الوطن

حرب المخدرات.. المواجهة المفروضة

البيانات تكشف حقيقة فعلية بوجود منحى خطير في تدفق المخدرات على الجزائر.

  • 735
  • 3:46 دقيقة
ح.م
ح.م

لماذا تبدو العملية الأمنية الأخيرة التي نفذتها المصلحة المركزية لقمع ومكافحة الاتجار بالمخدرات نوعية من حيث المنجز؟ ولماذا يبدو حجز عشرة ملايين قرص من المخدرات، في عملية أمنية واحدة، رقما كبيرا ومروعا؟

بالعودة إلى البيانات الإحصائية، يتبين أن هذا الرقم يعادل مجموع ما تم حجزه في كامل سنة 2024، (10 ملايين قرص) وتقريبا نصف ما تم حجزه في غضون 10 أشهر حتى شهر أكتوبر من عام 2025 (25 مليون قرص). هذه الأرقام الرسمية صرح بها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في الخطاب الذي ألقاه بمقر وزارة الدفاع أمام قيادات وضباط الجيش الوطني الشعبي في 10 أكتوبر 2025. أيضا هذه البيانات مهمة لفهم تطور منحى هذه الجريمة المتشابكة والمعقدة هيكليا والمتداخلة من حيث الضرر البالغ الذي تسببه للدولة والمجتمع، ولارتباطها بجرائم الفساد وتقويض قيم المجتمع والأمن وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب وغيرها.

هذه المقارنة البيانية تكشف حقيقة فعلية بوجود منحى خطير في تدفق المخدرات على الجزائر، يمكن اعتبارها بمثابة "حرب" غير معلنة ضد الجزائر، والرئيس تبون في نفس الخطاب المذكور اعتبر أن حرب المخدرات "معركة حقيقية تخص السعي لتدمير القوة الحية، وضد مخطط يستهدف الجزائر في شبابها من خلال محاولة غزوها بالمخدرات"، محذرا من أن "هناك محاولات لنشر المخدرات حتى لدى المراهقين في المدارس". وبالمناسبة، أول من استخدم وصف "حرب المخدرات المعلنة على الجزائر" هو الرئيس السابق للمرصد الوطني لحقوق الإنسان، فاروق قسنطيني، عام 2013، أي قبل 13 عاما. وفي فيفري من نفس العام، كانت الجزائر والمغرب قد توصلتا إلى تفاهمات بتحسين العلاقات، تضمنت أربع خطوات، من بينها التزام المغرب بوقف تدفق المخدرات، لكن لم تدم هذه التفاهمات سوى أربعة أشهر حتى جوان 2013.

يمكن ملاحظة أن المسار الجديد لطرق تهريب المخدرات الأكثر بروزا في الفترة الأخيرة هو مسار الساحل والجنوب، لكونه مسارا رخوا نتيجة ضعف حضور الدولة في منطقة الساحل وفي ليبيا، وأيضا لأنه يوفر إمكانية ميدانية لتحالف موضوعي بين شبكات المخدرات والجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة التي تحكم بعض مناطق جنوب ليبيا. إضافة إلى المغرب، تملك السلطات الجزائرية ما يكفي من القرائن بشأن تورط طرف ليبي مدعوم إماراتيا في تسويق وإغراق الجزائر بالأقراص التي تصنع في ورش متعددة، استنسخت تجربة إنتاج الكبتاغون من قبل النظام السوري السابق.

في 27 جويلية 2023، كانت "الخبر" قد نشرت معلومات نقلا عن مصادر مسؤولة تشير إلى أن المسؤولين الإماراتيين متورطون في محاولات "إغراق هذا البلد بما يزيد على مليونين و450 ألف قرص مهلوس، يسيرها نجل اللواء خليفة حفتر، ومحاولته الأخيرة التي باءت بالفشل على أيدي العيون الساهرة على شريط حدودنا، إدخال مليون و700 ألف قرص مهلوس إلى الجزائر". نشرت هذه المعلومات مباشرة عقب إفشال هذه العملية من قبل مصالح الأمن الجزائرية، وهذا يعني أن حرب المخدرات المعلنة على الجزائر باتت تتخذ أكثر من مسار، القنب الهندي المتدفق من المغرب والأقراص المصنعة التي تتدفق من الجنوب والجنوب الشرقي.

ما يفاقم المعضلة أن تصنيع هذا النوع من الأقراص الأكثر خطورة على الصحة الفردية والسلامة العامة والسلم المدني من القنب الهندي، أن تصنيعها لا يتطلب سوى مساحات صغيرة جدا، مخفية عن الأعين مقارنة بمزارع القنب وغيرها، وهذا يستدعي بالنسبة للجزائر تغيير الاستراتيجية الدفاعية إلى فعل استباقي قبل وصول الشحنات إلى النطاق الجزائري، والتفكير في خطوات استباقية للتعامل معها بأشكال مختلفة، حتى ولو استدعى الأمر عملا استباقيا دقيقا لتدمير البنى التحتية لإنتاج هذه الأقراص.

إضافة إلى كل الوسائل والأدوات القائمة في مواجهة حرب المخدرات المعلنة ضد الجزائر، تبدو هناك ضرورة لإدراج شبكات المخدرات ضمن نفس معنى "الإرهاب" والتعامل معها على هذا الأساس وبنفس الصرامة الأمنية والعسكرية كما الجماعات الإرهابية، طالما أن القياس نفسه مرتبط بالإضرار بالسلم الأهلي والمجتمعي، تماما مثلما حدث في مارس 2026، حيث أعلنت وزارة الدفاع الوطني القضاء على مهرب مسلح واسترجاع ثلاثة أسلحة رشاشة وذخيرة كانت بحوزته وضبط كمية كبيرة بلغت 1.5 مليون قرص من المؤثرات العقلية، خلال كمين للجيش في منطقة آراك بولاية تامنغست، وقبل ذلك كان قد تم القضاء في نفس المنطقة على أربعة مهربين مسلحين وحجز 1.6 مليون قرص مهلوس. كما قضت قوات الجيش في نهاية جانفي الماضي على ثلاثة مهربين للمخدرات من جنسية مغربية وتوقيف رابع، كانت بحوزتهم كمية من المخدرات وقطعة سلاح، في منطقة غنامة بولاية بشار.

ما هو لافت أن مجموع النسيج السياسي والمجتمعي في الجزائر بدأ يستشعر بجلاء أن شبكات المخدرات بدأت تأخذ طابعا مسلحا وتحاول السيطرة على مساحات نشاط، وهي في الوقت نفسه ذات ارتباط مباشر مع الجماعات الإرهابية وتجارة الأسلحة والبشر وغيرها، وهي كلها تشكل تهديدات جدية.

كما أنه وفي مقابل تنامي تهريب والاتجار بالمخدرات، تبرز، إضافة إلى تطوير أجهزة الأمن وسائل عملها وتتبعها لشبكات تهريب والاتجار بالمخدرات وتحيين التشريعات وإقرار عقوبة الإعدام على كبار المهربين والمروجين، انتباهة مجتمعية واستفاقة أهلية كبيرة، بالنظر إلى ما بات يلاحظ لدى الجميع من مخاطر تمدد آفة المخدرات وتأثيرها المباشر على حيوات المواطنين وسلامتهم، وهو ما يفسر تزايد تعاون المواطنين مع الأجهزة الأمنية وثقافة التبليغ، بما يساعد على تفكيك وتدمير هيكل هذه الشبكات الإجرامية.