فقدت الجزائر وولاية تيزي وزو، اليوم، أحد أبرز علمائها ودعاتها برحيل الشيخ سي الحاج محند الطيب عن عمر ناهز 92 سنة بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والدعوي والتربوي جعلت منه مرجعية دينية وثقافية بارزة في منطقة القبائل وفي الجزائر عموماً.
وُلد الفقيد يوم 20 جوان 1934 ببلدية إيفرحونن بولاية تيزي وزو ونشأ في بيئة محافظة حيث التحق منذ صغره بكُتّاب القرية لحفظ القرآن الكريم قبل أن ينتقل سنة 1948 إلى زاوية ثاغراسث بالقرب من سيدي عيش بولاية بجاية، أين تلقى تعليما معمقا في اللغة العربية وعلوم الشريعة وبدأ يكتشف معاني القرآن الكريم بعد أن كان يحفظه دون فهم تفاصيل ألفاظه.
واصل الشيخ الراحل مساره العلمي بمعهد ابن باديس بقسنطينة سنة 1953، غير أن اندلاع الثورة التحريرية وما رافقها من أحداث دفعه إلى الانخراط في النضال الوطني.
وفي سنة 1958 أوقفته سلطات الاستعمار الفرنسي برفقة عدد من رفاقه وزُج به في السجن حيث عاش محنة الاعتقال خلال سنوات الثورة.
وبعد الاستقلال عاد الفقيد إلى مقاعد الدراسة ليحصل سنة 1966 على شهادة الليسانس في الأدب العربي، قبل أن يلتحق بقطاع التربية الوطنية أستاذاً ثم مفتشا مساهما في تكوين أجيال من التلاميذ والأساتذة.
ويُعد الشيخ سي الحاج محند الطيب أول من ترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية ترجمة كاملة ومعتمدة، وهو المشروع الذي كرس له سنوات طويلة من البحث والتدقيق والاطلاع على مختلف التفاسير والترجمات. وقد استغرقت عملية الترجمة خمس سنوات كاملة، تخللتها جهود علمية كبيرة لضمان الدقة والأمانة في نقل معاني كتاب الله.
وحظيت ترجمته باعتماد مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة حيث صدرت في طبعات ورقية وصوتية بصوت الشيخ نفسه بعد مساهمته في مراجعة وتصحيح العمل على مدى سنوات ليبقى هذا الإنجاز أحد أبرز الأعمال العلمية في خدمة اللغة الأمازيغية والقرآن الكريم.
وقد عرف الفقيد بين تلامذته ومحبيه بدماثة أخلاقه وتواضعه وحرصه على نشر العلم وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية ما أكسبه مكانة خاصة في قلوب الجزائريين.
وسيوارى جثمان الفقيد الثرى غداً بمقبرة مدوحة بتيزي وزو بعد أداء صلاة الجنازة ظهراً بمسجد أبي يعلى الزواوي فيما يستقبل أهل الفقيد التعازي بمقر سكناه بالمدينة الجديدة بتيزي وزو.
برحيل الشيخ سي الحاج محند الطيب تفقد الجزائر علما من أعلامها ورمزا من رموز العلم والدعوة، تاركاً وراءه إرثا علميا وثقافيا سيظل شاهدا على مسيرة رجل أفنى حياته في خدمة القرآن الكريم والعلم والوطن.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال