الوطن

صنصال.. شطحات ومزايدات حول سيرته الذاتية

عندما تتحول السيرة الذاتية إلى تضخيم للذات.

  • 931
  • 9:01 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

يحدث أحياناً أن تنتهي الكتب، التي يُفترض أن تروي ومضة من الحياة، بأن تتحول إلى عمل استعراضي وأحياناً إلى "أسطورة" شخصية، لتضخيم الذات.

ففي كتابه الجديد، الصادر الأمس بفرنسا، يَعد بوعلام صنصال بتقديم شهادة عن الاعتقال و"الظلم" الذي يدعي أنه قد سُلط عليه، ورواية عن تجربته الشخصية مع السجن. لكن لدى قراءة النص، سرعان ما يتغير المسار المزعوم؛ إذ تصطدم مع تضخيم الوقائع والخلط في السجلات.

وما كان من المفترض أن يندرج ضمن السيرة الذاتية يتحول إلى سرد مشبع بالمبالغات وإعادة البناء والانزلاقات الإيديولوجية.

 الواقع المتوتر

"لم تدم محاكمتي سوى خمس دقائق، لتتم بخمس سنوات سجناً نافذاً، وغرامة خيالية تبلغ خمسمائة ألف يورو، وعار وطني، ومصادرة ممتلكاتنا الشخصية، وإسقاط الجنسية، والترحيل الفوري من البلاد" (ص 22).

غير أن التناقضات تقفز إلى العين؛ فبوعلام صنصال يذكر أن العدالة الجزائرية حكمت عليه بدفع غرامة مالية بعملة "اليورو"، بينما الأمر يتعلق بالدينار الجزائري، كما أنه لم يتم في الواقع النطق بأي حكم لإسقاط الجنسية أو الترحيل.

 ويضيف: "لم أقل شيئاً، ولم أفعل شيئاً - سوى التحدث إلى نفسي بشكل متقطع من دون أدنى ذرة من الخبث" (ص 22).

 إن هذا التأكيد على براءته المطلقة، يبدو كمبرر شديد الغموض إلى درجة تجعله غير قابل تماما للتصديق، في حين تبقى عبارة "العار الوطني" مجرد صيغة مبالغ فيها ووطيدة العلاقة مع النزعة المسرحية التي كثيرا ما يجنح إليها صنصال، الذي غالبا ما يدرج أهواءه في الكتابة ضمن الـ"كليشيهات" المرتبطة بالروايات التي تدخل ضمن نطاق سرديات الجوسسة أو الدعاية الفارغة.

 كما أنه ومن المتفق عليه، فإن الإفراط في الرواية الدرامية أو المبالغة فيها يقوّض بشكل كبير مصداقية الشهادة.

 قام صنصال بطمس تفاصيل التهمة الموجهة إليه وسياقها، كما أسرف في تقديم تبريرات مبهمة وغامضة، وذلك للحكم بهذه الضبابية المفرطة على قرار العدالة، وهو الأمر الذي يعد في حد ذاته عبثا.

وهكذا ينتاب القارئ الكثير من الشك في هذا النص، الذي يعطي انطباعاً بأنه رواية حيكت من أجل إثارة الانتباه. إن هذه الرواية لا تستطيع الصمود عند فحص الوقائع الحقيقية. فمنذ البداية أراد الكاتب أن يضفي على نفسه مجد شهيد الفكر والكتابة، من دون أن يقدم أي دليل على ذلك.

وماذا نقول عن هذا الادعاء العبثي: "لقد حكموا عليّ بالعار، وبشكل من أشكال الترحيل الرمزي، الذي يشبه كثيرا الترحيل المعادي للسامية، لمعاقبتي على ارتباطاتي وعلاقاتي العبرية غير الطبيعية" (ص 23). تبدو هنا المفارقة ذات طعم ممزوج بالأسطورة؛ فمعروف عن صنصال عدم امتلاكه أية أصول يهودية.

وهذا ما يجعلنا نجزم، أنه يبدع عندما ويختلق لنفسه نسباً وهمياً، يناسب كثيرا في لعب دور الضحية وبشكل فض. ومنه، فإن صنصال لم يفلح في اختيار العبارات التي أراد أن يصدم بها القارئ الغربي، لأنها تبدو جوفاء تماما، وإلا فماذا تعني كلمة "العبرية" هنا، إن لم تكن مجرد إشارة مبهمة، غريبة، تعطي الانطباع أن الراوي يريد التحلي بهوية لا يمتلكها أصلا؟

والغريب في هذا الموضوع بالذات، أن صنصال يشيد في سرده بالجيش الإسرائيلي "تساحل"، أو كما كتب: ألـ"تساحل الخفي" (ص 61)، بذلك يتجاوز حقيقة أن هذا الجيش ارتكب جرائم فظيعة ضد الإنسانية، وهو الأمر الذي لم يمنعه من تقديمه في صورة "الجيش الذي سحق الجيوش العربية".

 ويجب التذكير في هذا السياق، أن مسعى صنصال لابتكار ارتباطات له مع "السيرة اليهودية"، ليس وليد هذا الكتاب "الاستعجالي"، كما يصفه، وإنما قد سبق له أن استثمر بالفعل هذا الانتماء المستبعد في روايته "شارع داروين" (منشورات غاليمار، 2011)، إذ بنى سرديته المفبركة حول بيت دعارة استثنائي، حيث تستفيد شخصية "يزيد" من حماية حاخام (رجل دين يهودي). والأدهى من ذلك كله، فقد ربط هذه الرواية بسيرة عائلته. وفي سعيه هذا لإضفاء لمسة خيالية على عمله الأدبي، فكأنه يتمنى من أعماقه، لو كانت تلك الترهات حقيقة.

وهذا ما يجعله لا يتوانى في الاقتباس من الإنجيل، حتى لو كان الاقتباس في غير محله، خصوصا عندما يقول: "اغفر لهم يا أبتاه، لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون" (ص 23)، المنسوب إلى "الآخر - أدق المختصين في النحو" (كما كتب في الصفحة 23).

 لقد حوّل صنصال في هذيانه اليسوع إلى خبير في النحو. كأنه كان يريد إخفاء سخافة موقفه بالاحتماء بمثل هذا المرجع الديني؟ وبذلك يصبح عيسى ابن مريم، بفضل قلم صنصال، مختصا في النحو؟!! وهكذا تبلغ السخرية ذروتها، لكون الكاتب لا يتوانى في المبالغة في هذا المزيج من التدنيس والادعاء الفكري، الذي من خلاله استطاع أن يهدر ما تبقى له من مصداقية عبر هذه الشهادة الرديئة والمملة.

 سيرة ذاتية محمومة

"هذا الكتاب شهادة وفعل. لقد كتبته بطريقة استعجالية في أربعين يوماً"، أو هكذا يعلن لنا المؤلف في الصفحة التاسعة (9) من كتابه، بنوع من الهيبة المبتذلة. كانت للحملة الدعائية التي سبقت صدور المؤلف وقع لدى القارئ، الذي كان يأمل في سرد دقيق لتجربة صنصال في السجن، وتفاصيل ثرية عن الأحداث التي عاشها، ووقائع رصينة يمكن التحقق منها.

ولكن وللأسف! كانت خيبة أمل القارئ بحجم الادعاء. فها هي روايته، تشبه كتيباً يحمل جرعات مكثفة من الهذيان، وبعيدة كل البعد عن السيرة الذاتية الجادة والصادقة.. ما هي صورة الجزائر، التي أراد أن يسوق لها؟ فابتداء من رئيس الجمهورية مرورا بالمواطن البسيط، وبقاضية التحقيق، وحارس السجن، وقطة الحي، قدمهم جميعا في صور كاريكاتورية متحركة، كأن كل ما يفوح منها يذكر برائحة المجاري! ولكن بمجرد عبور البحر الأبيض المتوسط، نحو ضفته الشمالية، تحدث المعجزة.

 ويقول عن مغادرته الجزائر نحو ألمانيا: "لقد أخذوني مباشرة إلى المستشفى العسكري، وهو مستشفى ألماني بهيج (...) ثلاثة أيام من الفحوصات المتسلسلة. ممرضات ممتلئات القوام، وملائكة سلام، وممرضون ببنيات جسدية تذكر بمتسلقي الجبال، وجنود بعيون زرقاء فولاذية. حركات دقيقة. آلات ليزر ذكية" (ص 165).

 يتحول الألمان إلى ملائكة بمآزر بيضاء، والممرضات إلى آلهات إسكندنافية، وآلات الليزر إلى عباقرة محبوسين في صناديق. تتحول هنا السيرة الذاتية بطريقة عجيبة إلى قصة خيالية. وتصبح الحياة قريبة من الخيال وذلك "بشرط أن تولد في الضفة الصحيحة من البحر".

 عندما تتجاوز الشهادة حدود الوقائع

يُقابل صنصال باستمرار "القبح والعبث" المنسوبين إلى الجزائر، (أي حديثه عن شخصيات غريبة الأطوار، وأماكن بائسة...)، بإضفاء هالة مثالية على الغرب. تكشف هذه المقابلة، المدفوعة إلى أقصى الحدود، عن رؤية ثنائية للعالم، وعن افتتان بالغرب الذي يُوصف بأسلوب شاعري مبالغ فيه، وكأن الجمال -من وجهة نظره - لا يمكن أن يوجد إلا في التعارض مع الآخر المختلف والذي يقلل من شأنه.

 يبدو من خلال كل ذلك أن هوية الأفراد وقيمتهم تتحدد بناءً على منبعهم الجغرافي. وهذا ما يجعلنا نستنتج أن هذه المقابلة بالذات تستنبط من الصور النمطية الاستعمارية، تلك الصور التي تجعل دوما من الغرب المرآة المثالية لهيمنة لم يتم تجاوزها بشكل كامل إلى يومنا هذا: خصوصا لدى كتّاب من طينة صنصال.

فهذا الأخير يتوه في تلك الصور النمطية إلى درجة أنه يعبر عنها بنفس الحماس الذي يبديه تلميذٌ معجب بأستاذه، أو عبدٌ تجاه سيده.

 أما فيما يتعلق بإعلان الحكم القضائي ضده، فإنه لا يعتمد أنصاف الحلول، خصوصا عندما يقول في الصفحة 76: "أكاد لا أفهم لغة القضاة المزيفين، ولا أفهمها أبداً عندما يتحولون إلى قتلة. لقد كنت ضحية محاكمة القرن الجديدة. أنا سولجينيتسين. أنا دريفوس، أنا نافالني".

في غضون بضع جمل، يدفع المؤلف خياله إلى حدود الهذيان، ولا يتورع في ربط مصيره بمصير المنشق السوفياتي المشهور، وضابط "أُدين ظلماً"، ومعارض روسي معروف.

 وكأنه وجد أن واقع ما عاشه لا يرتقي إلى حجم صورة "الضحية"، فها هو يلجأ إلى مآسٍ تاريخية ليضع نفسه في خانة "الشهيد". وبما أن أياً من "ألفريد دريفوس" أو "ألكسي نافالني" لم يكن كاتباً في الأساس، فإن المقارنة تعد أقرب إلى الاستيلاء الرمزي منها إلى الأدب.

 يتقمص صنصال دور اليهودي، والروسي، والشهيد تباعاً، من أجل استدعاء مخيلة بطولية مألوفة لدى القارئ الفرنسي. وسيصل به عبثه إلى حد مقارنة نفسه بالكاتب الفرنسي المشهور فيكتور هيجو!! ولا يتوقف هذا التهويل عند هذا الحد، خصوصا عندما يقول: "كان ذلك يوم إعدامي" (ص 87).

 وطوال السرد، تستعمل بسخاء كلمات مثل "سوط"، "تعذيب"، أو "اغتيال" وهو الأمر الذي يتناقض كلية مع حقيقة الوقائع. ولأن المؤلف لم يعش حقيقة تجربة التعذيب، فإنه يلجأ إلى تلك المفردات ليخلق لنفسه سردية وهميةً".

"أسطورة" معلنة من طرف واحد

لقد لبس صنصال وضعية أطلق عليها اسم "أسطورة"، وهو عنوان عمله: "لقد فُرضت كلمة "أسطورة" من تلقاء نفسها، في غمرة الأحداث، لكن لم يعرها أحد اهتماماً أكبر. باستثنائي" (ص31). إن هذه العبارة تلخص المشروع بحد ذاته. ففي غياب اعتراف الآخرين به كأسطورة، يتولى المؤلف أمر تكريم نفسه بنفسه.

لكن ولسوء حظه فإن أسطورته تتميز في الجزائر بكونها تبدو كأنها لا يمكن أن تقنع إلا مؤلفها وحده، الذي تراه يعيش في حالة من الخلط المستمر بين الخيال والواقع، إذ يتخيل نفسه باستمرار داخل أفكار الأشخاص الذين يتحدث عنهم.

 جيوسياسة روائية

إن نص بوعلام صنصال، الذي روج له بكثافة قبل صدوره، يكيل من جهة أخرى المديح لشخصيات من اليمين واليمين المتطرف الفرنسي (وقد شكرهم بالمناسبة في قائمة لا نهاية لها في الملحق)، ما يجعله ضمن كوكبة سياسية شديدة الوضوح.

"في القليعة، كان برونو يتصدر العناوين. المرتبة الأولى في نسب المشاهدة، قبل تبون، وهذا يعني الكثير (...) إن منصور، الحارس المهذب، هو الذي أطلق الخبر عند مروره بين المساجين، خصوصا عندما قال لي: - صنصال، وزيرك ريتايو يبحث عن الحرب، يريد اعتقال تبون كما أسر ترامب مادورو" (ص 203)، هنا ينزلق الواقع إلى مشهد خيالي عبثي، تصبح فيه الشخصيات السياسية الفرنسية بمثابة أبطال في مسرح عالمي يتسم بكثير من المبالغة والتصعيد.

 وبذلك يخرج القارئ بانطباع أن ما يطرحه المؤلف يدخل ضمن سردية تجاوز فيها تجربته في السجن، والتي كان من الممكن أن ترتقي إلى مستوى الشهادة الرصينة، الكفيلة بإثارة التعاطف بعيدا عن الأفعال المنسوبة إليه.

فنزوحه نحو التضخيم السردي، عوض الامتثال لمتطلبات السيرة الذاتية وأخلاقياتها، أي على الأقل الاكتفاء بسرد يستند إلى أساسيات واقعية، وجد نفسه يلقي ما يشبه خطابا مشبعا بالتعميمات، والصور النمطية، والضبابية الإيديولوجية.

 إن هذا الانحراف الأسلوبي يجعل القارئ لا يشد فقط بخيط السرد، بل يصعب عليه متابعة الرواية في بعض الأحيان: فالأحداث تبدو أقل تنظيماً وفق منطق الاسترداد (سرد الوقائع)، وأكثر ارتباطاً بمنطق التضخيم المستمر، حيث يستعمل الحدث بشكل أساسي كنقطة انطلاق لبناء خطابي شديد التأويل.

 كتابة تحت الضغط

ماذا نستطيع القول عن أسلوب الكتابة؟ باختصار إنه أسلوب شفهي ومفكك، تشعر فيه كأن الجمل يتمتم بها الكاتب بين رشفات القهوة. لا علاقة لأسلوب هذا الكتاب بأسلوبه المعتاد، شبه الإداري.

يكاد القارئ يظن أنه أمام سرد يعتبر مجرد تفريغ متسرع لنص مُسجَّل ومركب على عجل، ثم نُسخ بواسطة برنامج حاسوبي. لم تخدم حالة الاستعجال، التي حاول المؤلف أن يختبئ وراءها، سوى تبرير كسل كاتب تمت مكافأته بسخاء غريب (مليون يورو)، من أجل نص مُلَفَّق بين استوديوهات القنوات التلفزيونية الفرنسية، وبين قطع الحلوى الصغيرة في حفلات الاستقبال المُقامة على شرفه.

 يستخدم صنصال أسلوباً منمّقاً ومُثقلاً إلى حد الهوس بالعبارات المجازية: "كم خطوة لعبور الزنزانة (خطوة ونصف). كم نبضة. كم من الصمت. كم من السنوات، والندوب، والحياة الضائعة. كم من كم" (ص 37).

 ونكتشف بالمناسبة أن المؤلف قادر على قطع خطوات بطول خطوات الديناصور. "جلستُ. ثم نهضتُ. ثم جلستُ مجدداً. ثم درتُ..." (ص 39).

يكاد التكرار، بعيداً عن خلق كثافة شعرية، أن يكشف عن هذيان لغوي تأملي ذاتي، يصل به إلى حدود السخرية.

 ففي حالة صنصال، فإن الأكاديمي يسمح لنفسه باستخدام صياغات غير صحيحة؛ كأن اللغة، في هذه الوضعية الفريدة، قد تلقت الأوامر لتتكيف مع موهبته... ويجب الاعتراف للكاتب بموهبة حقيقية في التضخيم.

فمثلا: البركة الصغيرة تصبح محيطاً، والنسيم يصبح عاصفة، والحادثة العابرة ملحمة، وأدنى إزعاج يتخذ أبعاد مأساة تاريخية. أما فيما يخص القارئ، فإنه قد لا يجد في هذا المؤلف سوى صداع مزمن وشعور بأنه ضحى بسخاء ببعض ساعات من وقته.

فلو قام الناشر بحذف الظروف، والصفات، والصور البلاغية المضخمة، التي يُسرف بوعلام صنصال في استخدامها، لما احتفظ هذا العمل على الأرجح إلا بربع حجمه.

-      مصطفى آيت موهوب صحفي وكاتب سيرة ذاتية