"كلفة الانقسام المغاربي سياسيا واقتصاديا ونفسيا فادحة"

أخبار الوطن
17 يناير 2021 () - حاوره: محمد سيدمو
0 قراءة
+ -

يرى الأكاديمي ناصر جابي، الموقّع على بيان المائة شخصية مغاربية الداعي للمصالحة بين دول المنطقة، أن الوقت حان لإيجاد حلول نهائية للأزمة المغاربية بما يعيد التواصل بين الدول والشعوب. وأشار جابي في حواره مع "الخبر"، إلى أن الكل خاسر من استمرار هذا الوضع، فالفضاء المغاربي تحوّل، حسبه، إلى منطقة رخوة قابلة للاختراق من كل جهاته الجنوب والشرق وحتى الشمال.

 

وقّعتَ مع مجموعة من المثقفين المغاربة على بيان يصف الوضع في منطقة المغرب بأنه خاضع لمنطق الحرب المفروضة ويحذر من أن عواقب هذا الوضع إذا استمر سيكون الحرب والاقتتال بين الإخوة.. هل تعتقدون فعلا أن إمكانية الحرب في المنطقة واردة وما هي مؤشراتها في رأيكم؟

لا أعتقد أن إمكانية الحرب بمفهومها العسكري التقليدي واردة في الوقت الحاضر. سيكون ذلك كارثة على الجميع إن حصل لا قدّر الله، فالأنظمة عرفت كيف تتحكم في ردود أفعالها حتى عندما حصلت مناوشات في السابق كما حصل في أمغالا، لكن ما دون الحرب وارد وحاصل على غرار غلق الحدود. عدم التعاون على المستوى الاقتصادي العلمي والثقافي وغيره حاصل وهو مكلف جدا ويمثل إهدارا كبيرا للإمكانيات. وعدم التواصل الشعبي كذلك حاضر بكل تبعاته على المستوى النفسي – السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأجيال الشابة التي ولدت وتربت في هذا الظرف المأزوم. وعدم التنسيق في المواقف الدولية حاضر.

الفضاء المغاربي تحوّل إلى منطقة رخوة قابلة للاختراق من كل جهاته الجنوب والشرق وحتى الشمال. والدليل ما حصل من تطبيع مع إسرائيل بكل التبعات التي يمكن أن تنجر عنه، الأهم أن عدم حل خلافاتنا كمغاربيين سيعفّن الوضع على المدى الطويل وحتى المتوسط، مما يوفر مزيدا في الاستقطاب السياسي بين الدول. لذا نحن في حاجة إلى جرعة كبيرة من الذكاء السياسي بل أقول الخيال السياسي على مستوى النخب الفكرية والسياسية لحل المشاكل العالقة وعدم تركها تتعفن.

خيال وذكاء يتجاوزان منطق الجغرافيا للتوجه للاستلهام من التاريخ نحو بناء المستقبل، انطلاقا من فكرة عشناها لقرون وهي أننا كنا دائما شعبا واحدا في عدة فضاءات وأطر سياسية مختلفة بحدودها الجغرافية المتنوعة التي لم تمنع من أن يكون لنا إحساس سياسي واحد يشعر به المواطن، وهو يتنقل من جهة الى أخرى من هذا الفضاء المغاربي الواسع، كما فعل التلمساني والمعسكري وهو يتوجه نحو وجدة أو المغربي وهو يقيم في سيدي بلعباس لأجيال أو القبايلي وهو يشق طريقه نحو تونس .

 

تحدّث بيانكم عن وقوف جهات أجنبية وراء إذكاء الصراع في المنطقة. ألا ترى أن هذا خطأ في التشخيص اعتبارا من أن الإشكال كما يرى كثيرون يقع أولا على عاتق الأنظمة التي تستعمل مثل هذه الصراعات في دعم بقائها؟

قد أوافق ما تقول، رغم أنني لا أستبعد وجود قوى دولية ليس من مصلحتها أن يتم بناء المغرب الكبير ليس على المستوى الاقتصادي فقط كما يريد الأوروبيون والأمريكان، بل كفضاء سياسي موحد وقوة إقليمية قائمة. الغرب يريدنا أن نكون سوقا لسلعه وحاجزا بشريا أمام الهجرة الإفريقية تتمتع بالحد الأدنى من التماسك وكمصدر طاقة ويد عاملة مؤهلة وإطارات لحل إشكاله الديموغرافي من خلال الهجرة المنتقاة، لكنه لا يريدنا أن نتحول إلى قوة سياسية إقليمية موحدة، لا أقول تتكلم بصوت واحد لأن هذا لازال بعيد المنال، لكن تنسق في مواقفها وتتخذ مواقف قريبة من بعضها البعض في القضايا الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية المهمة.

بالطبع مسؤولية الأنظمة الوطنية التي ظهرت بعد الاستقلال هي الأساس الذي يفسر وضع التشظي الذي تعيشه المنطقة المغاربية. النخب التي سيطرت على هياكل الدولة الوطنية بعد الاستقلال، اكتفت بالبناء الوطني وربما ما دونه. طموحاتها كانت متواضعة جدا. النخب الوطنية بعد الاستقلال حصلت لها نكسة على مستوى المشروع المغاربي الذي تبنته في مراحل أقدم نخب الحركة الوطنية الثورية، بعد أن تغلبت عليها نخب محافظة استكانت للعلاقة النيوكلونيالية التي اقترحتها عليها القوة الاستعمارية القديمة وقبلت بها كأقصى طموح ممكن أمامها.

نخب سياسية فشلت في بناء اقتصادات قوية كانت حجتها المركزية وهي تنكمش على نفسها داخل حدودها الوطنية، كما فشلت في توفير تنمية بشرية للمواطنين وفشلت في بناء قوى عسكرية –سياسية مسموعة، في وقت كنا فيها خلال مرحلة الحركة الوطنية أمام أحزاب سياسية مغاربية وحركة طلابية وحركة نقابية بقيادات ومناضلين من كل الدول. الخلاصة أن الرأسمالية حتى بشكلها الكولونيالي سمحت لنا بالتوحد والعمل المشترك في حين فشل الاستقلال في ذلك. مفارقة لابد من البحث عن تفسير لها في سوسيولوجية النخب وعلاقاتها بمواطنيها داخل الحالة المغاربية .

 

لكن النخب المغاربية التي تدعي الاستقلالية أيضا، ظلت في الغالب منخرطة إلى جانب دولها في الصراع القائم في المنطقة وفي أحسن الحالات مستقيلة مما يجري. إلى أي مدى هناك مسؤولية لهذه النخب في دعم استمرار الوضع القائم؟

ليس كلها. هناك نخب على قلتها، قاومت لسنين ودفعت الثمن في دفاعها عن مشروع البناء المغاربي حتى وهو ينتكس بعد الاستقلال وابتعدت بمواقفها عن المواقف الرسمية المعادية لهذا البناء على ارض الواقع . تفسير هذا الوضع لا يخرج عن غياب الديمقراطية داخل دول المنطقة التي احتكرت فيها الأنظمة كل شيء، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقرار السياسي الدولي. أنظمة خلقت نخب تشبهها عملت على اختراق الأحزاب الشعبية القوية وفرضت وجودها على الساحة بتزوير الانتخابات والتضييق الإعلامي عليها بل حتى بالسجن والاغتيال، مما أفرغ الساحة الوطنية من كل موقف مستقل ولا أقول معارض، في حين يقول المنطق إن وجود قوى وطنية قوية هو ضمانة لهذه الأنظمة ذاتها التي أضعفت نفسها بسياسة الإغلاق هذه، ما جعلها تقف من دون حماية شعبية وهي تتخذ القرار أو تتفاوض مع مراكز صناعة القرار الغربية المتعددة.

 

يتحجج المغرب بقضية الصحراء الغربية في معاداة الجزائر وترفض الجزائر بدورها إشارات صادرة عن المغرب لفتح الحدود بين البلدين. هل يمكن في رأيك بناء علاقات صحية بين البلدين دون حل هذه الأزمة؟

التجربة التاريخية تقول لنا إن القادة المغاربيين في اجتماع زرالدة ومراكش، عرفوا كيف يفصلون بين قضية الصحراء الغربية ومسألة العلاقات البينية بين الدول وبين المغرب والجزائر بالذات. تصور نجح لسنوات لينتكس بعد حادثة مراكش. فماذا حصل حتى نعود إلى الربط بين المسارين؟

أعتقد أن العودة إلى هذا المسار ممكن جدا، دون أن يعني هذا السكوت على حلّ قضية الصحراء الغربية لأنه يمكن أن تتحول إلى مصدر للتعفين. نحن في حاجة إلى ذكاء سياسي جماعي غير متوفر للأسف على مستوى النخب الحاكمة. قد يتطلب ذلك تدخلا قويا للمواطن المغاربي وفتح مجال الحريات أمام الشعوب، ما يسمح بلقاء بين النخب بمختلف أنواعها لإيجاد الحلول التي فشلت أمام النخب السياسية الرسمية حتى الآن.

 لا بدّ من الإشارة إلى أن الأمر لا يتعلق بالعلاقات بين المغرب والجزائر فقط. فالعلاقات لم تكن سوية تماما ولازالت مضطربة بين المغرب وموريتانيا الذي لم يعترف بوجودها الحسن الثاني سنوات بعد الاستقلال. العلاقات بين ليبيا وتونس وليبيا والجزائر لم تكن سمنا على عسل دائما رغم عدم وجود أزمة الصحراء الغربية بينهما. الأمر إذن يتطلب مقاربة أكثر جدية وخروجا من إكراهات أزمة الصحراء الغربية لبناء إطار مغاربي يتجاوز هذا المشكل الذي لا يجب أن نضحي فيه بجزء من مواطني هذا الصرح الذي نريد بنائه. يجب أن يكون البناء المغاربي على حساب الصحراويين. جزء من الأزمة المغاربية موجود في مؤسسات الدولة الوطنية وغياب الديمقراطية وإبعاد مصلحة الشعوب كمصدر للقرار السياسي.

 

أثارت صفقة التطبيع التي وقّعها المغرب مع إسرائيل والولايات المتحدة، سخطا كبيرا في الجزائر وتحدّث الوزير الأول الجزائري عن مخاطر وجود صهيوني على حدود الجزائر.. هل تعتقد أن هذه الخطوة أبعدت الجزائر والمغرب تماما عن سكة المصالحة؟

السخط كان حاضرا شعبيا كذلك عند أجزاء مهمة من النخب الفكرية والسياسية في داخل المغرب ذاته. وبالطبع في كل المنطقة المغاربية. وليس في الجزائر فقط. كل التيارات الفكرية والسياسية الشعبية اتخذت مواقف معادية من هذا التطبيع الذي قايض المخزن فيه ما يقول عنه إنه قضية وطنية كما فعل تماما في منتصف السبعينيات عندما قبل بتقسيم تراب الصحراء الغربية مع موريتانيا وكان على استعداد لتقاسمها مع الجزائر لو قبلت بالأمر.

صناعة اتخاذ القرار واحتكاره من قبل القصر خاصة في الشأن الخارجي، هي التي تخلق هذا الاضطراب السياسي في المغرب الذي أربك القوى السياسية والحزبية. ولا يستبعد إعادة النظر في هذه الصفقة التي جاءت في عهد ترامب وهو يغادر السلطة على وقع فضائح سياسية.

بالطبع كل هذا لن يزيد إلا في ابتعاد المغرب الرسمي عن محيطه المغاربي. دون أن ننسى أن الجزائر كانت على علم منذ وقت بعيد بالعلاقات من كل نوع بين المخزن وإسرائيل. وعرفت كيف تتعامل معها. وهي تقاوم الضغوط ضد التطبيع، وأشكال التحرش التي تعرضت لها منذ الاستقلال .

 

بات الرأي العام الجزائري يتلقى بحساسية تصريحات لمسؤولين كبار سابقين في المنطقة المغاربية مثل وزير الخارجية التونسي السابق الذي ذهب إلى حد اتهام الجزائر بسرقة أراض تونسية.. هل هناك في رأيك مشكل حدود خفي يخلق حالة توجس بين الأنظمة في المنطقة؟

 هذا النوع من التصريحات لمسؤولين سابقين لا أريد الرد عليها، لأنها غالبا ما تأتي بعد خروج صاحبها للتقاعد السياسي وتبقى من دون أثر ولا تعبر لا على مواقف رسمية يتم تبنيها بشكل واضح ولا مواقف تعبّر عن الشعوب بالطبع. أحس في بعض الأحيان، أنها مواقف مدفوعة الثمن من قوى من خارج البلد، فهي تظهر عندما يكون هناك إحساس أن الجزائر تعيش حالة ضعف، من أجل استفزازها، فيتم إعادة مواضيع قديمة مثل قضية الحدود وكأن بعض الكيلومترات لصالح هذا البلد أو ذاك قادرة على تغيير واقعنا التعيس. عكس ذلك، هناك شعور سائد بين الشعوب بوحدة الفضاء المغاربي بكل تنوعاته الثقافية والجغرافية وامتلاكه من كل شخص ينتمي إليه.

 

في الجزائر توجد أحزاب محسوبة على التيار الديمقراطي مثل الأفافاس والأرسيدي تدعو لبناء مغرب الشعوب وأحزاب إسلامية مثل حمس تدعو لفتح الحدود مع المغرب.. هل يوجد لهذا مقابل في المغرب وهل يمكن البناء على هذه المواقف لخلق ضغط سياسي على الأنظمة؟

نعم، الكثير من القوى السياسية المغربية تطالب بفتح الحدود وتملك حسا مغاربيا قويا بمختلف عائلاتها السياسية. طبعا، إذا استثنيا القوى السياسية المرتبطة بالمخزن الذي تدافع عنه في السراء والضراء حتى وإن تعلق الأمر بمصالح الشعب المغربي نفسه، وهي كيانات سياسية تتكرر في الجزائر بل هي موجودة في كل دول المنطقة، وغياب الحرية والديمقراطية هو الذي يفسر هذا الوضع .

في الواقع، ما حدث خلال العشريات الماضية، هو أن العائلات السياسية ما فوق الوطنية، مثل الإخوان والشيوعيين وبعض القوى الوحدوية المغاربية، قد انقسمت وتراجعت وضعف دورها، ولم تعد قادرة على الدفع باتجاه البناء المغاربي.

الحزب المغاربي اليوم، لا دور له في صناعة القرار عندما يتعلق الأمر بالسياسية الخارجية. لا أتوقع مثلا أن المخزن قد أخبر رئيس الوزراء الإسلامي بقرار التطبيع قبل اتخاذه أو تشاور معه حوله. وهو حال كل الأنظمة في المنطقة التي تصر على احتكار الشأن الخارجي مما يغيّب الحزب السياسي في صناعة القرار الخارجي .

 

ما الذي خلفه انقطاع التواصل الشعبي بين الجزائر والمغرب على البلدين وكامل المنطقة المغاربية خلال كامل هذه السنوات في رأيك؟

الصورة ليست كارثية كما يمكن تصوره رغم الانتكاسة الحاصلة بعد الاستقلال مقارنة بفترة الاستعمار والحركة الوطنية التي كان فيها دور كبير للنخب المغاربية التي التقت في الزيتونة وجامعة الجزائر والقرويين وجامعات باريس داخل الحركة الطلابية المغاربية وحتى على المستوى الشعبي والنقابي، ناهيك عن المصاهرات الكثيرة بين العائلات منذ أقدم العصور. هذا التلاقي لازال قائما في الوقت الحاضر على مستوى المجتمع المدني والنخب الجامعية التي تعرف بعضها البعض، رغم كل العراقيل التي تقوم بها مؤسسات الدول الوطنية التي فشلت في بناء بنك مغاربي واحد أو جامعة مغاربية واحدة، بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال .

بالطبع غلق الحدود وعدم التواصل وضعفه، يمكن أن يخلق حزازات نفسية بين الشعوب كما تظهر في بعض الأحيان رغم قلتها على مستوى الوسائط الاجتماعية. ظاهرة لا يجب القبول بها حفاظا على ما وحدنا كشعوب منذ الأزل، كشعب واحد في دول مختلفة، بثقافته وتاريخه ولغاته ونمط سكنه ولباسه وكسكسه الواحد.

 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول