"سر اغتيال عبان عند الحركاتي"

أخبار الوطن
19 أغسطس 2015 () - الجزائر: حاوره محمد سيدمو
0 قراءة
+ -

أسرار مثيرة عن مقتل عبان رمضان ومؤامرة العقداء يرويها صالح ڤوجيل، القيادي في ولاية الأوراس التاريخية وضابط جيش الحدود بتونس، في هذا الحوار الخاص لـ«الخبر” بمناسبة ذكرى انعقاد مؤتمر الصومام وهجمات الشمال القسنطيني. ما جاء في شهادة صالح ڤوجيل، التي ستصدر كاملة في مذكراته العام القادم، يهدد بنسف الرواية الشائعة عن “انقلاب العقداء”، فهو من موقعه كأحد أقرب المقربين من العقيد محمد لعموري كما يصف نفسه، يؤكد أن العقداء ذهبوا ضحية غدر الحكومة المؤقتة بهم، ويذهب لحد القول إن بورقيبة تأكد من براءتهم وعرض على لعموري اللجوء في تونس فرفض. أما عن لغز اغتيال عبان رمضان المحير، فيكشف ڤوجيل، مما عايشه، تفاصيل اللقاء الذي دار بين لعموري وعبان أثناء ذهاب الأخير لمؤتمر القاهرة سنة 1957، والخلاف الذي دار بين لعموري وكريم بلقاسم بسبب المطالبة بكشف حقيقة اغتياله، ويؤكد ڤوجيل أن سر اغتيال عبان كله يكمن في كشف العلاقة التي كانت بينه وبين الحاج علي الحركاتي، أحد منسيي الثورة!

20 أوت تصادف أيضا ذكرى هجمات الشمال القسنطيني. فما الذي أضافته للثورة في اعتقادكم؟
 مكنت هجمات الشمال القسنطيني من دحض كل صور الدعاية الكاذبة التي حاولت فرنسا إلصاقها بالثورة، كقولها عن المجاهدين إنهم “فلاڤة” جاؤوا من تونس أو أرسلهم عبد الناصر، كما سمحت بفك الضغط الرهيب الذي كان على الأوراس.

كيف كان وقع انعقاد مؤتمر الصومام عليكم كقادة ميدانيين للثورة؟
 كان لهذا الحدث إيجابيات في توحيد النظام وتجنيد الطاقات الحية التي كانت خارج الثورة، خاصة من المركزيين وجمعية العلماء وحزب فرحات عباس (حركة أحباب البيان والحرية)، لكن ترتب عنه في المقابل سلبيات وخلافات وانشقاقات، لأن الكل متفق على البرنامج إلا على أمرين جاء بهما المؤتمر، وهما أولوية السياسي على العسكري والداخل على الخارج. وقد انعكس هذا الخلاف بخاصة على الأوراس التي غابت عن المؤتمر، ولم يتفهم قادتها كيف أن الذين ساهموا في 1 نوفمبر يتم إقصاؤهم عن هياكل الثورة التنظيمية التي انبثقت عن مؤتمر الصومام، لجنة التنسيق والتنفيذ والمجلس الوطني للثورة الجزائرية (CNRA)، وحتى قادة الثورة في الخارج مثل بن بلة وخيضر وآيت أحمد لم تدرج أسماؤهم في المجلس الذي ضم 34 عضوا منهم 17 ثابتون.

ألم يكن لعبان رمضان الحق في إدراج أولوية السياسي على العسكري والداخل على الخارج؟
 مع العودة للأحداث اليوم وقراءتها بتأن، يتبين أن الغاضبين على مؤتمر الصومام كانوا على حق لأنهم شعروا بإقصاء غير مبرر وحل مكانهم في القيادة أناس لم يشاركوا في الثورة أصلا. لذلك جاء تصحيح هذه الاختلالات بعد سنة فقط، في مؤتمر المجلس الوطني للثورة الجزائرية في القاهرة في 20 أوت 1957، فتوسعت قائمة أعضاء المجلس إلى 54 عضوا واستوعب كل قادة الولايات، وألغي ما تقرر في الصومام عن أولوية السياسي على العسكري والداخل على الخارج. وهنا أريد توضيح أن القراءة التي تقول بخضوع العسكري للسياسي كانت خاطئة، فالحقيقة أننا كمجاهدين حينما التحقنا بالثورة لم نكن عسكريين، بل كنا ثوارا حاملين لقناعات سياسية، ولا يمكن وفق ذلك التمييز بين عسكري وسياسي، لأن ذلك يقسم صفوف المجاهدين.


ماذا كان موقف عبان من التعديلات التي تمت في مؤتمر القاهرة؟
عبان كان موجودا في القاهرة ولم يكن راضيا بالتعديلات ولكنه قبلها في النهاية.

هل سمعت من عبان شرحا لمبررات اتخاذ هذه القرارات في مؤتمر الصومام؟
في طريقه للقاهرة سنة 57، مر عبان رمضان بالولاية الأولى، وهناك زار قائدها محمد لعموري، وكنت شاهدا على اللقاء. في ذلك اليوم تفاجأ لعموري لرؤية عبان أمامه، لأنه كان يعرفه من قبل في سجن الحراش سنة 51، حيث كانوا ينادونه “حسان”، وبعد التحية والسلام، دخل الرجلان في الحديث، وفي خضمه سأل لعموري عبان عن غياب الولاية الأولى في مؤتمر الصومام وإقصاء عباس لغرور وإدخال المركزيين في القيادة، علما أن لعموري كان مؤيدا لمؤتمر الصومام، وقد رد عبان رمضان على تلك التساؤلات بأن بيان أول نوفمبر ينص على جمع كل الطاقات وقد جيء بهؤلاء لتاريخهم ونضالهم، ولو لم نأت بهم لكانت فرنسا ستستعملهم، وأوضح له بأنه اشترط عليهم أن يأتوا كأفراد، ففرحات عباس مثلا قام بحل حزبه لما انضم إلى قيادة الثورة.

هذا ما دار فقط بين عبان ولعموري؟
لا أتذكر جيدا.. لم يكن في علمي أننا سنصل إلى هذا اليوم لنروي ما حدث.

لا تزال حادثة اغتيال عبان رمضان مليئة بالغموض. هل تملكون عناصر جديدة تضيء المسألة؟
الرواية الشائعة تقول إن بوصوف هو قاتل عبان، لكن التفاصيل التي رافقت رحلة موت عبان مليئة بالأسرار. نعلم أن بوصوف رافقه كريم بلقاسم ومحمود الشريف الذي كان عقيد الولاية الأولى وانضم إلى لجنة التنسيق والتنفيذ، فما الذي جعلهما يذهبان؟ وجود كريم بلقاسم يؤكد أن قرار قتل عبان كان بموافقته ويستحيل أن يكون دون ذلك. طيب وماذا عن محمود الشريف؟ وجوده كان بسبب رفيق عبان في الرحلة وهو الحاج علي الحركاتي، فهو من الولاية الأولى التي كان يشرف عليها محمود الشريف، وحضوره قد يفسر موت الحاج علي الحركاتي الذي لا يتحدث عنه أحد. بقي الآن إيجاد العلاقة بين عبان والحركاتي لفك طلاسم لغز اغتيالهما، فما الداعي ليسافرا معا ؟ وهل كانا يخططان لشيء ما حتى تم اغتيالهما؟ هذا ما يجب البحث عنه في وثائق “المالغ” وأرشيف الثورة عسانا نتوصل إلى الأسباب الحقيقية.

لكن الحاج علي الحركاتي كان من ولايتكم.. والأكيد أنكم تملكون تفاصيل عنه؟
الحاج علي الحركاتي كان مسؤول القاعدة الشرقية في تونس قبل أن تتكون لجنة التنسيق والتنفيذ التي انبثقت عن مؤتمر الصومام، وقد كان أيضا مكلفا باستقبال القادة التاريخيين بن بلة وخيضر و... لما كانوا عائدين من المغرب، ولا نفهم إلى اليوم سبب عدم الحديث عن مقتله، أما علاقته بعبان فليست ظاهرة أو معلومة حتى نستطيع تبين حقيقتها.

هل ذهب إلى المغرب بموافقة محمد لعموري الذي كان حينها قائدا للولاية الأولى؟
لا أستطيع التأكيد أو النفي.. لكن السي محمد لم يخبرني أنه ذهب بأمر منه.

كيف تفاعلت قيادات الثورة الميدانية مع نبأ اغتيال عبان؟
 بعد اجتماع القاهرة (20 أوت 57)، تم تنصيب لجنة العمليات العسكرية (فيفري 1958) المعروفة بـ«كوم”، وفي أول اجتماع لها بالكاف في تونس، قيمت وضع الثورة وجيش التحرير مع بداية بناء خط موريس، لكنها تحدثت أيضا عن مصير القيادات التي خرجت في مؤتمر القاهرة وموت عبان رمضان في المغرب (ديسمبر 1957). وفي الاجتماع تساءل محمد لعموري، الذي كان يعرف عبان رمضان، كيف أن قياديا في الثورة يموت وتجهل الأسباب؟ وهذا ما أثار حفيظة كريم بلقاسم الذي رد عليه: “من أين تعرف عبان أنت؟ عبان ابن عمي وأنا الذي جندته (فعلا كريم هو من جند عبان لما خرج من السجن)”، ثم عقب لعموري كما روى لي: “لو قتلوك أنت ألا نتكلم عنك؟ إنه عضو قيادي قلتم إنه مات في معركة (كما نشر في المجاهد) وتبين أنه مات في المغرب ونحن نريد معرفة الحقيقة”. وبالتزامن مع اجتماع “كوم”، انعقد اجتماع آخر ضم قيادات الداخل، حضره عميروش وسي الحواس والحاج لخضر بوڤرة، ثم ذهب الثلاثة إلى علي كافي الذي لم يأتهم، ووضعوا كلهم مقترحات للجنة التنسيق والتنفيذ، طرحوا فيها مسألة موت عبان. ومن خلال الاجتماعين تبين للباءات الثلاثة بلقاسم وبن طوبال وبوصوف أن هناك انسجاما بين قادة الداخل والخارج حول المطالبة بمعرفة حقيقة موت عبان، لكنهم لم يحاولوا حل الإشكال، وتركوا الوضع إلى غاية انعقاد مؤتمر المجلس الوطني للثورة سنة 1958.

وكيف تطورت الأمور بعد ذلك؟
كان اقتراح محمد لعموري، لما حان موعد اجتماع المجلس الوطني للثورة الجزائرية سنة 1958، أن يكون بالجزائر حتى يعطى للشعب صورة بأن القيادة موجودة في الداخل. كريم بلقاسم وبن طوبال رفضا ذلك لدواع أمنية ومخافة التسبب بمشكل للتوانسة، لكن لعموري أصر على موقفه، ثم رضخ في الأخير لما رأى الجميع متفقين على القاهرة. غير أن الذاهبين للاجتماع فوجئوا عند وصولهم للعاصمة المصرية أن الاجتماع لم يعقد أصلا، وقيل لهم لقد عينا حكومة مؤقتة يرأسها فرحات عباس. والأدهى من ذلك أنه تقرر معاقبة جماعة “كوم” الذين تكلموا عن موت عبان رمضان، فأوقف الكولونيل ناصر (محمدي السعيد) مدة شهرين، وأرسل بن عودة ممثلا للثورة في لبنان وبوقلاز في بغداد، وكلم كريم بلقاسم محمد لعموري قائلا له: لقد عيناك سفيرا للثورة في جدة، فرفض لعموري وقال له إذا كنت سفيرا فسأكون بعد الاستقلال. ثم مكث لعموري مدة في القاهرة وعاد للجزائر.

وصلنا هنا إلى حادثة “انقلاب العقداء” أو”مؤامرة لعموري” كما تسمى. أنت كنت شاهدا عليها من الداخل، فما هي روايتك؟
 كانت الأمور سيئة جدا في تلك الفترة بسبب غياب القادة وضبابية المشهد مما جرى في القاهرة. وفي طريقه للعودة، كلمني محمد لعموري من طرابلس وطلب مني إرسال سيارة له إلى بن قردان التي سيصل إليها. كلمت نواورة الذي خلف لعموري على رأس الولاية الأولى بعد التحاقه بـ«كوم”، وأرسلنا له سائقا يدعى قرار، لا يزال على قيد الحياة، وكتب كتابا يدعي فيه أشياء غير صحيحة. عندها شاع خبر بأن لعموري يحضر لانقلاب على قيادة الثورة، هرع كريم بلقاسم ومحمد الشريف وبن طوبال لمقابلة بورقيبة، مدعين أن لعموري تفاهم مع عبد الناصر، ومنهم من ذكر أنه يخطط مع صالح بن يوسف (خصم بورقيبة)، فقال بورقيبة إن هذه مؤامرة على تونس، وتُرك لعموري يمر من الحدود الليبية التونسية ولم يوقفوه، فوصل إلى الكاف وهناك التقيته، فطلب مني الرجوع إلى تونس لأنه سينظم اجتماعا. وفعلا تم الاجتماع بحضور نواورة وعواشرية وبلهوشات ودراية ومحمد الشريف مساعدية، وكان التوانسة على علم بذلك فحاصروهم واشتبكوا معهم، وألقي القبض على لعموري ومساعدية ولاذ دراية بالفرار، لكنهم عادوا وألقوا عليه القبض، بينما داهموني أنا في تونس على الواحدة ليلا واتهموني باطلا بأني كنت مكلفا باعتقال أعضاء الحكومة المؤقتة، ووجدوا عندي سلاحا كان في إطار مهمتي كمكلف باللوجستيك والتسليح، لكنهم اتخذوه ضدي دليلا.

