مجتمع

شباب يدمنون "اللايف" بغرض الربح

خلال السنوات الأخيرة، برز عدد من الشباب الجزائريين الذين استطاعوا تحويل صناعة المحتوى إلى مصدر دخل حقيقي.

  • 589
  • 4:19 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في زمن لم يعد فيه الهاتف مجرد وسيلة تواصل، بل أصبح أداة عمل ومصدرا للدخل، برز البث المباشر أو ما يعرف بـ "اللايف" كأحد أبرز مظاهر التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل علاقة الشباب بالعمل والربح. فمن خلال منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"فايسبوك" و"يوتيوب"، أصبح بإمكان أي مستخدم أن يتحول إلى صانع محتوى يتواصل مباشرة مع الجمهور ويحقق أرباحا عبر التفاعل والهدايا الرقمية والمشاهدات.

وخلال السنوات الأخيرة، برز عدد من الشباب الجزائريين الذين استطاعوا تحويل صناعة المحتوى إلى مصدر دخل حقيقي، سواء من خلال التسويق الإلكتروني أو عرض المنتجات المحلية، أو تقديم مراجعات للهواتف والتقنيات، أو إنتاج محتوى ترفيهي وثقافي، أو الاستفادة من الإعلانات والهدايا الرقمية التي توفرها المنصات.

كما نجح بعضهم في بناء مشاريع صغيرة انطلقت من الهاتف فقط، قبل أن تتحول إلى مؤسسات مصغرة توظف مساعدين في التصوير والمونتاج والتسويق، وهو ما يعكس الإمكانات الاقتصادية التي أتاحها الاقتصاد الرقمي.

غير أن هذا الوجه المشرق لا يلغي وجود جانب آخر يثير كثيرا من الجدل. فهناك من يتحفظ على هذا النوع من الربح، بالنظر إلى اعتماد بعض الحسابات على الإثارة المبالغ فيها، أو استعمال لغة هابطة، أو نشر قصص وصور ومشاهد خادشة للحياء أو مثيرة للجدل، بهدف رفع نسب المشاهدة وجذب أكبر عدد من المتابعين والهدايا الرقمية.

ويرى مختصون أن هذا السلوك أفرز سباقا محموما نحو "الترند" ولو على حساب القيم والأخلاق، خاصة مع سهولة تحقيق الانتشار السريع عبر المحتوى الصادم أو الاستفزازي.

وفي هذا الإطار، شهدت الأشهر الأخيرة تدخلات متكررة لمصالح الأمن ضد عدد من أشباه المؤثرين وصناع المحتوى، على خلفية نشر محتويات اعتبرت مخلة بالحياء العام أو مخالفة للقانون، أو تضمنت ألفاظا مسيئة، أو تحريضا على سلوكيات مرفوضة، في إطار حملات استهدفت تنظيف الفضاء الرقمي من الممارسات التي تمس النظام العام والقيم الاجتماعية.

وفي المقابل، يؤكد متابعون أن تعميم هذه الصورة يبقى مجحفا، لأن الساحة الرقمية الجزائرية تضم أيضا نماذج محترمة استطاعت أن تكسب ثقة الجمهور من خلال محتوى هادف. فهناك صناع محتوى يقدمون فيديوهات للتعريف بالمناطق السياحية الجزائرية والترويج للسياحة الداخلية، وآخرون ينشرون نصائح في الصحة والتغذية والرياضة، أو يقدمون دروسا تعليمية وتكوينية، ومراجعات علمية وتقنية، إضافة إلى محتوى متخصص في ريادة الأعمال واللغات والتنمية الذاتية، وهو ما جعلهم يحظون بمتابعة واسعة داخل الجزائر وخارجها.

وبين هذه الرؤى، يبقى البث المباشر فضاء رقميا مفتوحا على فرص كبيرة وتحديات حقيقية، كما يفرض في الوقت نفسه الحاجة إلى نشر ثقافة المحتوى المسؤول، وتشجيع المبادرات التي تقدم قيمة مضافة للمجتمع، حتى يتحول الاقتصاد الرقمي إلى رافعة للتنمية والابتكار، لا مجرد سباق وراء المشاهدات والأرباح السريعة.

  

"اللايف أحدث تحولا عميقا في مفهوم العمل التقليدي"

قبل سنوات قليلة، كان إنشاء مشروع تجاري أو إطلاق نشاط تسويقي يتطلب امتلاك محل في موقع إستراتيجي، أما اليوم فقد غيّرت المنصات الرقمية هذه المعادلة، إذ أصبح الهاتف الذكي والاتصال بالإنترنت كافيين للوصول إلى آلاف المتابعين وتحقيق المبيعات عبر البث المباشر.

ويؤكد خبير تكنولوجيات الإعلام والرقمنة بجامعة الجزائر 3، الدكتور ندير خلف الله، أن "اللايف" أحدث تحولا عميقا في مفهوم العمل التقليدي، وغير طرق التسويق والتجارة وصناعة المحتوى.

وأوضح المتحدث لـ "الخبر" أن البث المباشر لم يعد وسيلة للترفيه فقط، بل تحول إلى مصدر رزق لشريحة واسعة من الشباب الجزائري، حيث أنشأ كثيرون استوديوهات منزلية بسيطة وجهزوها بوسائل تصوير وإضاءة، وجعلوا منها فضاءات لإطلاق محتوى وتسويق المنتجات.

وأشار إلى أن نجاح هذا النشاط يعتمد أساسا على التفاعل المباشر مع الجمهور، من خلال الرد على التعليقات والإجابة عن استفسارات المتابعين، وهو ما أوجد نمطا جديدا من التسويق يقوم على التواصل الفوري والإقناع المباشر.

ورغم الانتشار الواسع لصناعة المحتوى، يرى الخبير أنها لا تزال مهنة غير مستقرة، لأن مداخيلها ترتبط بعوامل متغيرة، أبرزها اهتمامات الجمهور وسياسات المنصات الرقمية وخوارزمياتها. فصانع المحتوى قد يحقق أرباحا معتبرة خلال فترة معينة، لكنه يبقى معرضا لتراجعها أو انقطاعها مع أي تغيير في آليات عمل المنصة، ما يجعلها مهنة أكثر هشاشة مقارنة بالوظائف التقليدية.

وفيما يتعلق بآليات الربح، أوضح خلف الله أن منصات مثل "تيك توك" و"يوتيوب" تعتمد على الهدايا الإلكترونية، حيث يشتري المستخدمون عملات رقمية يرسلونها أثناء البث المباشر، بينما تقتطع المنصة جزءا من قيمتها وتحول الباقي إلى صانع المحتوى. كما ترتبط الأرباح أيضا بعدد المشاهدات ومستوى التفاعل، ما يجعل الجمهور عنصرا أساسيا في اقتصاد البث المباشر.

وأشار إلى أن الخوارزميات أصبحت العامل الحاسم في نجاح أو فشل أي بث مباشر، إذ تراقب منذ الدقائق الأولى عدد التعليقات والإعجابات ومدة بقاء المشاهدين، ثم تقرر مدى توسيع انتشار المحتوى أو الحد منه. ولهذا يحرص كثير من صناع المحتوى على ضمان بداية قوية للبث، بل إن بعضهم يستعين بمتابعين مقربين لإحداث تفاعل أولي يمنح الخوارزمية مؤشرات إيجابية تساعد على الوصول إلى جمهور أوسع.

وأضاف أن المنصات تمارس أيضا نوعا من "التحكم الخفي" في توزيع المشاهدات، فهي تروج للمحتويات التي تحقق تفاعلا وأرباحا أكبر، وقد تقلص انتشار محتويات أخرى إذا رأت أنها لا تحقق أهدافها أو قد تؤثر في صورتها، في حين تبقى تفاصيل هذه الخوارزميات ضمن أسرار الشركات المالكة للمنصات.

وأكد الخبير أن النجاح في البث المباشر لا يتطلب بالضرورة تخصصا تقنيا، بقدر ما يحتاج إلى حسن إدارة التفاعل مع الجمهور وتقديم محتوى قادر على جذب المشاهدين والحفاظ على اهتمامهم.

وختم خلف الله بالتأكيد على أن المستفيد الأكبر من اقتصاد البث المباشر يبقى المنصات الرقمية نفسها، لما تحققه من أرباح ضخمة عبر العمولات والإعلانات واستغلال البيانات المتعلقة بسلوك المستخدمين واهتماماتهم.

وفي المقابل، يبقى صانع المحتوى الطرف الأكثر عرضة للضغوط النفسية والتقنية، لأنه مطالب باستمرار بإنتاج محتوى جذاب وتحمل تكاليف التجهيز، في وقت تستطيع فيه المنصة تقليص انتشار محتواه أو حجب حسابه في أي لحظة وفقا لسياساتها الداخلية.