الوطن

قصة القرار الذي هز عرش الشركات الفرنسية

تم الاستعانة برشيد ثابتي، الرجل الوسيم الذي يتمتع بقدرات فائقة كعميل بهدف الحصول على معلومات بشأن المفاوضات حيث قام بنجاح باستمالة سكرتيرة جون بيار برونيه.

  • 1053
  • 5:50 دقيقة
الرئيس الراحل، هواري بومدين، الصورة: ح.م.
الرئيس الراحل، هواري بومدين، الصورة: ح.م.

شكل إعلان الرئيس الراحل هواري بومدين أمام إطارات الاتحاد العام للعمال الجزائريين، بتاريخ 24 فيفري 1971، تأميم المحروقات ومصالح الشركات الفرنسية "ألف ايرابس" و"ألف أكيتان" و"توتال"، منعرجا في سياق حركية تحولت إلى مرجعية اتبعتها دول أخرى لاسترجاع السيادة على الموارد الطبيعية.

اختار الرئيس بومدين رمزية المكان والزمان خلال الاحتفال بالذكرى 15 ﻟﺘﺄﺳﻴﺲ الاﺗﺤﺎد اﻟﻌﺎم ﻟﻠﻌﻤﺎل اﻟﺠﺰاﺋﺮﻳﻴﻦ في 24 فيفري 1971 بدار الشعب، مشيرا "وﻗﺮرﻧﺎ اﺑﺘﺪاء ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻴﻮم أن ﺗﺪﺧﻞ اﻟﺜﻮرة ﻗﻄﺎع اﻟﺒﺘﺮول. وﻗﺮرﻧﺎ ﺗﻄﺒﻴﻖ الاختيارات اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﺒﻼدﻧﺎ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﻴﺪان وﻋﻠﻰ ﻫﺬا اﻷﺳﺎس أﻋﻠﻦ ﺑﺼﻔﺔ رﺳﻤﻴﺔ وﺑاﺳﻢ ﻣﺠﻠﺲ اﻟﺜﻮرة واﻟﺤﻜﻮﻣﺔ أنه اﺑﺘﺪاء ﻣﻦ اﻟﻴﻮم ﻗﺮرﻧﺎ أﺧﺬ 51% ﻣﻦ أﺳﻬﻢ اﻟﺸﺮﻛﺎت اﻟﺒﺘﺮوﻟﻴﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ، ﺗﺄﻣﻴﻢ اﻟﻐﺎز اﻟﻄﺒﻴﻌﻲ اﻟﻤﻮﺟﻮد ﻓﻲ اﻟﺼﺤﺮاء، ﺗﺄﻣﻴﻢ اﻟﻨﻘﻞ اﻟﺒﺮي أي ﻛﻞ اﻷﻧﺎﺑﻴﺐ اﻟﺒﺘﺮوﻟﻴﺔ الخارجة من الصحراء أصبحت ملكا للدولة".

قرار التأميم جاء كمحصلة لتطورات شهدتها العلاقات الجزائرية الفرنسية ومسار تفاوضي متعثر بدأ سنة 1969، بناء على المادة 27 من الاتفاق الجزائري الفرنسي الموقع في 29 جويلية 1965 على أمل أن ينتهي في جويلية 1970. وكان المفاوضان هما عن الجانب الجزائري وزير الخارجية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة ووزير الصناعة كزافي أورتولي.

ولكن أيضا ارتبطت التطورات بالظرف الإقليمي والدولي، المتسم بسطوة الكارتلات البترولية والمجموعات النفطية الدولية والتي كانت تفرض أسعارها في السوق، ونتج عن الاختلال سنة 1960 إنشاء ما عرف بمنظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" والتي تم ترسيم تأسيسها في 1965.

وقد أكد الرئيس هواري بومدين خلفيات ودوافع القرار الجزائري لتأميم المحروقات، الذي سبقته قرارات بعد حرب 1967 العربية الصهيونية مع تأميم مصالح الشركات البترولية الأمريكية ايسو وموبيل في 1968، كما وقعت سوناطراك اتفاقا في 19 أكتوبر 1968، استرجعت بموجبه سوناطراك 51 بالمائة من مصالح الشركة في الجزائر، مع الإشارة إلى أنه في سنة 1969 كان البترول الجزائري يمثل 20 بالمائة من إنتاج توتال الفرنسية و79 بالمائة من إنتاج ألف ايرابس ونحو ثلث النفط المستخدم في فرنسا كان مصدره الصحراء الجزائرية بمعدل 25.4 مليون طن.

