لم تعد كرة القدم في المغرب مجرد رياضة أو متنفس شعبي، بل أصبحت، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، إلى أداة سياسية دقيقة يتم توظيفها لإعادة إنتاج الشرعية وترتيب الخلافة داخل القصر العلوي المنهك بالمرض والانشقاقات والتصفيات.
ما جرى ويجري حول كأس إفريقيا للأمم ليس حدثا معزولا، بل حلقة في لعبة خبيثة وخطيرة يمارسها العرش العلوي، بدعم مباشر وغير مباشر من قوى إقليمية ودولية لا ترى في المغرب سوى ورقة ضمن خرائط النفوذ والصراعات، وضرب استقرار جيرانه وفي مقدمتهم الجزائر.
وبعد أن كان المخزن يحكم بالقمع والتجويع، صار يعتمد على الإخراج المسرحي وصناعة المشاهد العاطفية الكبرى، في الملاعب، وعبر الكاميرات، باستغلال الجماهير، والرموز الوطنية، ووضعها في خدمة رسالة واحدة واضحة: "الخلافة انطلقت".
فالدفع بولي العهد الحسن الثالث، وهو في سن 22 سنة، إلى واجهة نهائي "الكان" وتسليمه الكأس، لم يكن تفصيلا بروتوكوليا، بل إعلان سياسي صريح بأن المستقبل يرسم على وقع الهتافات وليس عبر التوافق الشعبي الحقيقي.
ويعكس هذا التوظيف المكشوف لكرة القدم - برأي متابعين للشأن المغربي - حالة قلق داخل بنية الحكم، لأن الحكم أو السلطة ذات المصداقية وتتمتع بالشرعية الشعبية تثق في نفسها ولا تحتاج إلى الاحتماء بالملاعب، ولا إلى شرعنة وراثتها عبر أهداف مشكوك فيها وتحكيم مثير للجدل.
لقد خلق تأهيل المغرب إلى النهائي بأي ثمن انزعاجا واسعا، ليس فقط لدى خصومه، بل حتى داخل الأوساط الرياضية الإفريقية والدولية، التي رأت في ما حدث تسييسا مفضوحا ومقززا للرياضة وتشويها لروح المنافسة.
والأخطر من ذلك، أن هذه المسرحية لا تدار في فراغ.. فالمحيط الإقليمي والدولي حاضر بقوة، فرنسا، والإمارات، وإسرائيل، أطراف تتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة هي خلق نظام مطواع، غير مستقر داخليا، قابل للابتزاز، ومنشغل بتثبيت حكمه أكثر من انشغاله بتطلعات شعبه وتحقيق آماله في العيش الكريم.
وهذه الدول لا يعنيها لا استقرار المغرب ولا كرامة المغاربة، بقدر ما يهمها تفكيك الدول، وإضعاف المجتمعات، وإشعال بؤر توتر دائمة تسهل التحكم في القرار والسيادة، مثلما هو حاصل في الصومال واليمن وسوريا وليبيا والسودان.
إن التاريخ القريب يقدم دروسا واضحة. في مصر، ظن نظام مبارك أن الإعلام والرياضة كفيلان بتمرير توريث الحكم. تم توظيف الكرة، والاحتفالات، والدعاية لتهيئة جمال مبارك. وكانت النهاية معروفة.
واليوم، يكرر المخزن الخطأ نفسه، مع فارق أن السياق إقليميا أشد هشاشة.. وتكفي متابعة ما تعج به وسائل الإعلام المغربية وشبكات التواصل الاجتماعي للوقوف على حقيقة مريرة مفادها أن المجتمع المغربي يعيش أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة، وبطالة، وفوارق طبقية، وتهميش مناطق كاملة، وتراجع الثقة في المؤسسات. وبدل التوجه إلى معالجة هذه الجذور، يتم تصدير مشهد احتفالي يوهم بالتماسك والانسجام بين السلطة والشعب، بينما الواقع ينذر بانفجارات داخلية مؤجلة.
ولي عهد متهور وانتقامي
وتشير الدلائل إلى أن شخصية ولي العهد الحسن الثالث نفسها تثير الكثير من علامات الاستفهام.. فهو شاب لم يختبر السياسة، لم يمر عبر التجربة الشعبية، ومحاط بهالة إعلامية مصنوعة، وتنسج حوله روايات عن عقلية انتقامية ونزعة سلطوية أقرب إلى جده الحسن الثاني منها إلى والده محمد السادس.. ومحيط القصر نفسه يتحدث عن مخاوف من عمليات تطهير محتملة، وعن حسابات قديمة مرتبطة بوالدته الأميرة سلمى وما تعرضت له بعد طلاقها من محمد السادس.
إن تحويل كأس إفريقيا إلى بروفة عامة لخلافة سياسية لا يعبر عن قوة الدولة، بل عن هشاشتها.. والدولة القوية لا تخاف من المستقبل، ولا تحتاج إلى الاحتماء بالرياضة ولا بالتحالفات المشبوهة، وإن الارتهان لأجندات إقليمية تفكيكية وتخريبية، فلن ينتج سوى مزيد من التوتر، ويدفع المغرب، ومعه المنطقة، نحو مسارات عدم الاستقرار.
أخيرا، الشعوب قد تصفق اليوم، لكنها لا تنسى غدا.. والتاريخ علمنا أن الشرعية التي تصنع في الملاعب، تسقط أول ما تخرج الجماهير من المدرجات وتعود إلى واقعها اليومي.. اللعبة خطيرة، وثمنها قد يكون مستقبل بلد كامل.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال