تنبعث منها رسالة حضارية واضحة لمن قال ذات مرة إن الجزائر لم تكن أمة قبل سنة 1830، أو لمن ربطها بالحضور العثماني فقط.

 وبقدر ما كشفت الزيارة عن مدى مساهمة رموز جزائرية في الحضارة البشرية، وموقع الجزائر في صناعة السلم والأمن الدوليين، بقدر ما كشفت عن دناءة إعلام ظل يتغنى بالمهنية والاستقلالية، ليتبين أنه إعلام قادته أمراضه إلى معالجة زيارة البابا الرابع عشر بأسلوب يقلل من شأنها ويربطها بأحداث هامشية، عندما عجز عن قراءة الحدث بشكل منصف وحيادي. وظهر الإعلام الفرنسي في موضع الناشز، قياسا بالإعلام الدولي الذي تعاطى مع الزيارة من منطلق أبسط دروس الصحافة التي تبدأ بالهرم المقلوب.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع