يعد إعداد مواضيع الامتحانات الرسمية عملية دقيقة ومعقدة، تتم في إطار ضيق، حماية لها وحفاظا على مصداقيتها ومصداقية الامتحانات في حد ذاتها. إن إعداد مواضيع أسئلة الامتحانات الرسمية يخضع لمراحل متعددة، حيث يكون عدد المطلعين عليها محدودا، وتخضع العملية لدقة كبيرة وإجراءات تصل حد عزل المشرفين على تلك الأسئلة عن العالم الخارجي لفترة من الزمن.
تتم الامتحانات الرسمية تحت مسؤولية وتنظيم الهيئة التابعة لوزارة التربية الوطنية، والمتمثلة في الديوان الوطني للامتحانات والمسابقات، حيث يبدأ التحضير للامتحانات منذ شهر أكتوبر، من مرحلة التسجيل الأولي للمترشحين، إلى غاية الإعلان عن النتائج لآخر امتحان، الذي يكون في شهر جويلية، مرورا بعمليات حساسة، أبرزها تحضير الأسئلة التي يتوقف عليها نجاح كل واحد.
كيف تتم العملية؟
يمتلك الديوان الوطني للامتحانات والمسابقات بنكا للمواضيع، إذ تتم دعوة الأساتذة عن طريق المفتشين كل سنة لاقتراح مواضيع أسئلة لمختلف الامتحانات، كل في مادته وفي الطور الذي يدرّس فيه، وهو ما يمكّن ديوان الامتحانات والمسابقات من تخزين المواضيع، ولا يمكن طرح المواضيع التي يتم اقتراحها تلك السنة، بل يتم اللجوء إلى تلك المخزنة منذ سنوات.
وقبل مرحلة الانتقاء، يتحصل الديوان على ملخص المتابعة الدقيقة لمدى تنفيذ البرامج والمناهج في كل مادة، وفي كل ولاية، وفي كل طور تعليمي، بل وفي كل فوج تربوي عبر الوطن، حيث يتم اعتماد الوثيقة كمرجعية لتحديد الدروس التي تدخل في أسئلة الامتحان. ويتم تعيين مجموعة من المفتشين البيداغوجيين من كل طور تعليمي، وعدد من الأساتذة للإشراف على العملية، حيث يتم عزل هؤلاء داخل مقر الديوان الوطني للامتحانات والمسابقات لمدة تقارب أو تفوق شهرا، ويتم تجريدهم من كل وسائل الاتصال والتواصل بالعالم الخارجي، حيث لا يسمح لهم بالخروج إلا بعد انطلاق آخر اختبار من آخر يوم من آخر امتحان، مهما كانت الظروف، بما في ذلك حضور جنازة أحد الوالدين أو الأبناء مثلا، وهي العملية التي تعتبر أصعب مرحلة في تحضير الامتحانات الرسمية.
وبعد دخول المعنيين مركز العزل أو ما يسميه البعض بـ "السجن"، يشرعون في العمل، حيث يقومون بإخراج عدد من المواضيع من البنك، ويعتمدون على مضمونها لإعداد مواضيع الأسئلة، وتقوم كل مجموعة بالإشراف على إعداد مواضيع مادة الاختصاص تحت رئاسة أحد المفتشين الذي يتم تعيينه من طرف ديوان الامتحانات والمسابقات لرئاسة اللجنة.
وتكون اللجنة مكونة من 5 إلى 10 أعضاء (مفتشون وأساتذة مختصون في المادة)، حسب طبيعة المادة وتشعّب مواضيعها، ويتواصل العمل دون انقطاع إلى غاية الانتهاء من العملية، حيث يعمل هؤلاء إلى ساعات متأخرة من الليل، وسط تركيز كبير.
وبعد الاتفاق على الموضوع، يقوم أعضاء اللجنة بسحب 3 نسخ منه للقيام بالقراءة الأخيرة والتدقيق في محتوى الموضوع، قبل أن يتم الإمضاء عليها من طرفهم، وهو ما يعد بمثابة الضوء الأخضر للقيام بعملية السحب، إذ يعتبر توقيع أعضاء اللجنة على نسخ الموضوع تعهدا والتزاما بمطابقة الموضوع لمواصفات الامتحان وأنه خال من الأخطاء.
سحب عدد من مواضيع مختلفة
ومن أبجديات عمل اللجنة المكلفة بإعداد مواضيع الامتحانات الرسمية؛ أن تقوم بإعداد 3 مواضيع مختلفة لكل مادة تحسبا لأي طارئ، تضاف إليها 3 مواضيع احتياطية، تحسبا لعملية تسريب محتملة.
أعضاء اللجنة المكلفة يجهلون الموضوع الذي يمتحن فيه المترشحون
تنتهي مهام أعضاء اللجنة فور توقيعهم على نسخ المواضيع المنقحة وتسليمها لإدارة الديوان، ولا يطلعون على الموضوع الذي تقرّر اعتماده ليمتحن به المترشحون، حيث يقوم مدير الديوان الوطني للامتحانات والمسابقات، الذي يكون، هو أيضا، ضمن "المسجونين"، بترقيم المواضيع بصفة عشوائية، فيكون الموضوع رقم 1 هو المعتمد نهائيا كموضوع الامتحان، علما أن عملية السحب تشمل المواضيع الثلاثة، مع الاحتفاظ بمواضيع احتياطية تحسبا لكل طارئ.
وبمقر الديوان دائما، الذي يكون خلال هذه الفترة تحت حراسة أمنية مشددة، حيث تتم فيه عملية السحب بأجهزة الديوان وعتاده، تتم أيضا عملية وضع المواضيع في الأكياس البلاستيكية المحكمة التي تتم خياطتها، وتوضع مواضيع كل مركز امتحان داخل علبة خاصة، ويكون عدد العلب بعدد مراكز الإجراء على مستوى الوطن.
نقل المواضيع إلى مراكز الإجراء
تتم عملية نقل مواضيع الأسئلة إلى الولايات، 48 ساعة، قبل الانطلاق الرسمي للامتحانات، ولا يسمح بنقلها إلا من طرف مدير التربية شخصيا مرفقا بحماية أمنية من سلكي الدرك الوطني والأمن الوطني، حيث لا يقبل التفويض لأي كان، ويتم الاحتفاظ بالمواضيع داخل غرفة محصّنة معدة لهذا الغرض.
ويقوم مدير التربية شخصيا بمراقبة سلامة الأظرفة التي تحتوي على المواضيع وعددها، ويلزم بإعداد تقرير في اليوم نفسه يشهد فيه على سلامة الأظرفة وتوفرها بعدد مراكز وشعب الولاية التي يديرها، علما أن الغرفة التي توضع بها المواضيع تكون تحت الحماية الأمنية للدرك والشرطة والإشراف الإداري لمدير التربية شخصيا.
وصول المواضيع إلى مراكز الإجراء
كانت الولايات الكبرى تستفيد من ترخيص فتح نقاط متقدمة للاحتفاظ بالمواضيع وذلك بسبب شساعة الولاية من جهة، وضمان وصول مواضيع الأسئلة في الوقت، إلا أن قضية تسريب أسئلة امتحان شهادة البكالوريا، دورة 2016، جعل وزارة التربية الوطنية تلغي هذه الرخصة، حيث أصبح رؤساء مراكز الإجراء يتنقلون كل صباح إلى مقر مديرية التربية لجلب مواضيع الأسئلة الخاصة بالمواد المبرمجة لذلك اليوم، في حين يتم الاحتفاظ ببقية المواضيع بالغرفة المحصنة التابعة لمديرية التربية، ولا يسمح لرئيس مركز الإجراء أن يفوض أي أحد لسحب المواضيع من المديرية، بمن فيهم نائبه.
أعضاء لجان إعداد مواضيع الأسئلة.. سجن من نوع خاص
يعزل أعضاء لجان إعداد مواضيع الأسئلة لعدة أسابيع، وذلك من يوم دخول مقر الديوان الوطني للامتحانات والمسابقات، إلى آخر يوم من آخر امتحان، وهي فترة في منتهى الدقة والصعوبة، للإشراف على عملية حساسة.
وفي هذا الصدد، يقول مفتش سبق له أن كان عضوا في هذه اللجان "كان علينا أن نصطحب معنا ما يكفينا من سجائر، لأنه لا يمكن لسيجارة أن تدخل إلى مقر الديوان خلال كل تلك الفترة.. كانت أياما وليال طويلة جدا، خصوصا بعد الانتهاء من عملية إعداد المواضيع.. لا يمكن لك أن تتصل بأحد إلا بالقلة القليلة من الزملاء المتواجدين داخل المقر.. عزلة عن العالم الخارجي، وكل واحد منا كان يتمنى أن يجد أفراد عائلته بخير.. فهناك من دخل إلى هذا المقر لإعداد المواضيع، وبعد خروجه فوجئ بوفاة أحد أفراد عائلته ولم يتمكن من حضور الجنازة، بل ولم يسمع بها إطلاقا".
مفتش آخر عاش التجربة نفسها، يقول "إن التكفل بالمعنيين من حيث المبيت والإيواء والإطعام في غاية الرفاهية، لكن لا شيء يعادل الحرية.. عندما يقطع عنك الاتصال بالعالم الخارجي وبأقرب الناس إليك، فإنك تشعر بالغربة حقا".
ويروي البعض ممن عايشوا هذه التجربة أنه لولا الواجب المهني الذي يفرض التضحية للمحافظة على مصداقية الامتحانات المدرسية، لما قبلوا بهذه المهمة مهما كان مقابلها المادي.
التدابير تجعل عملية التسريب شبه مستحيلة
منذ قضية التسريب التي طالت مواضيع امتحان شهادة البكالوريا، دورة 2016، اتخذت وزارة التربية الوطنية تدابير احتياطية جعلت من عملية التسريب أمرا شبه مستحيل.
فعلاوة على تشديد الإجراءات أكثر وإعادة النظر في بعض الإجراءات المصاحبة للعملية، ووصل الحد إلى تنصيب كاميرات مراقبة في العديد من المواقع التي تمر منها مواضيع الأسئلة كمقار مديريات التربية، وحتى داخل مكاتب رؤساء مراكز الإجراء، وهو ما يجعل عملية المراقبة والمتابعة في غاية من الدقة، وينهي بصفة شبه كاملة فرص تسريب الأسئلة.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال