الوطن

فرنسا تشن حرب الجيل الرابع ضد الجزائر

أثارها الصحفي الفرنسي جون ميشال أباتي.

  • 7622
  • 2:44 دقيقة
الصورة: وكالات
الصورة: وكالات

في آخر تجليات التوتر بين الجزائر وفرنسا، أثار الصحفي الفرنسي المخضرم جون ميشال أباتي، في تغريدة على منصة "إكس"، تعليقا على ما سمي باتفاقية "إليزيه–أودينو" الخاصة بكاليدونيا الجديدة، التي رحبت بها رئيسة الجمعية الوطنية الفرنسية، رغم إبرامها في غياب جبهة التحرير الوطني لكاليدونيا.

لم يتردد أباتي في وصف الأمر بعودة أسوأ مظاهر الاستعمار إلى فرنسا، معبرا عن استيائه مما اعتبره إقصاء متعمدا لقوى التحرر، في مشهد يعيد إلى الأذهان أساليب الهيمنة القديمة.

وإن بدت هذه الواقعة بعيدة جغرافيا عن الجزائر، إلا أنها تعكس الذهنية نفسها التي تحكم التعاطي الفرنسي مع الملفات الاستعمارية، على رأسها القضية الجزائرية. ذهنية تقوم على الإقصاء وفرض الأمر الواقع واحتقار ذاكرة الشعوب، ثم تبرير ذلك بخطاب ديمقراطي زائف.

والمفارقة الصارخة أن دولا وصمت تاريخيا بالفاشية والنازية، مثل إيطاليا وألمانيا، وجدت الشجاعة السياسية والأخلاقية للاعتراف بجرائمها الاستعمارية. اعتذرت إيطاليا عن جرائمها في ليبيا وقدمت تعويضات في عهد سيلفيو برلسكوني واعترفت ألمانيا بإبادتها لقبائل ناميبيا وقدمت مليار دولار كتعويضات تنموية.

في المقابل، لا تزال فرنسا، التي تقدم نفسها باعتبارها بلد الأنوار وحقوق الإنسان، عاجزة عن نطق كلمة اعتذار، بل يذهب بعض مسؤوليها، على غرار رئيس حكومتها الأسبق إدوارد فيليب، إلى حد القول إن "الاستعمار ليس جريمة".

هذا الخطاب ليس مجرد رأي سياسي، إنما هو إنكار لحقيقة تاريخية مثبتة وجرائم موثقة يعاقب عليها القانون الدولي، وهو في الوقت ذاته دليل صارخ على أن فرنسا لم تحسم بعد موقعها الأخلاقي من تاريخها، بل جمعت، من حيث لا تدري أو تدري، بين ممارسات الفاشية والنازية في تجربتها الاستعمارية، خاصة في الجزائر.

لم تبق حرب الذاكرة هذه في حدود التصريحات، بل ترجمت إلى سياسات وتشريعات ورموز. ففي سنة 2000، لم يكن في فرنسا سوى 10 نصب تذكارية تمجد أنصار "الجزائر الفرنسية".. اليوم، يقول أباتي، ارتفع العدد إلى أكثر من أربعين مدينة أنشئت أو هي بصدد إنشاء مثل هذه النصب، في رسالة سياسية واضحة تمجد الاستعمار وتستفز ذاكرة الضحايا.

وفي فيفري 2005، بلغ هذا التوجه ذروته مع مشروع قانون 23 فيفري، الذي أعده نواب من الأغلبية الرئاسية آنذاك، من بينهم وزير الخارجية الأسبق فيليب دوست-بلازي، الذي عرف بـ"قانون تمجيد الاستعمار". هذا القانون لم يكن سوى رد سياسي مباشر على قرار البرلمان الفرنسي سنة 2001، الذي اعترف بأن ما سمته فرنسا "أحداث الجزائر" كان في الحقيقة حربا كاملة الأركان.

ورغم التراجع الجزئي عن المادة الرابعة من قانون 23 فيفري، تحت ضغط جزائري وفرنسي، إلا أن النص احتفظ بروحه الإقصائية، حيث أشار إلى "مقاتلي شمال إفريقيا" من جنود فرنسيين وحركى دون أي ذكر للضحايا الجزائريين، في إمعان واضح في تبييض الجرائم الاستعمارية.

هذا المناخ القانوني والسياسي شجع التيارات المتطرفة وأصحاب الحنين إلى "الجزائر الفرنسية" على تصعيد نشاطهم الرمزي، فارتفعت وتيرة إقامة النصب التذكارية وقفز عددها من 10 إلى 40 نصبا في ظرف سنوات قليلة، وهو ما دفع المؤرخ الفرنسي جيل مونسيرون، منذ 2009، إلى التحذير مما سماه "عودة الروح الاستعمارية"، وهو تحذير يبدو اليوم وكأنه نبوءة تحققت بالكامل.

في هذا السياق، تلعب وسائل الإعلام الفرنسية، خاصة القريبة من دوائر اليمين المتطرف، دور رأس الحربة في حرب الجيل الرابع ضد الجزائر، من شاكلة استضافة شخصيات مثيرة للجدل، تمرير أطروحات منحازة، ترويج خطابات التشكيك والاتهام، كلها أدوات تستعمل لإعادة إنتاج صورة نمطية عن الجزائر وتغذية خطاب الكراهية تحت غطاء حرية التعبير.

أمام هذا الواقع، تدرك الجزائر أن المعركة لم تعد فقط سياسية أو دبلوماسية، بل معركة وعي وذاكرة للدفاع عن الحقيقة التاريخية وعن كرامة شعب دفع ثمنا باهظا لحريته ولن يقبل أن يعاد اختزال تاريخه أو تزويره خدمة لأجندات داخلية فرنسية.