الوطن

عندما خاطب اليامين زروال الجزائريين بالصمت

رواد الفضاء الافتراضي تداولوا بكثافة مقاطع فيديو لخطابات الراحل أثناء فترة حكمه.

  • 484
  • 2:19 دقيقة
الراحل اليامين زروال. ص:ح.م.
الراحل اليامين زروال. ص:ح.م.

منذ وفاة الرئيس الأسبق، اليامين زروال، يتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو مقتضبة، لخطابات وتصريحات سابقة للراحل، تتضمن مواقفه ورؤيته حول العديد من القضايا والأزمات التي كانت تعيشها الجزائر، ما أعاد إلى الواجهة أسلوب الرجل في التواصل مع الجمهور، وأحيا من جديد ذكريات تلك الفترة.

طغت في اليومين الماضيين في الفضاء الافتراضي، صورا وفيديوهات بكثافة، يظهر فيها الراحل اليامين زروال مخاطبا الجزائريين بأسلوبه المباشر والمتحفظ، والبعيد عن الحماسة والدعاية المفرطة، وفق ما يشترك في تقييمه غالبية الذين عايشوا تلك الفترة.

ولم يكن زروال كثير الخطب والتواصل في الفضاء العمومي، سوى إذا تطلبت الوضعية السياسية والأمنية ذلك، فيخرج ليتحدث إلى الجزائريين بلغتهم وبمنطقهم، دونما تزيين او مواربة، وبمستوى ضئيل من الشعبوية والدعاية، التي عادة ما تتطعم بها تصريحات السياسيين، باعتبارها واحدة من الأساليب المؤثرة، بحسب ما يشير إليه دارسو تخصص الاتصال السياسي في كليات علوم الإعلام والاتصال.

وأظهرت كل الفيديوهات والوضعيات التي استحضرها رواد مواقع التواصل الاجتماعي الرئيس الأسبق، في خطاب سياسي وسطي، بين الحماس والعاطفة المفرطين، والتحفظ والبراغماتية الشديدة، التي تطغى عادة على الإداريين والتيكنوقراط.

وبرز من بينها فيديو للراحل بعد الاستفتاء على دستور 1996، داعيا الجزائريين إلى اتمسك بالوحدة الوطنية، والابتعاد عن خطابات التفرقة المستوردة من الخارج، بأسلوب مباشر وبعيدا عن الخطب الاستعراضية والمسترسلة والطويلة.

ولا يجيد زروال التلاعب بالكلمات وتزيين التعابير باستحضار الأمثلة والمأثورات الشعبية التي تدغدغ عواطف الجماهير، في حين يبرع في التحلي بالاستعداد والجرأة لمواجهة جمهوره بالحقيقة وصياغة تعابير من واقعهم، من دون اللجوء إلى لغة الجسد او الكلمات الرنانة لإحداث الإقناع المنشود.

وبينت الفيديوهات المتداولة أن الفقيد خلال ممارسة الاتصال السياسي أو ربما الحقبة أو الظروف كانت سائدة آنذاك هي التي أجبرته على هذه الوسطية في إدارة الاتصال السياسي للسلطة، او ربما طبيعة تنشئته الاجتماعية والمهنية والعسكرية هي من تقف خلف طبيعة تواصله.

ومن وجهة نظر تحليلية، ربط استاذ علوم الإعلام والاتصال، الدكتور العيد زغلامي، خصائص خطابات اليمين زروال، بخلفيته العسكرية وتنشئته الاجتماعية وأيضا بمقتضيات المرحلة التي تقلد فيها منصب الرئاسة.

وقال الجامعي إن انتماء اليامين زروال السابق إلى المؤسسة العسكرية، كان أحد العوامل الني جعلته قليل الخطب والاسترسال في تواصله مع الجمهور، وكثير الصمت، مشيرا إلى أن المؤسسة معروفة بصمتها حتى سميت بالصامتة الكبرى.

وفي سؤال حول تفضيل الرئيس الراحل للصمت أو التصريح المقتضب، على الاسترسال في العديد من المناسبات، ومدى إمكانية هذا النموذج شكل من أشكال الاتصال السياسي؟ قال زغلامي أن الصمت في حالة اليامين زروال، هو ما يمكن تسميته بمفهوم "الصمت الاستراتيجي"، او الخطب القصيرة ذات العبارات القوية والصريحة والغنية بالدلالات والرسائل.

واعتبر المحلل أن الفترة التي شغل فيها زروال منصب الرئيس، كانت تفرض هذا النموذج من الاتصال السياسي، الذي يمتاز بقلة الكلام وكثرة العمل، بالنظر إلى الوضع الأمني الخطير الذي كاد أن ينسف مؤسسات الدولة.

وبالتالي، فإن الصمت أو قلة التصريح، في منهج تحليل الخطاب، يتابع زغلامي، هو في حد ذاته شكل من أشكال الاتصال والتعبير السياسيين، يتعين وضعه في سياقه وتحليله واستخراج مراميه، خاصة بالنسبة للمراقبين وللأكاديميين المشتغلين في حقل الصحافة والإعلام.