الوطن

الكرة في مرمى فرنسا

العلاقات الثنائية على صفيح ساخن ومهددة بمزيد من التصعيد.

  • 5246
  • 3:09 دقيقة
ح.م
ح.م

باتت العلاقات الجزائرية الفرنسية على صفيح ساخن، مهددة بالتصعيد بفعل التناقض الواضح بين الخطاب الرسمي الفرنسي وممارساته السياسية والإعلامية، وفق ما يراه محللون، ما يهدد استقرار العلاقة الثنائية ويضعها أمام أزمات محتملة.

يرى المحلل السياسي شاكر محفوظي أن التناقض في المواقف الفرنسية تجاه الجزائر بات جليا، موضحا أن الخطاب الرسمي في باريس يعلن الرغبة في مد اليد وفتح صفحة جديدة قائمة على التهدئة والتعاون، في حين تواصل مؤسسات فرنسية سياسية وإعلامية إنتاج خطاب تصعيدي واستفزازي يعيد إحياء مقاربات استعمارية تجاوزها الزمن.

واعتبر محفوظي، في تصريح لـ"الخبر"، أن هذا الازدواج في الخطاب يفرغ الدعوات الرسمية الفرنسية من مضمونها ويجعلها أقرب إلى رسائل أو خطوات تكتيكية ظرفية، لا إلى خيار استراتيجي صادق مبني على مقاربة موضوعية. وأضاف أن الإعلام الفرنسي، بحكم تأثيره في الرأي العام وصانع القرار، لا يتحرك بمعزل عن المناخ السياسي العام، وعندما يتحول إلى منصة لتأجيج الذاكرة الجريحة أو التشكيك في سيادة الجزائر وخياراتها فإنه ينسف عمليا أي جهد معلن للتقارب.

وأشار المتحدث إلى أن القطيعة الشاملة تبقى احتمالا ضعيفا، غير أن المرجح هو استمرار فتور العلاقات أو ما يمكن وصفه بعلاقات باردة ومتقلبة، تدار بأدنى حد من البراغماتية، دون ثقة سياسية حقيقية أو أفق لشراكة إستراتيجية فعلية، مؤكدا أن أي تحسن مستقبلي سيظل رهين الانتقال من منطق الذاكرة الانتقائية والوصاية الرمزية إلى منطق الندية والاحترام المتبادل، وإلا ستبقى العلاقات رهينة الأزمات الظرفية مهما تكررت عبارات التهدئة وحسن النوايا.

من جانبه، يرى المحلل السياسي حكيم بوغرارة أن الاستفزازات الفرنسية تجاه الجزائر نابعة من استراتيجيات الجمهورية الخامسة الديغولية ذات الخلفيات العسكرية، المبنية على عقيدة الجزرة والعصا. وذكر أن الجمهورية الخامسة، التي جاءت بانقلاب عسكري في ماي 1958 بتثبيت شارل ديغول، اعتمدت على سياسات جاك فوكار لإخضاع الدول التي استقلت، عبر غرس العملاء والطابور الخامس في أوساط النخب والأحزاب والجامعات والإعلام.

وأكد بوغرارة أن أي دولة تحاول استكمال استقلالها تتعرض لانقلابات وحروب نفسية ودعائية لإخضاعها وحشد محاور ضدها، مشيرا إلى أن حدة التصعيد الفرنسي ضد الجزائر ارتفعت منذ سنة 2019، بعد تجاوز الجزائر مرحلة الحراك وتنظيم الانتخابات الرئاسية ومباشرة إستراتيجية جديدة لتنويع الشركاء الأجانب وعقد شراكات من موسكو إلى بكين وروما وتركيا وواشنطن.

وأضاف المتحدث أن هذا التوجه لم تتقبله فرنسا، لتبدأ عبر دوائر وصفها بالمظلمة، تضم الدولة العميقة والمخابرات واليمين المتطرف، في شن حروب إعلامية ودعائية ونفسية باستعمال الإعلام والذاكرة وملف التأشيرات، في محاولة للإساءة إلى صورة الجزائر ورموزها وانحيازاتها، كرد فعل على ما اعتبره هزائم فرنسية متتالية ثنائيا وإقليميا ودوليا، خاصة بعد انحصار النفوذ الفرنسي في إفريقيا وطردها عسكريا واقتصاديا وثقافيا.

وتابع بوغرارة أن الأزمة بلغت حد طرد دبلوماسيين فرنسيين وصفهم بالجواسيس وعناصر الاستخبارات، بعد كشف مخططاتهم ومحاولات تجنيد شباب جزائري وتوجيه الحراك نحو مراحل انتقالية. وأوضح أن تهديد فرنسا بمراجعة اتفاقية الهجرة لسنة 1968 وتعليق اتفاقيات التأشيرات قوبل برد جزائري تمثل في إلغاء الاتفاقيات ونشر ذلك في الجريدة الرسمية، تأكيدا لاستعداد الجزائر لفتح كل الملفات بكل سيادة.

ويرى المتحدث أن هذه الردود أربكت الداخل الفرنسي وطفَت على إثرها المتاعب المالية والاقتصادية، في ظل ديون داخلية فاقت 3400 مليار دولار وارتفاع خدمة الديون وتوالي سقوط الحكومات، إضافة إلى صعوبات تمرير ميزانية 2026، ما أعاد طرح مسألة حجب الثقة قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية. وأضاف أن الردود الجزائرية دفعت بفرنسا إلى أساليب وصفها بالقذرة، من خلال تحقيق دعائي بثه مجمع عمومي فرنس تلفزيون، استضاف فيه أشخاصا انهالوا بالسب والشتم والقذف في حق الدولة الجزائرية ورموزها، معتبرا ذلك دليلا على تواطؤ رسمي، يرقى إلى ما سماه جريمة دولة.

كما اعتبر بوغرارة أن محاولات التهدئة الصادرة عن بعض الأطراف الفرنسية تعكس انقساما داخليا وميلا متزايدا لليمين المتطرف المتحالف مع الدولة العميقة لتسيير العلاقات مع الجزائر، في محاولة للتشويش على مشاريعها الكبرى، من غار جبيلات إلى أميزور وبئر العاتر، التي من شأنها جعل الجزائر قوة متوسطية وإفريقية مؤثرة.

وختم المتحدث بالتأكيد على أن فرنسا لم تستسغ نجاح الجزائر في تفكيك شبكات معادية ومعالجة قضايا الشباب في الهجرة وإفشال محاولات تجنيدهم ضد وطنهم، ما دفع، حسبه، إلى اختلاق اتهامات وأكاذيب والترويج لادعاءات اختطاف والتضييق على أشخاص محكوم عليهم قضائيا ومنحهم صفة معارضين في فرنسا.