الوطن

الجزائر تعيد ترتيب أوراق الساحل

التحرك الجزائري في ملف الساحل أسقط عدة عصافير بحجر واحد.

  • 1472
  • 2:36 دقيقة
الصورة: رئاسة الجمهورية
الصورة: رئاسة الجمهورية

رفعت الأقلام وجفت الصحف، وما كان من سوء فهم بين الجزائر وجارتها النيجر صار من الماضي، وطويت معه صفحة المؤامرات الدنيئة والدسائس الخبيثة التي وقف وراءها كبار وأقزام، لكن الله سلم وعادت الأمور إلى نصابها بفضل جهود المخلصين في البلدين.

رسمت زيارة الرئيس النيجري، عبد الرحمن تياني، إلى الجزائر، يومي الأحد والاثنين، ملامح مرحلة جديدة عنوانها الوضوح وحسن النوايا. ولم تدخر الجزائر يوما جهدا تجاه أصدقائها وجيرانها، ولم ترفض لهم طلبا للمساعدة، بقيت وفية لمبادئها وثوابتها.

وأسقطت الزيارة كثيرا من الأصنام التي نصبت حول الجزائر في محاولة لشيطنتها وتصويرها راعية للإرهاب، وبهذا خسر المطبّلون في أكثر من منطقة من المعمورة، وفي مقدمتهم العرش المتهالك في مملكة مراكش وحليفه في الضفة الغربية للخليج، دون إغفال المستعمر القديم الذي يطرق أبواب الجزائر مطاطئ الرأس مستجديا الصفح، والجار المارق الناكر للجميل مالي المرتمي في أحضان المتآمرين.

بعبارة واضحة، فإن التحرك الدبلوماسي الجزائري في ملف الساحل أسقط عدة عصافير بحجر واحد.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور أحمد بن سعادة، أن التقارب الأخير بين الجزائر ونيامي لا يمكن قراءته كحدث ظرفي معزول، بل كحلقة ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تنتهجها الجزائر في منطقة الساحل. ويؤكد أن هذا التطور يعكس قدرة الدبلوماسية الجزائرية على التحرك بثبات وسط بيئة إقليمية معقدة، تطغى عليها حسابات متشابكة وصراعات نفوذ متعددة.

ويشير بن سعادة إلى أن الدبلوماسية الجزائرية، رغم ما وصف أحيانا بأنها أقل صخبا أو اندفاعا مقارنة بدبلوماسيات أخرى أكثر حدة ومناورة، أثبتت نجاعتها على المدى المتوسط والبعيد. فهي - بحسبه - دبلوماسية براغماتية، لكنها في الآن ذاته تستند إلى مبادئ واضحة وقيم ثابتة، أبرزها احترام السيادة الوطنية والالتزام بالقانون الدولي ومناصرة القضايا العادلة. ويضيف أن الجزائر لم تبدل بوصلتها تبعا لتقلبات الظرف السياسي، بل حافظت على خط ثابت في علاقاتها الإقليمية.

وعن البعد العملي لهذه الرؤية، يلفت بن سعادة إلى أن التوجه جنوبا لم يعد مجرد شعار سياسي، بل تجسد في مشاريع ملموسة، من بينها الطريق الرابط بين تندوف والزويرات في موريتانيا، ومشروع السكة الحديدية الممتدة من وهران إلى منجم غار جبيلات الذي يتوغل في عمق الصحراء. ويعتبر أن هذه المشاريع تعكس قناعة جزائرية راسخة بأن تنمية الجنوب مدخل أساسي لتحقيق الاستقرار والازدهار المشترك في المنطقة.

ويشدد المتحدث على أن السياسة الجزائرية تقوم على توازن دقيق بين المبادئ والمصالح، غير أنها مصالح متبادلة لا أحادية. والجزائر - كما يقول - لا تسعى إلى توسيع نفوذها على حساب الآخرين، بل إلى بناء شراكات تقوم على الربح المشترك، سواء مع النيجر أو مع غيرها من دول الساحل الراغبة في الإنخراط في مسار تنموي متكامل.

وفي سياق حديثه عن التفاعلات الإقليمية، يرى بن سعادة أن زيارة الرئيس النيجري إلى الجزائر أعادت ترتيب عدة أوراق، لا سيما مع طرح مشاريع مثل تطوير بلوك كافرا للتنقيب عن النفط، وإنشاء ميناء جاف في أغادير وربط النيجر بموانئ البحر الأبيض المتوسط عبر شبكة سكك حديدية.

ويعتبر أن هذه الخطوات من شأنها فك العزلة عن النيجر وتعزيز اندماجها الاقتصادي جنوبا وشمالا، بما ينعكس إيجابا على توازنات المنطقة.

ويخلص الدكتور أحمد بن سعادة إلى التأكيد أن ما يميز المقاربة الجزائرية هو رهانها على الاستقرار طويل المدى، وعلى الصدق في العلاقات الدولية، بعيدا عن منطق الاصطفافات الظرفية أو التصعيد الإعلامي.. مقدرا أن المصداقية تبقى رأس المال الحقيقي في بيئة إقليمية تبحث عن شريك موثوق، وهو ما تسعى الجزائر إلى ترسيخه عبر دبلوماسية هادئة في الأسلوب، ثابتة في الجوهر.