العالم

الاحتجاجات تكشف عن الأزمة الحقيقية في فرنسا

الاختلالات العميقة والتصدّع الاجتماعي والتمييز المؤسساتي.

  • 1165
  • 3:44 دقيقة
مقر بلدية ليموج الذي تم حرقه، الصورة: وأف.
مقر بلدية ليموج الذي تم حرقه، الصورة: وأف.

تتعامل السلطات الفرنسية مع الاحتجاجات العنيفة التي شنها ويشنها مئات الآلاف من المواطنين يتقدمهم تلاميذ الثانويات، بمقاربة قائمة على "العنف المشروع" و"الحبس الاحتياطي"، مثلما يظهر في المشاهد المتداولة، وفي تصريح وزير العدل، جيرالد دارمانان، الذي أمر، أمس، وكلاء الجمهورية في الجهات القضائية بتفعيل إجراءات الحبس الاحتياطي للموقوفين في إطار الاحتجاجات.

 غير أن هذا المشهد الظاهر ليس مجرد تحركات مطلبية مرتبطة بظروف الدراسة أو غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العمومية، وإنما انعكاس لأزمة اجتماعية وسياسية أعمق، تتداخل فيها التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية مع إشكاليات الاندماج والتمييز والمهني، وتصاعد الاستقطاب حول الهجرة والإسلام والهوية الوطنية.

 وتطورت الحركة الاحتجاجية لتلاميذ الثانويات المتعلقة بنقص المدرسين، وتدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، واكتظاظ الأقسام، ونقص الموارد والتأطير إلى احتجاجات أوسع ضد غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العمومية، بمشاركة نقابات وناشطين اجتماعيين ومجموعات من حركة السترات الصفراء.

ووجدت احتجاجات التلاميذ الأرضية معبدة لتتطور وتتضخم وتستخرج من الرفوف اختلالات اجتماعية أعمق مرتبطة بإدارة المجتمع وحقوق الأقليات، وسرعان ما قابلتها السلطات بالقوة والعنف لتتطور إلى مواجهات مع قوات الأمن وعمليات تخريب وإحراق ونهب.

 وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة النقاش بشأن قدرة الدولة الفرنسية على احتواء الغضب الاجتماعي، في ظل تزايد الشعور بالتهميش لدى فئات من الشباب والطبقات العاملة.

في حين يسعى اليمين المتطرف إلى استثمار الظروف وإلصاق ما حدث بالفئات من الأصول الأجنبية، من دون تقديم المبررات والأسباب التي أدت إلى هذا الواقع.

 غير أن قراءة هذه التطورات لا يمكن أن تتوقف عند المطالب المباشرة للحركة أو عند مشاهد العنف التي رافقتها، إذ تتقاطع الأزمة الراهنة مع اختلالات تراكمت على مدى سنوات، تتعلق بالتفاوتات بين المناطق، وصعوبة الوصول إلى الخدمات العمومية، واتساع الفجوة بين المؤسسات وفئات من المجتمع، خصوصاً في الضواحي التي تعاني أوضاعاً اجتماعية واقتصادية أكثر هشاشة.

وتكشف الاحتجاجات عن أزمة ثقة بين فئات من الشباب ومؤسسات الدولة، في وقت أصبحت فيه المدرسة، التي يفترض أن تمثل إحدى أهم أدوات التنشئة العمومية الحيادية وتكافؤ الفرص، موضع انتقاد بسبب نقص الموارد البشرية وتدهور ظروف التمدرس والتفاوت في جودة التعليم بين المناطق. وتبرز هذه الاختلالات بصورة خاصة في بعض ضواحي المدن الكبرى، حيث تتقاطع الصعوبات التعليمية مع البطالة والهشاشة الاقتصادية ومحدودية فرص الارتقاء الاجتماعي. وفي هذه البيئات، لا تنفصل المطالب المتعلقة بالمدرسة عن أسئلة أوسع بشأن العدالة الاجتماعية، وتوزيع الموارد، ومدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لاحتياجات السكان.

 وبالرغم من عدم تجانس المطالب، إلا أن ثمة قواسم مشتركة كثيرة بين المحتجين، ما يعكس وجود حالة من الاستياء تتجاوز المؤسسة التعليمية إلى العلاقة بين المواطنين والدولة.

 إلى جانب أسبابها الاجتماعية المباشرة، تتحرك الاحتجاجات في سياق فرنسي مثقل بخلافات قديمة حول الاندماج والمساواة والتمييز، خصوصاً بالنسبة إلى فئات من المواطنين ذوي الأصول المهاجرة، الذين تتقاطع أوضاعهم في بعض المناطق مع التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية. وبرزت مؤخرا الفجوة بين "المبادئ" التي تقوم عليها الجمهورية القائمة على المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص، وبين التجارب التي تتحدث عنها فئات من السكان في مجالات العمل والسكن والتعليم والتعامل مع المؤسسات.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية في الضواحي التي تعاني نقصاً في الموارد والخدمات، حيث تتداخل الصعوبات الاقتصادية مع الشعور بالإقصاء وضعف فرص الارتقاء الاجتماعي.

ولا يتعلق الأمر بالمهاجرين الجدد وحدهم، بل يشمل أيضاً مواطنين فرنسيين وُلدوا ونشأوا في البلاد، ويجدون أنفسهم في قلب نقاشات سياسية وإعلامية متكررة حول أصولهم أو انتماءاتهم الثقافية والدينية.

وفي هذا السياق، تحضر قضية الإسلاموفوبيا بوصفها أحد أوجه النقاش حول التمييز الديني ومكانة المسلمين في المجتمع الفرنسي. فقد أشار تقرير هيئة "المدافع عن الحقوق في فرنسا" التي يرأسها حاليا فرنسوا نويل بوفيه، نشره في ديسمبر 2025، إلى ارتفاع نسبة الأشخاص الذين أفادوا بأنهم تعرضوا للتمييز على أساس الدين من 5 بالمئة سنة 2016 إلى 7 بالمئة سنة 2024، كما ارتفعت نسبة من قالوا إنهم شهدوا حالات تمييز ديني من 21 إلى 31 بالمئة خلال الفترة نفسها.

 بالتوازي مع اتساع الاحتجاجات، يتجدد الصراع السياسي حول تفسير ما يجري في فرنسا، في ظل الحضور المتزايد لقضايا الهجرة والأمن والإسلام في خطاب اليمين المتطرف، الذي يجعل هذه الملفات محوراً أساسياً في قراءته لأزمات المجتمع الفرنسي.

وتكمن الإشكالية في الانتقال من إدانة أعمال عنف محددة ومساءلة مرتكبيها إلى ربط المشكلات الاجتماعية والأمنية بصورة نمطية بالمهاجرين أو المسلمين أو سكان الضواحي.

 وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أثر الخطاب السياسي والإعلامي في تشكيل صورة الأقليات داخل المجتمع، خصوصاً عندما تصبح قضايا الإسلام والهجرة موضوعاً دائماً للتجاذب، أو حين يُقدَّم الاختلاف الديني والثقافي باعتباره مؤشراً على ضعف الانتماء الوطني.

 ويكتسب هذا التجاذب أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، حيث تتداخل الأزمة الاجتماعية مع المنافسة السياسية، وتزداد أهمية الملفات المتعلقة بالهجرة والأمن والهوية في تحديد مواقف الأحزاب وخطابها الانتخابي. وبذلك، لا يتمثل الاختبار الحقيقي أمام فرنسا في استعادة الهدوء في الشوارع فحسب، بل أيضاً في قدرتها على معالجة الاختلالات الاجتماعية، ومواجهة التمييز، وضمان المساواة الفعلية، والحيلولة دون تحويل الأزمات الاجتماعية إلى صراع دائم حول الهوية والانتماء.