الوطن

"مستقبل العلاقات بين الجزائر وفرنسا مرهون بالتحولات السياسية في باريس"

حوار مع الخبير في العلاقات الدولية، قويدر شيشي.

  • 491
  • 4:07 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

حاوره: سعيد بشار

في هذا الحوار، يقدّم الخبير في العلاقات الدولية، قويدر شيشي، قراءة تحليلية لمستوى العلاقات الجزائرية-الفرنسية في الظرف الراهن، ويتوقف عند أبرز الملفات التي غذّت التوتر في الفترة الأخيرة، كما يستشرف السيناريوهات المحتملة لمسار هذه العلاقات خلال السنوات المقبلة.

كيف تقيمون مستوى العلاقات بين الجزائر وفرنسا في الظرف الحالي؟ وهل يمكن الحديث عن مرحلة تهدئة في العلاقات بعد الزيارة الأخيرة لوزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر؟

يمكن تكييف مستوى العلاقات بين فرنسا والجزائر بأنها وصلت إلى علاقات متوترة جدا، خصوصا في عهد برونو روتايو، إذ بلغت حدّ الصدام. فالعلاقات الخارجية الفرنسية الجزائرية في تلك المرحلة وصلت إلى أوج التصعيد، بل كادت تبلغ القطيعة. والمتسبب في ذلك هو برونو روتايو وأذرعه الإعلامية، على غرار بعض القنوات الإعلامية الفرنسية المتطرفة وبعض السياسيين من اليمين المتطرف مثل إيريك سيوتي وغيرهم.

وبالتالي فإن العلاقات في عهد روتايو كادت تصل إلى القطيعة، لأنه كان يخدم أجندة سياسية خاصة به. فالجزائر لم تكن المتسبب في هذا التوتر، بل إن برونو روتايو تدخل في الشأن الداخلي وتعدى حتى على اختصاصات وزارة الخارجية، رغم أنه كان وزيرا للداخلية، وقد حاول الرئيس إيمانويل ماكرون احتواء الأمر، لكن روتايو كان يسعى إلى تحقيق أهداف سياسية، خاصة رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، وهو ما أعلنه صراحة.

بعد ذلك حاولت فرنسا، ممثلة في قصر الإليزيه بقيادة إيمانويل ماكرون، تدارك الوضع، فجاءت مرحلة تهدئة عبر تعيين لوران نونيز وزيرا للداخلية، وهو رجل تكنوقراط حاول إذابة الجليد بين الجزائر وباريس. والزيارة الأخيرة أعطت نوعا من الدفء للعلاقات، وإن لم تعد بعد إلى وضعها الطبيعي الكامل، لكنها انتقلت من مرحلة التصعيد والقطيعة إلى مرحلة التهدئة.

ما هي أبرز الملفات التي قد تسببت في التوتر الأخير بين البلدين، وهل يتعلق الأمر بخلافات ظرفية أم بإشكالات تاريخية عميقة ما زالت تؤثر على مسار العلاقات الثنائية؟

في نظري، أبرز الملفات التي تؤثر في هذا التوتر، ما يسمى بملف الصحفي كريستوف غليز، فالجانب الفرنسي يقدمه كصحفي رياضي، لكن العدالة الجزائرية ثبت لديها أنه كانت له اتصالات مع حركة "الماك" الإرهابية التي تدعو إلى انفصال منطقة القبائل، وهو أمر مرفوض ويمس بالسيادة الوطنية الجزائرية.

وبالتالي على الفرنسيين أن يدركوا خطورة هذا الملف وألا يجعلوه أولوية سياسية كما فعلوا سابقا في قضية بوعلام صنصال، التي استُعملت كورقة ضغط على الجزائر ثم انتهى الأمر بها دون نتيجة.

كما أن الجزائر من حقها أيضا المطالبة بوقف نشاطات حركة "الماك" الانفصالية التي تنظم مسيرات في فرنسا وتدعو إلى الانفصال، فزعيمها فرحات مهني يظهر باستمرار في بعض القنوات الفرنسية ويتلقى دعما من بعض السياسيين الفرنسيين، وهو ما يشكل مساسا بالسيادة الجزائرية.

إضافة إلى ذلك، هناك ملف المرحّلين من فرنسا، حيث أكد الرئيس عبد المجيد تبون أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم وفق إجراءات قانونية، لأن هؤلاء الأشخاص لديهم عائلات وأبناء، ولا يمكن ترحيلهم بطريقة عشوائية.

أما الملف الأهم، في اعتقادي، فهو ملف الذاكرة، إذ لا تزال فرنسا مترددة في الاعتراف الكامل بجرائمها الاستعمارية في الجزائر، مثل مجازر 8 ماي 1945 والتجارب النووية ونهب الجماجم الموجودة في المتاحف الفرنسية.

هل يمكن أن تؤثر التطورات السياسية في فرنسا أو في الجزائر على مسار العلاقات الثنائية في المرحلة المقبلة؟

وفي الجانب الأمني، تمتلك الجزائر خبرة كبيرة في مكافحة الإرهاب، والتعاون الأمني بين البلدين لم يتوقف حتى في فترات التوتر السياسي. فقد أكد السفير الفرنسي سابقا أن قنوات التعاون الأمني بقيت قائمة رغم الأزمات السياسية.

كما أن الجزائر تلعب دورا مهما في الحد من الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، حيث تشكل حاجزا مهما أمام تدفق المهاجرين، ولو لم تقم الجزائر بهذا الدور لغرقت أوروبا، بما فيها فرنسا، في موجات الهجرة غير النظامية.

العلاقات الجزائرية الفرنسية ليست مرتبطة فقط بالمؤسسات، بل تتأثر أيضا بالأشخاص، فمثلا برونو روتايو غيّر مسار العلاقات وأدخلها في مرحلة من التصعيد، بينما جاء لوران نونيز بمنهج أكثر هدوءا لأنه رجل تكنوقراط لا يحمل خلفية سياسية متشددة.

وبالتالي فإن العلاقات قد تتدهور مجددا إذا جاءت شخصيات من اليمين المتطرف إلى الحكم، مثل إيريك سيوتي أو غيره، بينما قد تتحسن إذا جاءت شخصيات معتدلة أو من التيار الاشتراكي.

حتى الرمزية السياسية لها دورها في العلاقات، فمثلا لم يكن روتايو يشارك في إفطار مسجد باريس الكبير الذي ينظمه عميده شمس الدين حفيظ، بينما حضر لوران نونيز هذا الإفطار، وهو ما اعتُبر رسالة رمزية على الرغبة في التهدئة وطي صفحة التوتر.

كيف يمكن للبلدين تجاوز الخلافات السياسية الحالية وبناء علاقة أكثر استقرارا تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل؟

يمكن للبلدين تجاوز الخلافات السياسية الحالية وبناء علاقات أكثر استقرارا، لكن ذلك يتوقف بدرجة كبيرة على الجانب الفرنسي وعلى طبيعة الحكومات التي ستفرزها الساحة السياسية الفرنسية.

فالوضع السياسي في فرنسا يشهد حالة عدم استقرار، مع صعوبة تشكيل الحكومات ووجود انقسام داخل الجمعية الوطنية، وهو ما ينعكس على السياسة الخارجية.

غير أن تجاوز الخلافات يتطلب وجود شخصيات سياسية معتدلة تحترم مبدأ المصالح المشتركة، لأن الجزائر تعتمد في سياستها الخارجية على مبدأ الاحترام المتبادل وعدم الإملاءات.

في رأيكم، ما هي السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقات الجزائرية-الفرنسية خلال السنوات القليلة المقبلة؟

أما السيناريو المحتمل للعلاقات الجزائرية الفرنسية، فمن المتوقع أن تشهد تحسنا تدريجيا إلى غاية الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027. فإذا فاز اليمين المتطرف، فقد تعود العلاقات إلى مربع التوتر، أما إذا وصل إلى الحكم تيار معتدل أو اشتراكي، فمن المرجح أن تتحسن العلاقات وتعود إلى مسارها الطبيعي القائم على مبدأ رابح–رابح بين البلدين.