يعني لا توجد مؤامرة من الأساس؟
أنا أقول إن الحكومة المؤقتة هي التي انقلبت علينا ولسنا نحن من انقلب. فلا يعقل أن نسمح لأنفسنا كثوار بالطعن في أول حكومة جزائرية رغم كل ما فيها من عيوب، وتكوينها بناء على اجتماع لم يتم أصلا في القاهرة.

لماذا انتهت قصة العقداء بتلك المأساوية وكيف سمح قادة الثورة بإعدامهم؟
كان عميروش وسي الحواس في طريقهما إلى تونس، ولو كتب لهما الوصول لتغيرت أمور كثيرة، لكن الله توفاهما في الطريق. أما نحن فبقينا مسجونين ومقيدين بالأغلال في ثكنة تدعى قمبلاط، وكنا نحو 40 بيننا السعيد عبيد وعباس غزيل وإخوان كثيرون. بعد ذلك طلب كريم بقاسم، الذي كان وزير الحربية، من التوانسة تسليمنا له، فرفضوا بعد أن تبين لهم أن ما حدث لم يكن مؤامرة ضد تونس، حتى أن بورقيبة أرسل مسؤول الحرس الوطني وكان يدعى محجوب إلى محمد لعموري وعرض عليه أن يبقى تحت حماية تونس حتى تستقل الجزائر، وأمهله 24 ساعة للتفكير. حينها أخبرني لعموري وطلب رأيي أنا فقط، لأننا من قرية واحدة وصعدنا معا للجبل وتجمعنا رابطة قوية، فقلت له إن تسليمنا يعني قتلنا، فأجابني: “يا صالح أتريدنا أن نذهب للبلاد بعد الاستقلال ونقول كنا لاجئين عند التوانسة. أفضل أن يقتلني إخوتي ويبين التاريخ يوما أنهم كانوا مخطئين على أن أفعل ذلك”. ولما رجع مبعوث بورقيبة أخبره بعدم القبول. أكثر من ذلك، جاء كريم بلقاسم وبن طوبال وجمعا كل قيادات الولاية الأولى وقاعدة الشرق، بينهم الشاذلي بن جديد، وذكروا بخصوصنا أن الأمر لا يعدو كونه خلافا بين قادة الثورة، وطلبوا منهم مواصلة النضال. المهم، رفض التوانسة تسليمنا ما لم تتأسس محكمة للنظر في قضيتنا، فأنشأوا محكمة ترأسها هواري بومدين ومعه قايد أحمد والكولونيل الصادق وعلي منجلي ممثلا للحق العام، وكان لعموري متفائلا جدا بها، لأنه كان يعتقد أن بومدين يقاسمه نفس الموقف. وبعد المحكمة أطلقوا سراح الجميع ما عدا 9 هم لعموري، نواورة، عواشرية، بلهوشات، العيساني رائد القاعدة الشرقية، ومحمد الشريف مساعدية ودراية وملوح محمد والعبد الضعيف، ثم أخذونا إلى مزرعة بالدندان. كان ذلك في رمضان 59 وهنالك استدعوا لعموري وعواشرية ونواورة، فظننا أنهم سيعزلونهم باعتبارهم عقداء، إلا أنهم قتلوهم في ليلة استدعائهم، ولم نستعد جثامينهم إلا في وقت الشاذلي بن جديد، ومن عجائب القدر أن مكانا بقي بين قبور هؤلاء الإخوة في العالية، دُفن فيه رفيقهم السيناتور محمد الشريف مساعدية لما توفي.

في نفس السياق

"هجومات 20 أوت أنقذت الأوراس من الحصار"
20 أوت تاريخ نهاية الخوف بالنسبة للجزائريين
"ارتكبنا مجازر في حق الجزائريين"
حقائق وشهادات لسكان بسطاء ومجاهدين حضروا الهجوم
كلمات دلالية:
20 أوت 1955

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول