بن بلة وعد بن بولعيد بدعمه بالسلاح من الخارج

حوارات
1 فبراير 2014 () - حاوره: مصطفى دالع
0 قراءة
+ -

لماذا اختار بن بولعيد عجول ليكون أحد نوابه؟
 تعيين مصطفى بن بولعيد لعجول نائبا له أمر طبيعي، فهو مسؤول القسم الذي جنّد العدد الوفير من المناضلين وهو المشرف المباشر على خلايا التنظيم السري، وهو من تولى رعايتهم وتكوينهم وتحصينهم وتدريبهم مع القيادات المحلية، وهو من يبلّغ تعليمات الحزب ويسهر على تطبيقها، فأغلب المستدعين ليلة أول نوفمبر لتنفيذ العمليات كانوا ينتمون للقسم الذي يشرف عليه عجول وعددهم في حدود 280 مناضل، ثم إن عجول برهن على إخلاصه للمهمة المسندة إليه من طرف بن بولعيد، وفوق ذلك إنه رجل ذكي جدا وله مواهب في تسيير الرجال وفي العمليات التنظيمية. كما عيّن سي مصطفى أيضا عباس لغرور المشهور بجديته وإخلاصه وصدق نيته، فهو لا يعرف المجاملة في تنفيذ تعليمات الحزب، وعيّن شيحاني بشير لذكائه وثقافته ولكونه خارج منطقة الأوراس حتى يكون على مسافة واحدة بين مختلف القيادات الأوراسية المحلية، لكنه لم يعيّن الطاهر النويشي مسؤول قسم بوعريف لأسباب نجهلها.
أين تقع الأقسام الثلاثة التي ساندت بن بولعيد وانشقت عن حزب الشعب بجناحيه (المصاليون والمركزيون)؟
 في الحقيقة، الأقسام الثلاثة التي ساندت مصطفى ضد مصالي الحاج الرافض للثورة تقع في وسط كتلة الأوراس حول مدينة أريس مسقط رأس بن بولعيد، وأقربها لإقامته، فالقسم الذي يشرف عليه عجول يضم عرش مصطفى بن بولعيد “التوابة” وأعراشا مجاورة أخرى، أما قسم خنشلة فيقع في الجزء الشرقي لوسط كتلة الأوراس غرب وادي العرب، وقسم بوعريف يقع شرقي مدينة باتنة شمال مدينة أريس، وهو منسجم تماما مع القسمين المذكورين. وبما أن هذه الأقسام الثلاثة تقع في محيط مجال نشاط بن بولعيد، تم التركيز عليها لتصبح المجال المفضل لانطلاق الثورة لبعدها عن مراكز العدو. وبما أن حركات مصطفى مراقبة وكل خطواته محسوبة، فإنه تعمّد تحديد منطقة الإعداد للثورة حتى لا يكشف سرها، والكل على قناعة بأن كل الأعراش مؤمنة بالثورة وستلتحق بها بسرعة البرق.
لماذا لم تنضم الأقسام الأخرى إلى الثورة منذ بداية التحضير لاندلاعها؟
 عدم التحاق الأقسام الأربعة الأخرى لدائرة الأوراس يعود لكونها استمرت وفية لمصالي الحاج، مع العلم أن أفرادا منها حضروا لاجتماعين ليلة الفاتح من نوفمبر، وقاموا بعمليات قتالية، منهم الحاج لخضر عبيد الذي نفذ عملية الهجوم على مدينة باتنة وبوضياف الذي أصبح قائدا في الدرك الوطني بعد الاستقلال وآخرون غيرهم من بريكة والمسيلة، لكنهم قليلون. وبمجرد إعلان الثورة، سارع كل سكان الأوراس للانخراط في مجهود الثورة جماعيا.
صف لنا شخصية عجول وتكوينه النفسي والمعرفي؟
 عجول كان مدلل العائلة، فهو الثاني أو الثالث من بين إخوته الذكور الستة، حرّر نفسه من كل الالتزامات العائلية، وتفرّغ للثقافة والنضال الحزبي. اشتهر عجول بحدة الذكاء والجدية في العمل، معروف بالمرح وحب الفكاهة والتحلي بروح النكتة، ولقي اهتماما خاصا من قبل والده الوطني، الشيء الذي عزز ثقته في نفسه. إنه رجل قوي البنية، أبيض البشرة تشوبها حمرة، طويل القامة، تتوفر فيه أوصاف الرجل البربري الصافي، وطني حتى النخاع، منذ الصغر رفض أي تعامل مع إدارة الاحتلال، ثقافته عربية متوسطة ولكنه خطيب فصيح اللسان، متمكن من تبليغ رسالته، صارم في القيادة، غير متسامح مع من يتعمد الخطأ أو التفريط في شؤون النظام الحزبي، يقرأ جيدا نفسيات مرؤوسيه، ما ساعده على اختيار مساعديه، وفي كل الأحوال فهو قائد مميز.
من هو أكثر شخص تأثر به عجول وساهم في صقل شخصيته؟
 أول من تأثر به عجول هو المناضل الكبير المسعود بلعقون، أول رئيس لقسم أريس رقم 2، رجل صارم جدا لا يتسامح مع من لا يحترم الحزب وتعليماته، كانت له كلمة مشهورة (النظام ثم النظام واحترامه أمر مقدس)، وقراراته غير قابلة للنقاش. لقد تربى عجول على يد هذا المناضل الكبير، وتعلم منه الجدية والوفاء وتقديس النظام في كل الأحوال والظروف. ولما سجن بلعقون عوّضه المناضل محمد بن عكشة، وبعد سجنه عوضه الطالب عجول الذي كان وفيّا لسيرتهما، تعلم منهما احترام المناضلين وترسيخ مبدأ الاحترام لبعضهم البعض، لا يظلم أحدا ولكنه لا يتسامح مع من يتعمد الخروج عن تعليمات النظام أو التهاون في تنفيذ المهمات، مثله مثل القادة الأوائل بلعقون، بن بولعيد، الحواس، الحاج لخضر. والمسؤولية في الثورة تفرض على القائد اتخاذ إجراءات قد تعتبر بعد حين قاسية، وقد تصل إلى التصفية. وبعدما تقرب عجول، لاحقا، من مصطفى بن بولعيد واحتك به من خلال العمل معه كمرؤوس له، تعلم منه صفات أخرى عززت شخصيته، منها فن القيادة والتواضع واكتساب احترام الآخرين، وجعل الوفاء للوطن فوق كل اعتبار على حساب الزوجة وفلذات الأكباد، وأخيرا التعهد للوطن ببذل النفس والنفيس من أجله.
ألم ينزعج عجول من تعيين شيحاني نائبا أول له رغم أنه غريب عن المنطقة؟
 في بداية الثورة، لم يكن أحد من الثوار الأوائل يفكر في الحياة، فما بالك السعي لتولي المراتب العليا، ورائحة الاستشهاد في كل أنف، ولا أحد منهم كان يميّز بين مجاهد ومجاهد ولا يسأل عن منطقة ولادته، المهم أنه سند له في الخندق أو في المهمة يحمي ظهره. كان الاهتمام المشترك الحاضر بين الثوار هو كيف يترصد العدو ليفتك منه سلاحه، أو كيف يحمي نفسه أو زملاءه من شراكه، فتوقّع الاستشهاد هو الحاضر في عقل المجاهد في كل لحظة وحين. لم يكن هناك أي أمل في الحياة، خاصة خلال السنوات الأولى. الأخوة والصدق والوفاء هي القاسم المشترك بين الجميع، والتطلع للمسؤولية والطموح لنيل الرتبة العسكرية ظهر بعد مؤتمر الصومام. في الأوراس، قبل هذا الوقت، كان المسؤول يختاره مرؤوسوه لشجاعته بالدرجة الأولى، ولقدرته على نيل محبتهم والاهتمام بأحوالهم كأب روحي لهم، وبعد أن دخل نظام الرتب تغيرت العقليات ودخلت الممارسات المقلقة كالولاء والمحسوبية والجهوية الضيقة، وأصبح المجاهد في بعض الأحيان يكره رئيسه الذي فرض عليه ولا يلتمس منه صفات القيادة، وبالتالي ضعف الإقدام على التضحية والتطوع لتنفيذ المهام القتالية، وشاع حب الحياة والبحث على الترقيات على حساب مستحقيها.
