هايتيك

الأمن السيبراني.. معركة دائمة

التحول الرقمي، على أهميته، يرافقه تزايد ملحوظ في المخاطر السيبرانية التي قد تستهدف الأنظمة المعلوماتية والبنى التحتية الحساسة.

  • 494
  • 4:47 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

كشفت وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية التابعة لوزارة الدفاع الوطني، عن المحاور الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية للفترة 2025–2029، وذلك في إطار تعزيز حماية مؤسسات الدولة والهيئات الوطنية من مختلف التهديدات السيبرانية.

وجاءت هذه الاستراتيجية، في نسختها الأولى، بعد المصادقة عليها من طرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون عليها، والتي تمثل إطارا شاملا يهدف إلى ضمان المرونة السيبرانية الوطنية وحماية البنية التحتية الرقمية للدولة وبياناتها، إضافة إلى حماية المواطنين من المخاطر التي قد تواجههم في الفضاء السيبراني.

كما تندرج هذه الخطوة حسبما أعلنته وزارة الدفاع الوطني في سياق توجه السلطات العليا للبلاد نحو تسريع وتيرة التحول الرقمي في مختلف مؤسسات الدولة، على اعتبار أن هذه الاستراتيجية تمثل خارطة طريق للحفاظ على السيادة الرقمية الوطنية وضمان استمرارية الخدمات العمومية الأساسية وتعزيز ثقة المواطن في البيئة الرقمية.

وحسب مضمون الوثيقة التي عرضتها وزارة الدفاع الوطني في موقعها الرسمي، فإن هذه الاستراتيجية تندرج ضمن الرؤية الشاملة التي تبنتها السلطات العمومية لتسريع التحول الرقمي في مختلف القطاعات، حيث أصبح إدماج تكنولوجيات المعلومات والاتصال عنصرا أساسيا في تسيير المؤسسات العمومية وتطوير الأنشطة الاقتصادية والصناعية، فضلا عن تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.

غير أن هذا التحول الرقمي، على أهميته، يرافقه تزايد ملحوظ في المخاطر السيبرانية التي قد تستهدف الأنظمة المعلوماتية والبنى التحتية الحساسة، ما يفرض تعزيز آليات الحماية والوقاية من التهديدات الإلكترونية.

وفي هذا الإطار، تولي السلطات العليا للبلاد اهتماما خاصا بتطوير منظومة متكاملة لأمن الأنظمة المعلوماتية، إدراكا منها لأهمية هذا المجال في حماية المصالح الاستراتيجية للدولة. وقد تجسّد هذا التوجه من خلال إنشاء منظومة وطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20-05 المؤرخ في 20 جانفي 2020، والتي تضم مجلسا وطنيا ووكالة مختصة تسهر على تنسيق الجهود الوطنية وتعزيز القدرات التقنية والتنظيمية لمواجهة التهديدات السيبرانية.

وتقوم هذه المنظومة حسبما ورد في الوثيقة، على مقاربة تشاركية تجمع مختلف الفاعلين المعنيين بالأمن السيبراني، سواء من مؤسسات الدولة أو الهيئات العمومية أو القطاع الخاص، بهدف تحليل المشهد الرقمي الوطني وتحديد التحديات التي قد تواجهه، إلى جانب وضع التدابير اللازمة لضمان حماية الأنظمة المعلوماتية والبنى التحتية الحساسة. كما تأخذ هذه المقاربة بعين الاعتبار التطور المتسارع للتكنولوجيات الرقمية وتنامي التهديدات السيبرانية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وتتمثل الرؤية الاستراتيجية التي تقوم عليها هذه المبادرة في ضمان المرونة السيبرانية الوطنية، من خلال تعزيز قدرات الوقاية والكشف والاستجابة للحوادث السيبرانية، بما يسمح بدعم التحول الرقمي والحفاظ على السيادة الرقمية الوطنية. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا للدور المحوري الذي أصبح يلعبه الأمن السيبراني في حماية المصالح الحيوية للدول وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.

وتسعى الاستراتيجية، حسب المصدر ذاته، إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الأساسية التي من شأنها تعزيز جاهزية الجزائر في مواجهة التهديدات الإلكترونية. ويتمثل أول هذه الأهداف في بناء مرونة سيبرانية وطنية قادرة على حماية الأنظمة المعلوماتية والبنى التحتية الحساسة من مختلف أشكال الهجمات الإلكترونية، كما تهدف إلى إرساء بيئة وطنية ملائمة للأمن السيبراني، من خلال تطوير الإطار التنظيمي والمؤسساتي وتوفير الوسائل التقنية اللازمة لضمان حماية المعلومات والأنظمة الرقمية.

ومن بين الأهداف الرئيسية أيضا تطوير الموارد البشرية المتخصصة في مجال الأمن السيبراني، باعتبار العنصر البشري أحد الركائز الأساسية لنجاح أي منظومة أمنية. وتشمل هذه الجهود تكوين كفاءات وطنية مؤهلة قادرة على التعامل مع التحديات التقنية المرتبطة بحماية الأنظمة المعلوماتية، إلى جانب دعم البحث العلمي والابتكار في هذا المجال الحيوي. كما تسعى الاستراتيجية إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال الأمن السيبراني، من خلال تبادل الخبرات والمعلومات مع الشركاء الدوليين والمشاركة في المبادرات الدولية الهادفة إلى مكافحة الجرائم الإلكترونية.

وتولي الاستراتيجية أهمية خاصة لحماية القطاعات الحيوية التي قد يؤدي استهدافها أو تعطيلها إلى تأثيرات مباشرة على أمن الدولة ورفاهية المواطنين. وتشمل هذه القطاعات على وجه الخصوص المؤسسات والهيئات العمومية، إضافة إلى قطاعات الطاقة والصحة والموارد المائية والاتصالات والنقل، فضلا عن سلاسل إنتاج وتوزيع المنتجات الغذائية الأساسية. ويستند هذا التوجه إلى إدراك متزايد لأهمية هذه القطاعات في ضمان استمرارية الخدمات الأساسية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وترتكز الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية على مجموعة من المبادئ التوجيهية التي تشكل الأساس الذي يقوم عليه تنفيذها. ومن بين هذه المبادئ تعزيز السيادة الرقمية الوطنية ومرافقة التحول الرقمي من طرف الدولة، إلى جانب الحفاظ على المكاسب المحققة في مجال الرقمنة. كما تشجع الاستراتيجية العمل التنسيقي بين مختلف الفاعلين المعنيين بالأمن السيبراني، مع تثمين مبدأ تشارك الموارد والخبرات، فضلا عن اعتماد أهداف واضحة قابلة للقياس والتنفيذ ضمن آجال محددة.

ولتحقيق هذه الأهداف، تم تنظيم الاستراتيجية حول أربعة محاور رئيسية تشكل الإطار العملي لتنفيذها. ويتمثل المحور الأول في تطوير القدرات التقنية والعملياتية، من خلال تعزيز حماية الأنظمة المعلوماتية الوطنية والبنى التحتية الحساسة، إضافة إلى تطوير وسائل الوقاية والكشف والاستجابة للحوادث السيبرانية. ويهدف هذا المحور إلى تمكين الجزائر من امتلاك منظومة تقنية متقدمة قادرة على التصدي لمختلف أشكال الهجمات الإلكترونية.

أما المحور الثاني فيتعلق بالإطار القانوني والتنظيمي والمعياري، حيث يركز على تطوير المنظومة التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالأمن السيبراني بما يتماشى مع التطورات التكنولوجية المتسارعة، كما يهدف إلى إرساء معايير وطنية لحماية الأنظمة المعلوماتية وضمان امتثال مختلف الهيئات والمؤسسات للمتطلبات الأمنية المعتمدة في هذا المجال.

ويتمثل المحور الثالث في التكوين والبحث والتطوير والتحسيس، حيث يركز على تنمية القدرات البشرية في مجال الأمن السيبراني من خلال برامج التكوين المتخصص وترقية البحث العلمي والابتكار. كما يسعى هذا المحور إلى نشر ثقافة الأمن السيبراني داخل المؤسسات والمجتمع، بما يعزز الوعي بالمخاطر الرقمية ويشجع على اعتماد الممارسات الآمنة في استخدام التكنولوجيا.

أما المحور الرابع والأخير، فيتمثل في تعزيز التعاون الوطني والدولي في مجال الأمن السيبراني. فعلى الصعيد الوطني، تسعى الاستراتيجية إلى تحسين التنسيق بين مختلف المؤسسات والهيئات المعنية وتشجيع تبادل المعلومات والخبرات بين القطاعين العام والخاص. أما على الصعيد الدولي، فتركز على تطوير الشراكات والتعاون التقني والعملياتي مع مختلف الدول والمنظمات الدولية، إضافة إلى المساهمة في إعداد الأطر القانونية والمعيارية الدولية المتعلقة بالأمن السيبراني.

وبهذه المقاربة المتكاملة التي وقّعها الرئيس عبد المجيد تبون وحرص على متابعتها، تمثل الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية خطوة مهمة نحو بناء فضاء رقمي آمن في الجزائر، بما يعزز ثقة المؤسسات والمواطنين في البيئة الرقمية، ويضمن حماية المصالح الحيوية للدولة في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم، كما تعكس هذه الاستراتيجية التزام الجزائر بتعزيز سيادتها الرقمية وتطوير قدراتها الوطنية لمواجهة التحديات الجديدة التي يفرضها العصر الرقمي.

ح. أحمد