العالم

"فرنسا.. رجل أوروبا المريض"

تتخبط حاليا في أزمة مالية واجتماعية غير مسبوقة.

  • 1452
  • 4:37 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في وقتٍ تتخبط فيه فرنسا في أزمة مالية واجتماعية غير مسبوقة، مع دين عام يقترب من 3600 مليار أورو، وأسعار وقود تلامس 3 أورو للتر، وملايين الفرنسيين تحت خط الفقر، اختار الرئيس إيمانويل ماكرون أن يجمع رؤساء الأحزاب السياسية في قصر الإليزيه، لا لمناقشة إنقاذ القدرة الشرائية المنهارة، بل لتحويل الأنظار نحو التهديد الروسي والهجمات الهجينة، وقد لخص المشهدٌ ما وصفه النقاد بـ “سياسة إلهاء”، حيث يُشار إلى القمر لتجنب النظر إلى الأصبع.

في الثامن عشر من سبتمبر 2026، جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رؤساء الأحزاب الممثلة في البرلمان، أو من ينوب عنهم من مرشحي الانتخابات الرئاسية، في اجتماع مغلق في قصر الإليزيه، بحضور رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو والمسؤولين العسكريين والاستخباراتيين. ورغم أن الإعلان الرسمي للاجتماع تحدث عن "التدهور السريع للوضع الدولي" وعواقبه على أمن فرنسا وطاقتها، إلا أن ماكرون حرص على تصدير رسالة محددة: روسيا هي المشكلة، وفرنسا لن تُرهب.

"فرنسا وهاجس الإفلاس".. التشخيص الصادم لجاك آتالي

في مقابلة حديثة مع برنامج “L’invité” على قناة TV5Monde، لم يتردد الاقتصادي المخضرم جاك آتالي في وصف الوضع الفرنسي بصراحة نادرة. وعندما سأله المذيع: “هل الوضع ليس جيداً اليوم؟”، جاء الجواب:

آتالي “إنه سيئ جداً. إنه سيئ للغاية. فرنسا في وضع كارثي. على المستوى الأخلاقي، لأنها منقسمة بين طرفين متطرفين لا يمكن أن يؤديا إلا إلى الأسوأ. وفي أوروبا، حيث أصبحت الآن ‘رجل أوروبا المريض’. وفي الوضع الداخلي، مع دين... الجميع يعرف ذلك، نحن في حالة إفلاس. البلد في حالة إفلاس، وهذا ليس وضعاً جيداً".

ويضيف آتالي، الذي شغل منصب المستشار الخاص للرئيس الراحل فرانسوا ميتران لعقد كامل، تشبيهاً بليغاً لموقف الدائنين من فرنسا: “عندما تُقرض شخصاً مفلساً، لكنك تعلم أنه يمتلك سبائك ذهب في خزينته، تقول: "يمكنني إقراضه بعد. إذا تصرف بغطرسة، سأذهب وأفتح خزينته وآخذ ما فيها.. هذا بالضبط ما يفعله المقرضون مع فرنسا اليوم، سيأتون ويفتحون خزينتنا ويأخذون ما فيها".

هذا التشخيص ليس مبالغة خطابية، بل يعكس واقعاً رقمياً صارخاً؛ فحجم الدين العام الفرنسي تجاوز 3536 مليار أورو (ما يعادل 4162 مليار دولار) في نهاية الربع الأول من عام 2026، وفقاً لمعهد الإحصاء الفرنسي INSEE، أي ما نسبته 117.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

والأخطر من ذلك؛ أن هذه النسبة مرشحة للارتفاع إلى 119.3% في عام 2026 و121.7% في 2027 - وهي مستويات غير مسبوقة منذ عام 1978 - بحسب ما نقلته وزارة الاقتصاد الفرنسية. للمقارنة، فإن معيار الاتحاد الأوروبي يحدد سقف الدين عند 60% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن فرنسا تجاوزت هذا السقف بنحو الضعف.

فاتورة الدين.. 65 مليار أورو سنوياً تُسحب من جيوب الفرنسيين

ولا يتوقف الخطر عند حجم الدين فحسب، بل يمتد إلى كلفة خدمته؛ فالدولة الفرنسية تدفع سنوياً نحو 65 مليار أورو فقط لتغطية فوائد الديون المتراكمة، وهو مبلغ يعادل تقريباً الميزانية السنوية الكاملة لوزارة التربية الوطنية. وتتوقع وكالات التصنيف أن يرتفع هذا الرقم بشكل حاد خلال السنوات المقبلة. وفي هذا السياق، حذّر جاك آتالي من أن عبء الفائدة السنوي “سيرتفع من 65 مليار أورو إلى 223 مليار أورو بحلول عام 2035” إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية.

ولأن الدولة تحتاج إلى تمويل عجزها المتزايد، اضطرت إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المستثمرين؛ فقد تجاوز معدل الفائدة على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات عتبة 4.5% في منتصف سبتمبر 2026، وهو أعلى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. وفي المقابل، تقترض ألمانيا بنسبة 3.53% فقط، ما يعني أن الفارق بين البلدين يقترب من نقطة مئوية كاملة، وهو مؤشر على تآكل الثقة في الجدارة الائتمانية الفرنسية.

وقد ترجمت وكالات التصنيف هذه المخاوف إلى إجراءات ملموسة؛ ففي 18 سبتمبر 2026، خفّضت وكالة Scope Ratings التصنيف السيادي لفرنسا من AA- إلى A+، مشيرة إلى “التدهور المستمر في الآفاق المالية” و”السياق السياسي الصعب” الذي يعيق الإصلاحات الهيكلية. وبذلك، انضمت فرنسا إلى نادي الدول التي تواجه ضغوطاً متزايدة على تكلفة اقتراضها، في وقت لا تستطيع فيه تحمل أي زيادة إضافية في الأعباء.

وعلى الجانب الآخر من الأزمة، يعيش المواطن الفرنسي العادي واقعاً أكثر قسوة. فأسعار الوقود، التي تشكل عنصراً حيوياً في حياة ملايين العمال والموظفين وأصحاب السيارات، بلغت مستويات قياسية. ففي بعض محطات الخدمة في منطقة الألزاس، وصل سعر لتر الديزل إلى 2.89 أورو، بينما وصل سعر النسخة الممتازة إلى 2.99 أورو؛ أي أن حاجز الثلاثة أورو أصبح على بعد سنت واحد فقط. وفي محطة أخرى في جبال البرانس الشرقية، سُجل سعر 2.999 أورو للتر.

هذه الأسعار لا تعكس فقط ارتفاع أسعار النفط العالمية، بل تعكس أيضاً سياسة ضريبية فرنسية ثقيلة؛ فالضرائب تمثل نحو 60% من السعر المدفوع عند المضخة، وفقاً لما أوردته المراسلة الصحفية. ومع ذلك، ترفض الحكومة خفض هذه الضرائب أو حتى تقديم تنازلات للقدرة الشرائية. وقد حاول رئيس الوزراء لوكورنو تمديد “الإعانات المستهدفة” لبعض الفئات المهنية حتى 31 ديسمبر 2026، لكن هذه الإعانات محدودة ولا تعالج المشكلة الجوهرية.

المعارضة ترفع صوتها... من الوساطة الدبلوماسية إلى الراية الزائفة

لم يمر اجتماع الإليزيه دون ردود فعل غاضبة من المعارضة؛ فبينما كان ماكرون يتحدث عن “التهديد الروسي”، خرج فابيان روسيل، مرشح الحزب الشيوعي الفرنسي للانتخابات الرئاسية لعام 2027، بتصريحات لاذعة. وقال روسيل، الذي أعلن ترشحه رسمياً في سبتمبر 2026 بعد حصوله على تأييد 72% من أعضاء حزبه:

.. وعكست تصريحات النخب مستوى عميقاً من عدم الثقة في الطبقة السياسية الحاكمة، وتطرح تساؤلات جدية حول استخدام “التهديد الخارجي” كأداة لتبرير الفشل الداخلي أو حتى لتمديد الولاية الرئاسية.

كل هذه العوامل - الدين المتصاعد، أسعار الوقود القياسية، الغضب الشعبي، والانقسام السياسي - تضع فرنسا على شفا خريف ساخن؛ فقد أعلن حزب “فرنسا الأبية” والحزب الشيوعي منذ الآن أنهما يصوتان لصالح سحب الثقة لإسقاط الحكومة، وذلك قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية لعام 2027. وقد شهد عام 2026 بالفعل سلسلة من محاولات سحب الثقة التي فشلت بصعوبة، لكن الضغوط تتراكم.

ويبدو أن الطبقة السياسية الفرنسية عالقة بين خيارين مريرين: إما الاستمرار في سياسات التقشف التي تزيد الغضب الاجتماعي، أو الانزلاق نحو مزيد من الاقتراض الذي يهدد بانهيار مالي.. وقد حذّر آتالي من أن فرنسا "تندفع نحو الحائط".