ربورتاجات

جولة داخل قصر الحب… "تاج محل"

"الخبر" تواصل استكشاف ما يميز الهند.

  • 655
  • 3:40 دقيقة
الصورة : مصطفى. ب "الخبر"
الصورة : مصطفى. ب "الخبر"

مبعوث "الخبر" إلى الهند: مصطفى. ب

"تاج محل".. المصنف كأحد عجائب الدنيا السبع، ليس قصرا يجمع بين ثلاث حضارات فقط، لكنه أيضا استطاع أن يتعايش مع جميع العصور، ليتجدد مع كل فترة، ويعطي قراءة جديدة، بين تلك الدينية والسياسية والانسانية..فما هي دلالته في عصر التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي؟

تنقلنا من محطة القطار بالعاصمة الهندية ديلهي، نحو مدينة "أغرا" على مسافة 230 كيلومترا، استغرقت قرابة الساعتين من الزمن. هناك في "أغرا"، استقللنا وسيلة نقل محلية، لنصل إلى ممر جميل مؤدٍ على مسافة تفوق الكيلومتر، قطعناها على متن مركبة من بين المركبات الحكومية المعدة خصيصا لنقل السياح الأجانب نحو المعلم الهندسي العالمي.

 وفي الطريق استمتعنا بمنظر عشرات المحلات التي تعرض مختلف أنواع الأغراض والحلي، للزينة والذكرى، حتى أنك تحتار عند الاختيار بينها، لما تمثله كل واحدة من رموز تعكس تراث هذه الأرض الضاربة في التاريخ.

الوصول إلى القصر كان سريعا وممتعا، لكن كان علينا أن نتجنب حمل أي أغراض عدا الهاتف أو الكاميرا، إذ يمنع إدخال أدوات تصوير مرافقة (ميكروفون، بطاريات، أو حاملات الكاميرا).

 الدخول كان عبر "البوابة العظيمة"، كما تلقب، أو "داروازا-ي-روزا"، المبنية بالكامل من الحجر الرملي الأحمر الفاخر، والمرصعة بالرخام الأبيض والخطوط العربية المكتوبة ببراعة، والتي يقودنا تخطيها إلى "الحدائق الهادئة" التي تفصل بينه وبين القصر الواقع على ضفاف نهر يامونا.

 وقفنا عند البوابة مدة طويلة، لكون تفاصيلها أيضا مثيرة للإعجاب، كونها تضم 11 قبة صغيرة، ومزينة بآيات قرآنية تدعو المؤمنين لدخول الجنة.

 الأعجوبة تنطلق من هنا

قبل تخطي مدخل البوابة، يتراءى لك قصر "تاج محل" المبني كله بالرخام، إذ يبدو كبيرا من وراء المدخل، ثم يقل حجمه بعد تخطيه، لتجد نفسك على بعد أمتار من واحد من بين أهم المباني التاريخية في العالم.

ومن عجائب المبنى أيضا، أن مآذنه بنيت معوجة قليلا للخارج، والغاية من ذلك أن لا تنهار عليه في حال وقوع زلزال، وأن تظهر من بعيد كأنها مستوية. هذا المبنى الذي تتفق روايات عن قصته، وتختلف أخرى حول صحتها، لكنها تصب كلها في أنها واحدة من بين أكبر المعالم التاريخية.

 في هذا الشأن، قال المرشد والمترجم، آني برنس، إن "تاج محل هو معلم خاص جدا، الناس يزورونه من كل بقاع العالم، ليس فقط لأنه متقن الإنجاز بشكل يبهر جميع زائريه، ولكن أيضا لقصته الشهيرة التي جعلت منه مزارا للمحبين".

 وقصته المحورية، حسب حديثه لـ"الخبر" هي أن: "الملك المغولي شان جهان، أنهى إنجازه عام 1653، ليكون ضريحا لزوجته المتوفاة ممتاز محل، إذ أنها أوصته وهي طريحة الفراش أن يصنع لها شيئا يخلد ذكراها، ومن حبه الكبير لها أنجز لها أعظم قصر"، في حين تتضارب الروايات حول ما تلاها، من كونه قام بقطع أيادي 22 ألف عامل أشرفوا على تشييده على مدار عشرين سنة، لكي لا ينجزوا مثله".

 وأضاف: "أهمل القصر في الفترة التي رافقت ضعف الحكم المغولي، وتحول إلى أثر منته فقط، قبل أن تعيد الحقبة الاستعمارية البريطانية له الحياة، حيث تم ترميم القصر جزئيًا، وأضفوا على حدائقه لمسة أوروبية، وقدم من طرف كتب المستشرقين على أنه قصة حب عظيمة".

 في هذه المرحلة، يواصل قائلا: "أخذت قصة حب الملك شاه جهان وممتاز محل، تطغى على الدلالات السابقة من كونه ضريحا دينيا، أو معلما حضاريا، وصار مزارا للمحبين، كما أنه تحول إلى معلم عالمي ورمز للهندسة المعمارية في الهند، وكذا أثر سياحي واقتصادي جبار، إذ يزوره يوميا، حسب إحصائيات رسمية، من 20 إلى 70 ألف زائر، ومن 7 إلى 8 ملايين زائر سنويا".

 بريق متجدد

في عصر الصور الآنية، الفيديو ومواقع التواصل الاجتماعي، لم يفقد القصر رونقه، ولكن تحول إلى مادة دسمة للمحتويات الرقمية، له دلالتان: السفر والحب.

 هذا ما عشناه ونحن ننتقل بين مختلف زوايا القصر، من البوابة إلى الحديقة، فالضريح الذي دفن فيه الملك شاه جهان، وبجانبه زوجته ممتاز محل. عشرات الأزواج جاؤوا ليحيوا حفلات زواجهم أو ذكراها هناك، مرتدين أزياء تقليدية هندية، حتى بالنسبة للسياح الأجانب، فيما كان المرشدون المرافقون للسياح يروون قصة المعلم بشغف كأنها وقعت أمس، فيتفاعل معها المستمعون باهتمام كبير.

 غير أن كثيرا من الزوار كانوا يعيشون اللحظة خلف شاشات هواتفهم النقالة، ليلتقطوا صورا يرفقونها بعبارة "من واحدة من أعاجيب الدنيا السبع.. تاج محل". في حين راح آخرون يدققون في المعلم الهندسي الذي يجمع بين العمارة المغولية والفارسية والهندية والإسلامية، والمصنوع كليا بالرخام الأبيض الناصع، الذي تزينه الأحجار شبه الكريمة (اليشب، الياقوت، الفيروز).

 ولدقة تفاصيله، التي تميز عناصره: القبة المركزية، المآذن الأربع، والإيوانات، أي المداخل المقوسة، فإن الإبحار فيه أخذ منا ساعات من التعمق، وإعادة الاكتشاف.

 يبقى قصر "تاج محل" يواجه عدة تحديات مستقبلا، لعل أبرزها تأثيرات التغير المناخي على أسواره، وكيفية الحفاظ عليه، مثل الحفاظ على قصته الحقيقية لتؤرخ لحقبة تعود لمئات السنين.