رياضة

كأس العار...

بين إقصاء الجزائر في ظروف مشبوهة، ومحاولات إبعاد منتخبات وازنة مثل مصر وتونس عن الأدوار النهائية، ترسخت قناعة واسعة بأن ما يحدث ليس صدفة.

  • 10021
  • 3:38 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم تعد كأس أمم إفريقيا الجارية بالمغرب مجرد تظاهرة رياضية تقاس نتائجها بما يقدم فوق المستطيل الأخضر، بل تحولت، مع توالي المعطيات والتسريبات والوقائع الميدانية، إلى عنوان لفضيحة أخلاقية ورياضية مكتملة الأركان. بطولة كان يفترض أن تجسد روح التنافس الشريف ووحدة القارة، أضحت مرآة عاكسة لممارسات مشبوهة، تتحدث عن تدخلات من وراء الستار، واتصالات مالية، وضغوط سياسية ورياضية، هدفها واحد: صناعة تتويج بأي ثمن، حتى ولو كان الثمن هو الدوس على القيم التي قامت عليها كرة القدم الإفريقية.

ما جرى خلال هذه النسخة، من أخطاء تحكيمية فادحة، وقرارات مثيرة للجدل، وفتح تحقيقات متأخرة استهدفت صحفيين وأنصارا بدل مساءلة من عبثوا بمسار المنافسة، جعل من هذه الدورة حديث الرأي العام الإفريقي والدولي، لا بوصفها عرسا كرويا، بل كنموذج صارخ لما يمكن أن تؤول إليه الرياضة حين تختطف من قبل المال واللوبيات والنفوذ.

وبين إقصاء الجزائر في ظروف مشبوهة، ومحاولات إبعاد منتخبات وازنة مثل مصر وتونس عن الأدوار النهائية، ترسخت قناعة واسعة بأن ما يحدث ليس صدفة، بل جزء من سيناريو معد سلفا، سيبقى محفورا في الذاكرة الجماعية كأحد أسوأ فصول كرة القدم الإفريقية.

منذ الأدوار الأولى، لاحظ المتابعون أن مسار البطولة يسير وفق سيناريو مريب، تحكمه قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، وانتقائية فاضحة في استعمال تقنية الفيديو "الفار"، وكيل بمكيالين في تفسير القوانين. ومع تقدم المنافسة، بات واضحا أن بعض المنتخبات وضعت في مرمى الاستهداف، وفي مقدمتها الجزائر، إلى جانب تونس ومصر، في مقابل تمهيد الطريق لمنتخب البلد المنظم مهما كان الثمن.

الحديث المتداول عن اتصالات مشبوهة وعروض مالية ضخمة، قيل إنها بلغت حدود مليون دولار، عرضت على النيجيريين مقابل قطع الطريق على الجزائر مع ترتيبات مريحة مع فريق الحكام، ولا يمكن فصل ذلك عن الصورة العامة التي رسمتها البطولة. فحين تتكرر الأخطاء التحكيمية الجسيمة في اتجاه واحد، وحين تتحول قرارات مصيرية إلى مادة للسخرية في الإعلام الدولي، يصبح من المشروع التساؤل عن الجهة التي تحرك الخيوط، وعن حجم الفساد الذي نخر جسد الكرة الإفريقية.

اللافت أن الهيئة القارية لكرة القدم "الكاف"، بدل أن تبادر إلى فتح تحقيقات شفافة حول التحكيم والإدارة والتنظيم، اختارت الطريق الأسهل، فوجهت بوصلتها نحو الصحفيين والأنصار، عقب إقصاء الجزائر، في خطوة فهمت على أنها محاولة لإسكات الأصوات المنتقدة، لا معالجة أصل المشكلة.

هكذا وجدت الكاف نفسها في موقع المتهم، بعد أن غضت الطرف طويلا عن تجاوزات خطيرة، لتتحول من هيئة يفترض أن تحمي اللعبة إلى مادة للتندر والسخرية في الصحافة العالمية.

ولم يعد الجزائريون الذين تنقلوا إلى المغرب فقط مشجعين، بل عادوا بشهادات صادمة عن تنظيم مرتبك، ومناخ مشحون، وشعور عام بأن المنافسة ليست نزيهة. وما عاشوه في المدرجات والشوارع عاشه أيضا ملايين المتابعين عبر الشاشات، وهم يشاهدون كيف تدار بطولة قارية بعقلية إقصائية، لا تقبل إلا بنتيجة واحدة.

غير أن الفضيحة الرياضية لا تنفصل عن خلفيتها السياسية. فقد استعملت بطولة "كان 2025"، بوضوح، كأداة لتلميع نظام يعيش أزمة داخلية خانقة، ومحاولة لتصدير صورة استقرار وهمي، في وقت تتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، ويطالب الشباب المغربي بتحسين أوضاعه المعيشية في الصحة والتعليم والشغل.

وبدل الاستثمار في الإنسان، فضل نظام المخزن المريض استثمار الأموال الطائلة في الملاعب والديكور، وتسخير الكرة لتبييض صورة مهترئة اهتزت بفعل الفساد.

في هذا السياق، لم يكن الحضور المكثف لولي العهد المغربي في المدرجات، ولا التغطية الإعلامية المبالغ فيها، مجرد صدفة، حيث ظهرت البطولة وكأنها جزء من مخطط أشمل لتسويق مرحلة سياسية قادمة، وتقديم كرة القدم كجسر لعبور مشروع خلافة، في بلد يعرف صراعات صامتة أو بالأحرى مكتومة داخل دوائر الحكم، وبالتالي جرى خلط الرياضة بالسياسة، وجرت التضحية بالأخلاق على مذبح الدعاية.

والأخطر في كل ما حدث، أن صورة كرة القدم الإفريقية تلقت ضربة موجعة، لأن بطولة يفترض أن تكون عيدا للشعوب أصبحت مصدر انقسام وغضب، ونسخة وصفت، عن حق، بكأس العار والغش.. تحكيم موجه، كواليس مظلمة، وقرارات لا علاقة لها بقانون ولا منطق، جعلت المتابعين يتساءلون عن مستقبل المنافسات القارية إذا استمر هذا النهج.

بكل صراحة، والوقائع تؤكد هذا الكلام، إن ما جرى في "كان 2025" لا يسيء إلى منتخب بعينه، بل يسيء إلى القارة كلها.. وعندما تفقد المنافسة نزاهتها، وتتحول النتائج إلى سلعة جاهزة، يفقد الجمهور ثقته، وتخسر اللعبة روحها.

وبفعل الإساءات المتكررة التي تتعرض لها كرة القدم الافريقية بسبب ممارسة المخزن القذر، فقد أصبحت الحاجة اليوم إلى وقفة ضمير، ومراجعة شاملة، وإعادة الاعتبار لقيم الشفافية والعدالة، قبل أن تتحول البطولات إلى مجرد مسرحيات سياسية.

خلاصة الكلام، ستبقى هذه النسخة، بكل ما حملته من جدل وفضائح، درسا قاسيا في كيفية قتل الرياضة حين تخضع لمنطق الغش والتوظيف. وسيبقى السؤال مطروحا: هل تتعلم الكاف من هذا السقوط، أم ستواصل الهروب إلى الأمام؟ الأكيد ان كان 2025 ستظل في الذاكرة، لا كبطولة للفرح، بل كعنوان لمرحلة مظلمة في تاريخ الكرة الإفريقية.