الوطن

هكذا تلاحق الجزائر شبكات تبييض الأموال

في ملف خاص نشر في العدد الأخير من مجلة الشرطة.

  • 2891
  • 4:36 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

أفردت المديرية العامة للأمن الوطني، في العدد الأخير من مجلة الشرطة، ملفًا خاصًا حول مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، تضمن مداخلة وكيل الجمهورية لدى محكمة تقرت، ديدوش إسماعيل، الذي استعرض خلالها الأطر القانونية والتدابير الميدانية المتبعة لمكافحة مختلف الجرائم المالية، مؤكدا دور التحقيق المالي الموازي وأهمية التنسيق بين الجهات القضائية والرقابية في حماية الأموال الوطنية وضمان فعالية النظام المالي.

أبرز ديدوش إسماعيل خلال مساهمته،  أهمية التحقيق المالي الموازي كأداة فعالة في مكافحة جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، مؤكدا دوره في كشف مصادر الأموال، تتبع الشبكات المالية وحماية مصالح الدولة والمواطنين.

كما تطرق إلى التحديات القانونية والتقنية المصاحبة لهذا النوع من التحقيقات، ولا سيما ضرورة الموازنة بين السر المهني وحماية الحقوق الفردية من جهة وفعالية التحقيق المالي من جهة أخرى، مع الإشارة إلى أهمية التعاون بين الجهات القضائية والرقابية وتوظيف الخبرات المتخصصة لضمان دقة النتائج وسرعة الإجراءات.

ركز المتدخل  على أهمية التحقيق المالي الموازي كأداة فعالة لمكافحة تبييض الأموال في الجزائر، مشيرًا إلى أن هذه الجريمة تمثل إحدى التهديدات الخطيرة للأنظمة المالية والاقتصادية في الدول الحديثة.

في هذا الإطار عرج  القاضي الخطوات الكبيرة التي اتخذتها الجزائر  لتطوير الإطار التشريعي الخاص بمكافحة هذه الظاهرة، بدءا بالقانون رقم 25-01 المؤرخ في 6 فيفري 2005، والمتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، وما رافقه من تعديلات، كان آخرها القانون رقم 25-03 المعدل والمتمم له، والذي جاء في إطار التزامات الجزائر تجاه توصيات مجموعة العمل المالي والتوصيات الدولية، ولا سيما  FATF واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2023.

ومما أشار إليه في هذا الشأن، القانون 10-25  الذي عزز وفقه آليات التحقيق المالي، حيث نصت المادة 04 منه على دور خلية الاستعلام المالي في التنسيق مع الجهات القضائية والرقابية، بما يشمل التحقيق المالي الموازي الذي يُستخدم جنبًا إلى جنب مع التحقيق الجنائي العادي لتحقيق أهداف أوسع، منها كشف مصادر الأموال، تحديد الشبكات المالية، تتبع الأصول والحيلولة دون تهريبها أو تحويلها.

وعرّف وكيل الجمهورية التحقيق المالي الموازي بأنه إجراء يُفتح بالتزامن مع التحقيق الجنائي في جريمة تبييض الأموال أو الجريمة الأصلية التي ولدت الأموال المبيضة، مع التركيز على تحليل الأصول، النفقات، الأموال، وعلاقات الأشخاص والكيانات المرتبطة واستخدام المعلومات المالية والمصرفية.

ويهدف هذا التحقيق إلى تحديد مصدر الأموال المشبوهة، وفهم العلاقة بين الجريمة الأصلية وجريمة التبييض، وتمكين الحجز أو التجميد أو المصادرة للأموال أو الأصول قبل نقلها أو إخفائها، وتقديم أدلة مالية قوية في المحاكم.

من منظور الأمم المتحدة، أشار أن اتفاقية مكافحة الفساد لسنة 2003  تنص على التزام الدول الأطراف بتبني نهج التحقيق المالي الموازي لتحديد الأصول المالية بين الدول وكشف الشبكات المالية الإجرامية، كما تلزم مجموعة، حسب ما استعرضه،  العمل المالي FATF الجهات القضائية والرقابية بتطبيق التحليل المالي الدقيق عند الاشتباه بوجود جرائم مالية غير قانونية، مع التأكيد على التعاون بين الجهات لضمان كشف الأنشطة المالية الإجرامية.

عمليا يبرز التحقيق المالي الموازي – حسب ما شرحه في ذات النشرية -  بسرعته وفعاليته في وضع اليد على الأموال والممتلكات غير المشروعة قبل مصادرتها، والبحث والتحري بشكل معمق في الجوانب المالية المرتبطة بتمويل الجرائم الخطرة وعوائدها، بما يسهم في إضفاء الثقة في النظام المالي وسلامة السوق، وتحديد القطاعات المعرضة لمخاطر تبييض الأموال ومكافحتها.

ويهدف كذلك إلى تحسين دقة التحقيقات وتمكين الجهات الرقابية من التدخل المبكر لمنع تفاقم الجرائم المالية.

ولفت المسؤول القضائي إلى أن دور النيابة العامة لا يقتصر على إعطاء تعليمات للضبطية القضائية بفتح التحقيق المالي، بل يشمل توجيهها مرحلة بمرحلة حتى الوصول إلى النتائج المتوقعة ويكون فتح التحقيق المالي الموازي في إطار طريقين رئيسيين: الأول خلال التحقيق الابتدائي في الجريمة الأصلية، مثل الإتجار بالمخدرات، الإتجار بالبشر، تهريب المهاجرين، النصب، جرائم الفساد، تزييف المنتجات، القرصنة والاختطاف، حيث يأمر وكيل الجمهورية بفتح تحقيق جزائي في الجريمة الأصلية مع فتح التحقيق المالي الموازي في كل أموال المشتبه فيهم داخل الوطن أو خارجه، ويصدر طلبًا افتتاحيًا بإجراء التحقيقين معًا، مع إمكانية الاستعانة بمختصين في التحليل المالي كالخبراء المحاسبين.

أما الطريق الثاني، حسب ذات المصدر، فيتمثل في استناد التحقيق المالي إلى تقارير خلية الاستعلام المالي التي تتولى استلام التصريحات المتعلقة بعمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب المرسلة إليها من الهيئات والأشخاص المعينين وفق القانون 05-101، أو بناء على طلب مباشر من جهات رقابية أو مالية مثل البنك المركزي وهيئات مكافحة الفساد، على أن تُحال هذه التقارير إلى النيابة لتوصي بإجراء تحقيق مالي موازي.

عمليا وحسب ما فصله وكيل النيابة، يمر التحقيق المالي الموازي بعدة مراحل، تشمل جمع البيانات المالية من خلال السجلات البنكية والتقارير المحاسبية التي تسجل حركة الأموال، تحليل المعلومات الواردة من السلطات المختصة لتحديد مصدر الأموال والكشف عن الأنماط غير الطبيعية.

ويواجه التحقيق المالي الموازي عدة تحديات قانونية وتقنية، أبرزها السرية المصرفية التي تفرض على البنوك والمؤسسات المالية، عدم الإفصاح عن معلومات عملائها، ما قد يُستخدم كغطاء لتبييض الأموال والفصل بين العائدات الإجرامية والأموال المشروعة التي تعمل الشبكات على دمجها بأساليب معقدة، إضافة إلى ضرورة تحديد الجرائم الأصلية بدقة قبل متابعة التبييض وضمان حقوق الدفاع والسرية عند استخدام المعلومات المصرفية والبيانات الشخصية، بما يحقق التوازن بين مصلحة التحقيق وحماية الحقوق الفردية وفق التشريعات الدولية.

لتعزيز آلية التحقيق المالي الموازي، يقترح وكيل الجمهورية تعزيز الرقابة القضائية على استعمال المعلومات المالية وإنشاء وحدات مختصة داخل النيابة أو الشرطة القضائية تتكون من خبراء ماليين، محاسبين قانونيين، محققين في جرائم اقتصادية وتقنيين في تحليل البيانات وأنظمة الدفع الحديثة.

كما دعا إلى آليات تعاون وطنية متعددة تشمل البنك المركزي، سلطة ضبط القطاع المالي، السجل التجاري، السجلات العقارية، الجهات الضريبية، الجمارك، الأجهزة القضائية، وأجهزة الاستعلانات المالية، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي عبر توقيع الاتفاقيات لاسترداد وتبادل المعلومات واستخدام التكنولوجيا الحديثة مثل أدوات تحليل الأنماط المالية، الذكاء الاصطناعي، تحليل الشبكات، رسم خرائط الأصول وتتبع معاملات العملات المشفرة إن وجدت.

واختتم ديدوش مساهمته بالتأكيد على أن التحقيق المالي الموازي يمثل تطورا مهما في مكافحة تبييض الأموال، ويوفر أدوات أقوى للكشف عن الأصول المشبوهة وقطع المسارات التي يستغلها المجرمون، مؤكداً أن التشريعات الحديثة، من خلال القانون 10-25 تعكس إرادة الدولة لتعزيز قدراتها في هذا الميدان الحيوي.