وحدد بومدين بالقول: "رأينا أنه من اللياقة أن الأرباح التي تريدون صرفها على البحث عن البترول والتي ربحتموها من الجزائر يجب أن تحاولوا على الأقل أن تصرفوها في الجزائر. وفي سنة 1970 علمنا أن الفرنسيين لم يقبلوا، لذا فنحن نعلن كدولة مستقلة وحرة عن السعر والسعر مستقبلا لن يكون 2.08 دولار ولكن 2.85 دولار"، ليضيف "قررنا ابتداء من اليوم أن نأخذ 51 بالمائة من الشركات الفرنسية وثانيا قررنا تأميم الغاز الطبيعي الموجود في الصحراء".

وجاء رد الفعل الجزائري وفقا لمآخذ تم تسجيلها في المفاوضات التي لم يرتئ الجانب الفرنسي اعتمادها، من بينها أن سعر البرميل الجزائري على أساس الشحن والنوعية هو أقل من السعر في الدول الأخرى، وكما أن الشركات الفرنسية سجلت من تصدير ما قيمته 11 مليار دينار أرباحا لم تستثمر سوى 7.60 مليار، ناهيك عن محدودية عمليات الاستكشاف والتطوير والدعم الذي تستفيد منه فرنسا واستخدام أرباح الشركات الفرنسية في الاستكشاف بدول أخرى.

وتقرر بعد حل المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية إقامة مكتب منجمي برئاسة جزائرية مع الاستقلال ثم اعتماد هيئة تشرف عليها لجنة متساوية الأعضاء من ستة أعضاء لكل طرف، وشهدت تلك الفترة إنشاء مجمع سوناطراك في 1963، ثم التوقيع على أول اتفاق في 29 جويلية 1965 بين الدولتين تتحصل بموجبه الجزائر على ضريبة بـ55 بالمائة على النفط الذي حدد بـ2.08 دولار من بجاية و2.095 دولار في أرزيو و2.04 دولار في سكيكدة، ومع زيادة المساهمة الجزائرية تشكلت جمعية تشاركية "أسكوب"، جمعت بين سوناطراك وسوبفال الفرنسية وتحديد إمكانية اللجوء إلى التحكيم الدولي في حالة النزاع.

 وفي أفريل 1965، وجهت الجزائر إعذارا إلى الشركات الفرنسية وغير الفرنسية بالقبول بسعر 2.65 دولار للبرميل وفي جويلية 1970 يعلم وزير الصناعة آنذاك، بلعيد عبد السلام، الطرف الفرنسي بأن السعر الضريبي المرجعي يقدر بـ2.85 دولار، في وقت دعمت الجزائر موقعها باحتضان في جوان 1970 اجتماع أوبك. وفي أعقاب مؤتمر كاراكاس الذي اتخذ عدة قرارات تخص القطاع النفطي في ديسمبر 1970، تخطت الجزائر مرحلة المطالبة، بالإعلان عن تأميم المحروقات، وكان ذلك ثاني إعلان بعد الإعلان الإيراني الفاشل في 1952 لرئيس الوزراء مصدق.

وتضمن القرار الجزائري حيازة حصرية لملكية الثروات والتخلي عن نظام الامتياز بأخذ 51 بالمائة من حصص الشركات الفرنسية ألف ايرابس وتوتال،  وأضحت سوناطراك مالكة لحق البحث والاستكشاف والنقل والتسويق، علما أن الجزائر مع تأسيس سوناطراك في ديسمبر 1963 كانت تحوز 4.5 بالمائة من نطاقات الاستكشاف.

ولم تستسلم فرنسا سريعا مقابل الإعلان عن التأميم، حيث سارعت بعد عشرين يوما إلى إيفاد الكاتب العام لوزارة الخارجية ايرفي الفاند لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن الرد الجزائري كان حاسما وما تم القيام به هو إبرام أول اتفاق في 30 جوان 1971 مع الشركة الفرنسية للبترول لتحديد قيمة التعويضات التي يتم تسديدها خلال ست سنوات بداية من أوت 1972 واعتماد قواعد الشراكة الجديدة ضمن إطار تشريعي وجبائي لقوانين 12 أفريل 1971 والتي تكون تحت إشراف سوناطراك،  وأضحت سوناطراك تحوز على ثلثي الإنتاج بـ41 مليون طن برسم عام 1972 وجل إنتاج الغاز الطبيعي وشبكة النقل بالأنابيب والمنشآت البتروكيميائية وانتقل إنتاج الجزائر من 36.5 مليون طن إلى 52 مليون طن ما بين 1971 و1973 مع الاستفادة من ارتفاع الأسعار. 

وبعد إجراءات التأميم التي تمت في 24 فيفري و12 أفريل التي وقع خلالها الرئيس بومدين سلسلة من الأوامر المتعلقة بشروط نشاط الشركات البترولية والنظام الجبائي الجديد، تحولت الجزائر إلى نموذج، إذ أقدمت ليبيا في 1972 على اقتفاء أثر الجزائر بقرار تأميم مصالح شركة البترول البريطانية، أعقبها قرار تأميم العراق لمصالح الشركة العراقية للبترول في جوان 1972.

قصة استرجاع حقوق استغلال المحروقات الجزائرية من فرنسا

تبنت الجزائر "مقاربة براغماتية" مع تدعيم الاستعانة بالخصم الأمريكي في جانبين، الأول عبر تطوير البنى التحتية بإقامة مركبات الغاز الطبيعي المميع لسكيكدة وأرزيو خلال السبعينات والتوقيع على عقود كبيرة بداية بعقد ال باسو عام 1969 لبيع النفط وتسويق الغاز، وانتهاء بالاستعانة بالتقنية الأمريكية عير ما عرف بـ"مخطط فاليد" بمعية الوزير بلعيد عبد السلام لتثمين القدرات الجزائرية من المحروقات بفضل شركات أمريكية مثل "بيكتل" وإنهاء هيمنة السيطرة الفرنسية.

وعكفت الجزائر على توظيف شبكات لاستعادة الإرث الخاص بالمحروقات من أيدي المصالح الفرنسية، بضمان دعم أمريكي كبديل لشراء النفط والغاز الجزائري، حيث برز دور مسعود زقار المدعو رشيد كازا الذي كان يتمتع بعلاقات مع شخصيات مؤثرة مثل حاكم ولاية تكساس آنذاك جون كونالي والملياردير دافيد روكفيلير إلى جانب مسؤول سي اي اي والرئيس جورج بوش. وكان دور زوقار إرساء قواعد تشكيل لوبي داعم لمحور الجزائر واشنطن وبرز فيه اسم كلارك كليفورد المنسق لسوناطراك في واشنطن ورشيد قلال أول سفير جزائري بواشنطن الذي جمعته علاقات مع الإخوة كندي وليندون جونسون.

بات الرئيس بومدين مقتنعا بضرورة تأميم المحروقات ووظف لذلك سياسة مبتكرة عن طريق عمليات خاصة واختراق بدأت خيوطها تنسج عبر زرع عيون داخل الأمانة العامة لقصر الإليزيه، ممثلا في رشيد ثابتي الذي لعب دورا هاما في اطلاع المسؤولين الجزائريين بتفاصيل الملف، في وقت كان الطرفان الفرنسي والجزائري يتفاوضان بشأن مستقبل قطاع المحروقات، مع الاستناد على ثلاثة شخصيات هم بلعيد عبد السلام وزير الصناعة وسيد أحمد غزالي مدير عام سوناطراك ومدير الأمن قاصدي مرباح، هذا الأخير كلف نور الدين زرهوني مسؤول مصلحة "بيي 2" بالاستعانة برشيد ثابتي المحامي لدى المحكمة العليا والملاكم السابق، الرجل الوسيم الذي يتمتع بقدرات فائقة كعميل بهدف الحصول على معلومات بشأن المفاوضات التي ستخوضها مع الجانب الفرنسي، حيث قام بنجاح باستمالة سكرتيرة جون بيار برونيه، رئيس الوفد الفرنسي والمدير العام للشؤون الاقتصادية والمالية على مستوى وزارة الخارجية الفرنسية ومفوض مؤسسة البحث والنشاط البترولي "ايراب"، المدعوة بياتريس هاليڤا، وافتكاك آلاف الوثائق المتعلقة بمخطط المخابرات الفرنسية للرد على أي عملية تأميم جزائرية وهو ما ساعد على تأميم آمن للمحروقات وإعلان تأميم مصالح شركتي "ألف أكيتان" و"ألف ايرابس" الفرنسية.