هل يعني أن شيحاني لم يكن يملك الشجاعة التي اشتهر بها كل من عباس وعجول؟
 “كل لما خلق له” كما يقال، فالناس يختلفون في تكوينهم وفي صفات شخصياتهم، فهناك في زمن الحرب الجبان والشجاع والمندفع، فعباس كان مندفعا ومقداما، وعجول شجاعا حذرا، وشيحاني مثقفا وطموحا وله بعد نظر، غير مغامر ولا يتطوع لخوض المعركة، وسي مصطفى كان أعرف الناس بمساعديه، ولما اختار القيادة كان على دراية تامة بميزات الأشخاص المساعدين له. لقد اختار عباس لغرور لشجاعته وجرأته وإدمانه على مقاتلة العدو، أما عجول فاختاره لذكائه ولتفانيه في العمل وقدرته على التنظيم ووفائه وشجاعته أيضا، ثم إنه اختار شيحاني بشير كنائب أول له عن قصد، لكونه لا ينتمي للمنطقة وذلك تجسيدا لمبدأ وطنية الثورة وليكون حياديا وعادلا في القضايا الشخصية بين أبناء المنطقة، وفوق كل ذلك لثقافته، فهو يحسن اللغتين العربية والفرنسية. لقد كان يرى بأن الأوراس بتضحياته المبكرة وبطولات رجاله خلال سنتي 1955ــ1956 التي كانت مفتاح انتصار الثورة، كل ذلك يؤهله لأن يقود الثورة وهي قناعته على كل حال، وعلى ذلك الأساس وعد عمار شقيق بن بولعيد برئاسة الجمهورية بعد الاستقلال، وذلك بعد أن طالبه بالتنازل له عن قيادة المنطقة ليعوض شقيقه، ورغم طموحه وما يعرف عنه من بعد نظر، فإنه هو الآخر تغافل عن عقد المؤتمر، كما تغافل عنه أيضا كل من عباس وعجول اللذين كانا منهمكين بخوض المعارك والكمائن والهجومات، لاعتقادهما بأن الثورة مازالت مهددة بالإجهاض من طرف جيش فرنسي مجروح الكرامة، ومن “كولون” غير مستعدين للتنازل عن جنة الفردوس الجزائر، فالأولوية الملحة لدى عجول وعباس هي كسر عنجهية الجيش الفرنسي ميدانيا، وبالنسبة لهما لايزال الوقت مبكرا للتفكير في قيادة الثورة التي تتطلب توافقا جماعيا مع كل القادة الفاعلين في المناطق الأخرى، ونتيجة لذلك الاعتقاد ركزا على مقاتلة العدو الذي ضاعف جهوده لإجهاض الثورة ودفنها في مهدها الأوراس، ومهما يكن فليس من حقهما كقادة فاعلين التغافل عن مواصلة مسعى سي مصطفى الخاص بإعداد المؤتمر الذي شكّل لجنة خاصة لتوفير شروط عقده على الحدود التونسية أو داخل تونس (مؤتمر تحضره كل الأطراف الأساسية دون تهميش ولا إقصاء). لقد كانت كل الشروط في صالحهم للمبادرة بتوجيه الدعوة لعقد مؤتمر جامع، فهم يملكون الموقع الجغرافي المحاذي لتونس، ولهم أكبر قوة عددية من المقاتلين في الأوراس، وعلاقتهم دائمة مع أعضاء الوفد الخارجي وحتى مع الحكومة التونسية والليبية، ولو فعلوا لخلّدوا بصماتهم في قرارات ذلك المؤتمر، ولجنّبوا الأوراس تلك التعسفات التي سلطت عليه والتي أدت إلى تصفيتهما ورفاقهم الثوريين الذين أسمعوا العالم لعلعة رصاص معاركهم، تلك المعارك التي لم تتكرر بعدهم. نعتقد بأن ذلك الطموح الأعمى المبكر الذي ظهر لدى بعض القادة في مناطق أخرى، قد تسبب في ارتكاب أخطاء ما كان لها أن تقع، من ذلك مثلا عقد مؤتمر الصومام المطعون في شرعيته بالكيفية التي عقد بها والذي انعكس سلبا حتى على مهندسيه الأساسيين ورسخ لنا ثقافة الانقلابات التي استمرت معنا.
مادام شيحاني كان يفكر في قيادة الثورة، لماذا تغافل عن عقد مؤتمر يجمع قادة الثورة في الداخل؟
 كما بيّنا سابقا، فإن قادة الثورة في الأوراس أعطوا الأولوية لإرهاق الجيش الفرنسي بالمعارك التي استنزفت قواه وفضحت عجزه أمام المجتمع الفرنسي نفسه، وكانت استراتيجيتهم تستهدف إجبار الحكومة الفرنسية على الانصياع لقبول الحل التفاوضي. والحقيقة أني لم أستنبط الأسباب التي جعلت شيحاني لا يقدم على إقناع القادة الميدانيين في الأوراس (عباس وعجول وآخرون) بحتمية عقد المؤتمر المؤجل، ومهما يكن انشغالهم منصبا على قتال العدو الذي ركز كل جهوده على “إخضاع منطقة الأوراس” كخطة استراتيجية معول عليها، فإن ذلك لا يعفيهم من تنفيذ خطة سي مصطفى، لقد فرطوا في ذلك الواجب الاستراتيجي بالنسبة لمستقبل الثورة.
لماذا كلف بن بولعيد نفسه بالسفر إلى ليبيا لجلب السلاح، وهو قائد الأوراس، بدل أن يكلف غيره بهذه المهمة التي تسببت في اعتقاله؟
 حقيقة أنها كلفته وكلفت الأوراس خسارة ومحنا ما كانت لتقع لو لم يلق عليه القبض ويستشهد لاحقا. سي مصطفى تعهّد بصمود الأوراس وهو لا يؤمن بخسارة الثورة، ونظرا لدراسته الوضع خلال الأربعة أشهر التي قضاها داخل الأوراس، تأكد بأن الانتصار لا يتحقق دون سلاح وعمل ديبلوماسي مكمل، خاصة بعد أن فوجئ بمنع الحزب تسليم السلاح له، قرر السفر العاجل شخصيا لكي ينسّق مع الوفد الخارجي وحتى مع بعض الحكومات العربية لدعم الثورة ماديا ومعنويا. كان سي مصطفى يعتقد بأن دوره أساسي في هذه المهمة رغم خطورتها، ولقد سبق له أن غامر بالسفر لليبيا قبل ذلك من أجل الهدف نفسه، وحصل على تعهدات خاصة من طرف بن بلة ورفاقه، فلا خيار له غير تنفيذ المهمة التي سيترتب عنها نجاح الثورة، وليطلعهم على حقيقة الثورة في الداخل والصعوبات التي تواجه الثوار من مال ولباس وسلاح وذخيرة ودعم إعلامي ودبلوماسي مكمل، لذلك قرر السفر بعد تأكده بأن نوابه قد أصبحوا متحكمين في الوضع العسكري والتنظيمي، وأن كل السكان قد اندمجوا في مجهود الثورة اندماجا كاملا وعن قناعة، وهو ما عرضهم للتعسف بحرق قراهم وإتلاف ممتلكاتهم وحشرهم في تجمعات التفقير والمرض. إنه وضع مزرٍ يهدد بالخطر إن لم يعمل على تغييره، فالأوراس مهدد بمحاصرته من طرف الجيش الفرنسي بسياج الأسلاك الشائكة المكهربة، وعندها يكون الوقت قد فات وتنتهي الثورة في الأوراس بالتأكيد. لقد كان هذا التخوف في ذهن قادة الأوراس قبل دخول المناطق الأخرى بقوة في المعركة، ولأجل ذلك حرص سي مصطفى على بعث طلائع من الثوار أطلق عليهم اسم (الفاتحون) إلى المناطق المجاورة في الشمال والجنوب والشرق والغرب، للتبشير بالثورة وتبنيها. في البداية، كان سي مصطفى قد فكر في إرسال شيحاني بشير، لكن بعد عودته من بسكرة متألما من قضية امتناع الحزب عن تسليم السلاح للثورة، أخبره قائد فوج بسكرة، برحايل، بأن ضابط الصف المعروف باسم “سليمان” الذي يقال بأنه صهر شيحاني، قد تسلل إلى العاصمة سرا، وهناك خان الثورة وتسبب في اعتقال بيطاط، وكاد أن يورط كريم بلقاسم ليتم القبض عليه هو الآخر، وأن شيحاني قد حاول الالتحاق به لكن رئيس الفوج منعه من ذلك، وأكد المعلومة نفسها لسي مصطفى، القائد الوفي مصطفى بوستة المعروف عنه صدقه، وهنا قرر سي مصطفى السفر بنفسه لأن المهمة حساسة وتتطلب مغامرة وشيحاني يتجنب المغامرات.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول