في أجواء جنائزية وبروتوكولية، امتزج فيها الرسمي مع الشعبي والحكومي والحزبي والدبلوماسي، جرت، اليوم، مراسم إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الرئيس الأسبق، اليامين زروال، بقصر الشعب بالعاصمة، من قبل رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش، الفريق أول، السعيد شنقريحة، في حدود الثانية بعد الزوال، ثم الطاقم الحكومي ورفقاء الراحل ومحبوه.
منذ ساعات الصباح الأولى، أقيمت بمدخل ومحيط قصر الشعب بشارع كريم بلقاسم، ترتيبات أمنية محكمة، ووضعت الحواجز الحديدية على طول الطريق المؤدي إلى المبنى العتيق، لمنع ركن السيارات وللحفاظ على انسيابية حركة المرور، تمهيدا لاستقبال المودعين من المسؤولين والمواطنين.
كان أفراد من الحرس الجمهوري يدققون في الوافدين والمودعين في المدخل الرئيسي، ويسمحون للجميع بالولوج نحو القاعة المركزية لإلقاء النظرة الأخيرة.
وفي الداخل خصص المنظمون مدخلين، واحد للمواطنين ومحبي الراحل، وآخر للرسميين وأصحاب الوظائف العليا، غير أن المدخلين يؤديان إلى نفس الممر حيث يتعين الانتظار والاصطفاف لولوج القاعة المركزية لإلقاء النظرة الأخيرة وقراءة الفاتحة، وهو النظام الذي كان ينفلت ويختل أحيانا، بمجيء وزراء أو مرضى أو كبار السن الذي لا يقوَون على الوقوف.
وسط القاعة المزخرفة بأسلوب مورسكي وتقليدي، وضع النعش مُسجى بالعلم الوطني ومحاطا بأربعة عناصر من القوات المسلحة وارتفع صوت تلاوات قرآنية، وتناوب المعزين على قراءة الفاتحة تحت إشارات وتوجيهات عون الأمن.
كانت أنوار أضواء القصر تشعّ باللون الأصفر، ومستقرة بين الكثيفة والخفيفة، ما بعث في القاعة شعورا بالحزن والفقد، وزاده عمقا الترتيبات والإجراءات الجنائزية التي برزت في التلاوات القرآنية ولحافات النسوة وعبوس الرجال المودعين.
وامتزج في القصر الرسمي والشعبي والحكومي والحزبي والدبلوماسي وأيضا سلطات الدولة الثلاث، التشريعي والتنفيذي والقضائي، بحضور كبار المسؤولين والوزراء والسفراء وقادة الأحزاب والمواطنين في صف واحد وانصهروا في كيان واحد وشعور واحد هو: توديع رمز من رموز السلطة والدولة، مهما كانت قراراته وسياساته والاختلافات السياسية معه.
وبرز ضمن الحضور شخصيات سياسية وحزبية معروفة، وأخرى غير معروفة في الفضاء العام، غير أنه تبين من خلال أحاديث جانبية معهم ومعلومات متداولة وسط الحاضرين والتحية العسكرية التي كانوا يؤدونها أمام الجثمان، بأنهم رفقاء الراحل ومن معارفه وزملاء سابقين من المحيط الضيق جاؤوا خصيصا لتوديع الرئيس الأسبق وبدوا متأثرين برحيله.
وجمعت مراسم إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الرئيس الأسبق من فرّقتهم المواقف السياسية ومن اختلفوا في فترات سابقة، فجاؤوا من مختلف المشارب والتيارات الحزبية والأيديولوجية، في لحظة مكثفة بالرمزية وبالرسائل والمعاني، التي تعبر عن أن ابن الأوراس يحظى بتقدير خاص لديهم، بالرغم من التعارض والتضاد في الرؤى والمسارات السياسية.
وأحيت المناسبة فترات حكم الرجل في سنوات التسعينيات المجنونة وتبادل بعض الحاضرين بشكل مقتضب حكايات حول قراراته وسياساته تجاه الأزمة الأمنية التي كانت تتخبط فيها الجزائر، واستقالاته الثلاث، كعسكري وكسفير في رومانيا، ثم كرئيس للجمهورية سنة 1998، التي يختلف حولها المراقبون، بين من يراها "زهدا" في الحكم وفي السلطة بعد تمهيد الطريق نحو الوئام المدني ومن يراها "فشلا" في إعادة الاستقرار للبلد.
ولوحظ من بين الحاضرين، مواطنين بسطاء، شباب وكهول ونسوة، جاؤوا لإلقاء النظرة الأخيرة، بالرغم من الأمطار الغزيرة التي كانت تتهاطل دون توقف، وكانوا يعبرون عن حزنهم الشديد لرحيل اليمين زروال وكانوا يرون فيه في التسعينيات الرئيس الأب، على حد تعبيرهم، الذي استلم السلطة على صفيح ساخن وفي واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها البلاد، تلبية لنداء الواجب الوطني.
وخاض بعض الشباب في سيرة الفقيد من منطلق موافقته لتقلد منصب رئيس الدولة لتسيير مرحلة انتقالية وملء الفراغ الذي تشكل منتصف التسعينيات ومنع الانهيار الوشيك الذي كان يتهدد مؤسسات الدولة وكيانها، قبل أن يتحول إلى رئيسا للجمهورية في انتخابات رئاسية.
وما شد هؤلاء والعديد من أمثالهم، هو جرأة قرار استقالته من منصب رئاسة الجمهورية باعتبارها سلوكا نادرا في الوطن العربي والمغاربي عموما، بالرغم من أن فئة من المعارضين والسياسيين لامته، حينها، أولا على الاستقالة باعتبارها بالنسبة لهم "تركا للمسؤولية ورميا للمنشفة" وثانيا على البقاء في المسؤولية ثمانية أشهر إضافية بعد الاستقالة.
في حين اعتبر قطاع واسع، ومنهم الكثير من حضر مراسم إلقاء النظرة الأخيرة، أن استقالة اليامين زروال موقف شجاع وشريف، يشبه شجاعة مجيئه إلى السلطة في وقت ذروة الأزمة.
ومن أبرز المواقف التي كانت متداولة بين الناس في قصر الشعب، اختيار الفقيد مسقط رأسه كمكان ليواصل فيه ما تبقى له من سنوات الحياة والتقاعد وليوارى الثرى فيه.
وتواصلت الشهادات في حق الرجل من مختلف الشرائح، كل حسب رؤيته للواقع وانتماءه وتصوراته، وأبرزها شهادات السياسيين والعسكريين الذين عاصروه وعايشوا معه أصعب اللحظات.
واستوفت شهادة الوزير الأسبق، أبو جرة سلطاني، التي كتبها في حسابه على فايسبوك، انطلاقا من عمله مع الراحل، وقال فيها "أشهد ، وقد كنت معه وزيرا، أنه كان يعرف قيمة الرجال وكان شديد التواضع؛ يحسن الاستماع طويلا، وكان إذا اتخذ قرارا يمضيه ويتابعه في الميدان مهما كلفه ذلك من ثمن".
وتابع: "وكان حريصا على مصلحة الوطن أولا وأخيرا ومجتهدا في لم الشمل بفتح أبواب الحوار على كل من يمد يده للجزائر"، مشيرا إلى أنه هو "من بادر بفتح "أبواب الرحمة" التي عارضها الكثير من الاستئصاليين.
"وهي الخطوة الشجاعة التي مهدت للوئام المدني وبعدهما للمصالحة الوطنية"، يضيف السياسي.
"فلما أعاد بناء المؤسسات الدستورية"، يضيف أبو جرة، بادر بتقديم استقالته:"معللا هذه الخطوة الشجاعة بأن المهمة التي دعاه الواجب الوطني إلى أدائها قد انتهت".

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال