في ظرف أقل من 12 ساعة، صدرت من الجزائر خطوتان تجاه الإمارات العربية المتحدة؛ إلغاء اتفاقية النقل الجوي، بما يعني غلق المجال الجوي أمام الطيران الإماراتي، ثم تصريحات حادة من رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية، سهرة أمس، تلوّح بإمكانية الذهاب إلى أبعد..
وهذا الـ"أبعد"، هو في الواقع قريب جدا، ولا يفصله عنا سوى قرار قطع العلاقات بين البلدين، وما يترتب عنه من تبعات وإجراءات عديدة تمس مختلف الأصعدة.
وتطرق تبون، سهرة أمس، إلى الإمارات دون ذكرها بالاسم، وإلى تعفن العلاقة معها، وقال إن علاقاتنا جيدة مع الجميع باستثناء دولة واحدة و"من الممكن أن نسميها دويلة، تحاول في كل مرة إثارة المشاكل، وحاولت التدخل في انتخاباتنا الأولى والثانية"، في إشارة إلى رئاسيات 2019 التي جرت في خضم الحراك الشعبي، حيث تم رصد دور إماراتي لدعم واحد من المرشحين، في حين لم يفصّل الرئيس في مقصود الثانية.
وتابع تبون بلغة بسيطة ونبرة مستهزئة: "لقد هددت بأنها ستفقرنا باللجوء إلى التحكيم الدولي، فلتلجأ إلى ذلك، لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه".
وسبق أن أطلق الرئيس تحذيرات وتصريحات مشابهة، وواحدة منها خلال اجتماع المجلس الأعلى للأمن، ما يؤشر، أيضا، على خطورة وتناقض الأدوار التي تحاول أبوظبي تنفيذها مع "فلسفة" الجزائر في حماية مجالها الحيوي ومقاربتها في الملفات والأزمات التي تساهم في إدارتها ومعالجتها من دون عنف وبشكل لا يؤدي إلى تفتيت الدول.
ويتمثل انزعاج الجزائر، وفق مراقبين، من سياسة الحكام الحاليين للدولة المعنية بتصريحات تبون، في حشر أنفها في شؤون لا تعنيها، ودعم جناح على حساب آخر في دول تشهد مراحل انتقالية، وزرع فتيل الانقسام وتحريك النعرات المناطقية.
ويعكس توالي الخطوات والتحذيرات عمق الانزعاج الجزائري من الدور الإماراتي في عدة ملفات وأزمات دولية وإقليمية وحتى داخلية، كمنطقة الساحل وليبيا والسودان، وأيضا محاولات أبو ظبي النفخ عبثا في جثة ما يسمى، شكلا، "حركة استقلال منطقة القبائل".
وبعد هذه الخطوات وقبلها، سلسلة التحذيرات التي أطلقتها الجزائر خلال السنوات القليلة الماضية لحكام الدولة الخليجية، لم يتبقَ سوى إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية بين "البلدين الشقيقين"، كما يتم وصفهما في أدبيات السياسة في الوطن العربي، بينما الواقع على ما يبدو صار غير ذلك، في ظل حكم أبناء الشيخ زايد بن سلطان.
ولم يأت هذا التأزم، المرشح بقوة إلى قطع العلاقات، من فراغ، وإنما بدأت بوادره ومظاهره بعد رفض الجزائر الانخراط في مشاريع التطبيع التي تقودها هذه الدولة، بحجج واهية وغير واقعية، كتوظيف الدبلوماسية في ما فشل فيه الخيار المسلح، قبل أن تكشفها الإبادة الجماعية في غزة.
وتوالت الممارسات المرفوضة من قبل الجزائر، والتي تطورت تدريجيا إلى استخدام المال لإثارة الفوضى في شمال مالي وتونس وليبيا، واللجوء إلى اللوبيينغ في الفضاءات والعلاقات الدولية، للإضرار بمصالح وتحركات الجزائر.
ومن مظاهر ذلك، عرقلت الإمارات في مجلس الأمن مقترحا للأمين العام للأمم المتحدة، سنة 2022، بتعيين وزير الخارجية السابق والسفير الحالي في واشنطن، صبري بوقادوم، مبعوثا أمميا إلى ليبيا، بحسب ما أوردته وكالة "فرانس برس" يومها، نقلا عن دبلوماسي "طلب عدم نشر اسمه".
وقال مصدر الوكالة: "وحدها الإمارات رفضت تعيين الوزير الجزائري السابق"، وبحسب دبلوماسيين آخرين، فقد أوضحت الإمارات خلال الجلسة أنّ: "دولًا عربية وأحزابًا ليبية أعربت عن معارضتها" لتعيين بوقادوم مبعوثًا إلى ليبيا".
كما اهتدت أبو ظبي، مؤخرا، إلى توظيف القوة الناعمة في مسعاها، عبر استقطاب واستغلال شباب جزائري موهوب ونشط وطموح في منصات التواصل الاجتماعي، وتوظيفه بعناوين برّاقة ومغرية في مشاريع تبدو ثقافية في ظاهرها، غير أنها ليست واضحة المعالم والأهداف والمآلات.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال