اقتصاد

الأنبوب العابر للصحراء.. مشروع يعيد رسم خريطة الطاقة

خبراء يؤكدون لـ"الخبر" تغييره للخريطة الطاقوية للمنطقة.

  • 755
  • 3:35 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

يبرز مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، في ظل التحولات العميقة التي يعرفها سوق الطاقة العالمي واحتدام المنافسة على تأمين الإمدادات نحو أوروبا، كأحد أكبر الرهانات الاستراتيجية في القارة الإفريقية، فالمشروع لا يقتصر على نقل الغاز النيجيري نحو الضفة الأوروبية، بل يتعداه ليشكل منصة لتعزيز التعاون الإقليمي وتحفيز التنمية وترسيخ موقع الجزائر كمحور أساسي في معادلة الأمن الطاقوي بين إفريقيا وأوروبا.

في هذا الإطار، أكد الخبير في مجال الطاقة، أحمد طرطار، أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يُعد من أكبر المشاريع الاستراتيجية الواعدة في القارة الإفريقية، نظرا لما يحمله من أبعاد اقتصادية وتنموية وجيوسياسية، سواء بالنسبة لنيجيريا كدولة منبع، أو للنيجر كدولة عبور، أو للجزائر كبوابة نحو أوروبا.

وأوضح طرطار في تصريح لـ"الخبر"، أن هذا الأنبوب الذي يُنتظر أن ينقل نحو 32 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا على مسافة تقارب 4 آلاف كيلومتر عبر أراضي نيجيريا والنيجر والجزائر وصولا إلى أوروبا، لا يقتصر دوره على نقل الغاز فحسب، بل يتعداه إلى المساهمة في تطوير البنى التحتية وتعزيز الحركية الاقتصادية في الدول التي يمر بها.

وأشار في هذا السياق إلى أن نيجيريا، باعتبارها دولة المنبع، ستستفيد من تسويق غازها الطبيعي نحو السوق الأوروبية والحصول على العائدات المستحقة، بما يعزز مداخيلها ويدعم اقتصادها الوطني. أما النيجر، فستجني بدورها مكاسب مباشرة من حقوق العبور، فضلا عن إنشاء مرافق الصيانة والمراقبة والحراسة على طول مسار الأنبوب، ما يخلق مناصب شغل ويساهم في تنشيط المناطق التي يعبرها المشروع، ويدعم مسار التنمية المستدامة فيها.

وفيما يخص الجزائر، أوضح طرطار أن المشروع يكرّس مكانتها كفاعل محوري في معادلة الأمن الطاقوي الإقليمي، ويعزز مصداقيتها كشريك موثوق في تزويد أوروبا بالطاقة، كما يمنحها فرصة لتوسيع تعاونها مع الدول الإفريقية في إطار الانفتاح المتزايد على العمق الإفريقي بما يسمح بحسن استغلال الموارد الطبيعية للقارة في إطار شراكات متوازنة. وأضاف أن الجزائر ستستفيد كذلك من حقوق العبور، ومن إنشاء منشآت المراقبة والصيانة، إلى جانب دورها المحوري في إيصال الغاز إلى الضفة الأوروبية عبر بنيتها التحتية وخبرتها التقنية، ما يعزز ما يُعرف بالدبلوماسية الطاقوية.

وبخصوص تأثير المشروع على تحفيز الاستثمارات الموازية، لا سيما في قطاعات البتروكيمياء والصناعات التحويلية، أوضح طرطار أن وظيفة الأنبوب الأساسية تظل نقل الغاز من نيجيريا نحو أوروبا، وبالتالي فإن انعكاساته الصناعية المباشرة تبقى محدودة في هذا الإطار. غير أنه أشار إلى أن الجزائر، بحكم قدراتها الإنتاجية في مجال المحروقات، يمكنها توجيه جزء من استثماراتها نحو تطوير الصناعات البتروكيميائية والتحويلية، خاصة في مناطق مثل أرزيو، من خلال توسيع المجمعات القائمة وإطلاق مشاريع جديدة تستثمر في تحويل المواد الطاقوية إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، لاسيما في ظل التكامل بين القطاعين الطاقوي والمنجمي.

وأضاف الخبير على أن السياق الدولي الراهن يمنح المشروع بعدا إضافيا، في ظل حاجة أوروبا المتزايدة إلى تنويع مصادرها الطاقوية، إذ يمكن أن يشكل أنبوب الغاز العابر للصحراء منفذا استراتيجيا يعزز التعاون بين إفريقيا وأوروبا، ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة، ليس فقط في مجال الغاز الطبيعي، بل أيضا في الطاقات المتجددة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر، فضلا عن إفراز ديناميكية تنموية شاملة، من خلال تحسين البنى التحتية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتكريس شراكات استراتيجية بين دول القارة الإفريقية ونظيراتها الأوروبية، بما يضمن استفادة متبادلة للدول المنتجة ودول الاستهلاك على حد سواء.

ومن جهته، أكد الخبير في الشأن الطاقوي، عبد الرحمان مبتول، أن إطلاق الإجراءات العملية لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، عقب زيارة رئيس النيجر إلى الجزائر يومي 15 و16 فيفري 2026، يمثل خطوة سياسية مهمة، مذكرا بتصريحات رئيس الجمهورية حول الاتفاق على الشروع في إنجاز أنبوب الغاز العابر للأراضي النيجيرية، على أن تتولى سوناطراك مباشرة الأشغال فور استكمال الإجراءات العملية بعد شهر رمضان، معتبرا أن هذا الإعلان يعكس إرادة سياسية واضحة لإعادة بعث المشروع.

ورجع مبتول إلى تفاصيل حول المشروع وأوضح أن طوله الإجمالي يقارب 4128 كلم، موزعة بين 1037 كلم في نيجيريا و841 كلم في النيجر و2310 كلم في الجزائر، وتتراوح كلفته التقديرية، بحسب الدراسات المختلفة، بين 14 و20 مليار دولار، على أن تمتد فترة إنجازه بين أربع وخمس سنوات. ومن المنتظر أن ينطلق من مدينة واري النيجيرية وصولا إلى حاسي الرمل، مع إمكانية ربطه بخط "ترانسميد" نحو أوروبا، ما يعزز قدرات التصدير الجزائرية.

وبناء على هذه المعطيات، أكد الخبير على أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة الجزائر كممون موثوق لأوروبا، غير أنه شدد على أنّ الأمر يتطلب رؤية شاملة توازن بين الواقعية الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية، وتُحسن قراءة معادلات السوق العالمية للطاقة، لاسيما في ظل المنافسة الشرسة من منتجي الغاز المسال والغاز الأمريكي واحتمالات عودة الإمدادات الروسية مستقبلا، فضلا عن بروز منتجين أفارقة جدد مثل موزمبيق وموريتانيا-السنغال، إضافة إلى ليبيا التي تملك احتياطات كبيرة غير مستغلة بالشكل الكافي.