الوطن

أزمة الطاقة تعيد رسم دور الجزائر في حوض المتوسط

تعززت مكانة الجزائر بدورها كبوابة من وإلى إفريقيا ضمن الرؤية الأوروبية الجديدة.

  • 819
  • 2:57 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

ففي ظل التوترات الدولية المتصاعدة، سواء المرتبطة بالحرب في أوكرانيا أو اضطرابات الشرق الأوسط، برزت الجزائر كخيار موثوق يضمن استقرار الإمدادات الطاقوية لأوروبا، خاصة عبر أنبوبي ترانسميد وميدغاز، ومستقبلا عبر أنبوب الغاز العابر للصحراء، ما دفع إيطاليا وإسبانيا إلى تكثيف التنسيق لتأمين شراكات طويلة المدى كبوابة للطاقة نحو أوروبا .

وفي سياق متصل، تعززت مكانة الجزائر بدورها كبوابة من وإلى إفريقيا ضمن الرؤية الأوروبية الجديدة، حيث أصبحت شريكا محوريا في تنفيذ مشاريع اقتصادية ولوجستية كبرى، مستفيدة من موثوقيتها السياسية المعبر عنها من أعلى السلطات، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، واحتياطاتها الطاقوية، فضلا عن خبرتها وقدراتها التقنية وبناها التحتية المتطورة في مجال الطاقة.

وفي هذا الإطار، تعكس الزيارات المتتالية للمسؤولين الأوروبيين إلى الجزائر، إدراكا أوروبيا متزايدا بالأهمية الإستراتيجية للجزائر.

فعلى الصعيد الطاقوي، لم تعد الجزائر مجرد مصدر تقليدي للغاز، بل تحولت إلى ضامن حقيقي للأمن القومي الطاقوي الأوروبي؛ فمع تزايد المخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية، مع الضربات التي تعرضت لها البنى التحتية لمنشآت إنتاج وتوريد الطاقة بالشرق الأوسط وغلق مضيق هرمز، تبحث الدول الأوروبية عن بدائل مستقرة وقريبة جغرافيا، وهو ما توفره الجزائر عبر بنيتها التحتية المتطورة والتزاماتها السياسية الثابتة.

تشكل خطوط الأنابيب، على غرار ترانسميد نحو إيطاليا وميدغاز نحو إسبانيا، ركيزة أساسية في هذه المعادلة، حيث تتيح إمدادات مباشرة بعيدا عن مخاطر النقل البحري الذي بات عرضة للتقلبات الأمنية، خاصة مع تهديدات الملاحة في بعض الممرات الحيوية في الشرق الأوسط ومناطق أخرى.

كما تكتسب الجزائر أهمية مضاعفة باعتبارها موردا آمنا وقريبا في محيط دولي غير مستقر، وتتعزز هذه المكانة مع توجه الجزائر نحو الاستثمار في الطاقات النظيفة، خاصة الهيدروجين الأخضر، حيث تراهن أوروبا على شراكات طويلة المدى لضمان انتقال طاقوي سلس. ويعد مشروع الممر الجنوبي أحد أبرز محاور التعاون المستقبلي، ما يجعل من الجزائر شريكا محوريا حتى في مرحلة ما بعد الغاز.

كما أن التوترات التي ألقت بظلالها على سوق النفط والغاز، زادت من الهواجس الأوروبية، ما يدفع هذا الفضاء المجاور إلى البحث عن شركاء مستقرين خارج بؤر التوتر، وهنا تبرز الجزائر كخيار استراتيجي يضمن استمرارية التزويد ويحد من تداعيات الأزمات.

دبلوماسية قارية طاقوية نشطة

يتزامن ذلك مع تتبنى الجزائر خلال السنوات الأخيرة دبلوماسية طاقوية نشطة؛ تهدف إلى تعزيز حضورها الإفريقي وترسيخ منطق التكامل الاقتصادي القائم على المصالح المشتركة، حيث انتقلت من المبادرات التقليدية إلى إطلاق مشاريع كبرى مهيكلة تعكس رؤية إستراتيجية طويلة المدى.

ويبرز في هذا السياق مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر، بطول يفوق 4100 كلم وقدرة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا، الذي يشكل ركيزة أساسية للتعاون الطاقوي الإقليمي، خاصة بعد الإعلان عن دخوله مرحلته العملية، بما يعزز محور أبوجا – نيامي – الجزائر ويفتح آفاقا جديدة للتكامل الاقتصادي.

إلى جانب ذلك، تعمل الجزائر على تطوير مشاريع الربط الكهربائي مع تونس وليبيا، في إطار رؤية تهدف إلى إنشاء سوق كهرباء مغاربية أكثر استقرارا وتكاملا، تسمح بتبادل الطاقة وتخفيف الضغط عن الشبكات الوطنية. كما تعزز شراكاتها الثنائية مع دول الجوار، مثل موريتانيا وليبيا وتونس، من خلال اتفاقيات تشمل الاستكشاف والإنتاج وتبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا، إلى جانب دعم مشاريع الطاقات المتجددة، خاصة الشمسية في دول الساحل.

وتتوسع هذه الديناميكية لتشمل القارة الإفريقية عبر تعاون متزايد مع دول مثل جنوب إفريقيا والكونغو وأنغولا وناميبيا، حيث تسعى الجزائر إلى نقل تجربتها في قطاع الطاقة وتطوير مشاريع مشتركة في المحروقات والهيدروجين الأخضر. كما تستند هذه السياسة الخارجية إلى برنامج استثماري وطني ضخم يقدر بنحو 60 مليار دولار بين 2025 و2029، يهدف إلى تطوير البنية التحتية الطاقوية وتعزيز الإنتاج، مع التوجه نحو تنويع مصادر الطاقة عبر الطاقات المتجددة.

وفي أفق 2035، تطمح الجزائر إلى التحول إلى قطب إقليمي في إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، مستفيدة من موقعها الجغرافي وإمكاناتها الطبيعية، بما يعزز مكانتها كمحور أساسي في أمن الطاقة الإقليمي والدولي، ويرسخ دورها كفاعل رئيسي في مسار التحول الطاقوي العالمي.