ثقافة

حكاية السينما التي عشقت الجزائر وجمالها

تخيلوا المشهد: إنه شهر ديسمبر من عام 1896، لم يمضِ على اختراع السينما سوى عام واحد، حتى وصل المُشغّل الشاب ألكسندر بروميو، مبعوث الأخوين لوميير، إلى ميناء الجزائر العاصمة حاملا معه أغرب اختراع في ذلك العصر.

  • 159
  • 5:09 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

منذ أن اخترقت أول شعاع ضوئي عدسة كاميرا بدائية، كانت الجزائر حاضرة، كبطلة صامتة تنتظر دورها على مسرح السينما العالمية. لم تكن مجرد موقع تصوير عابر، بل كانت لوحة فسيفسائية من الضوء والظل، ومختبرا بصريا فريدا امتزجت فيه عراقة الشرق بغموض الصحراء وبياض المدن المتوسطية. وقد فتح ألبوم الذكريات السينمائية، مسافرا عبر الأزمنة لكشف كيف تجولت الكاميرا في أرجاء الجزائر، تاركة خلفها إرثا من المشاهد السينمائية.

الفجر الأول.. عندما أطلّ الأخوان لوميير من شرفة المتوسط

تخيلوا المشهد: إنه شهر ديسمبر من عام 1896، لم يمضِ على اختراع السينما سوى عام واحد، حتى وصل المُشغّل الشاب ألكسندر بروميو، مبعوث الأخوين لوميير، إلى ميناء الجزائر العاصمة حاملا معه أغرب اختراع في ذلك العصر.

في شوارع باب عزون وساحة الحكومة، قام بتصوير أول لقطات سينمائية في تاريخ البلاد. لم تكن تلك المشاهد القصيرة الصامتة مجرد تسجيلات وثائقية، بل كانت "النبضات الأولى" للقلب السينمائي الجزائري. أفلام مثل "صلاة المؤذن" و"السوق العربية" لم تكن تبحث عن الدراما، بل كانت تلتقط الشعر الكامن في الحياة اليومية، معلنة أن هذه الأرض ستكون ملهما أبديا للعدسة.

الجزائر وجهة جديدة لأفلام "شارلو"

ظلت الجزائر ولفترة محل اهتمام "شابلن"، فقد أحبّها كثيرا. كما بقيت فكرة تصوير فيلم جديد له على أرضها تراوده لا تزال بعد عودته من رحلته فيها في أعقاب إلغائه لزيارة اليابان، كما شهد على ذلك "آلف ريفز"، مدير استوديوهات شابلن ومدير أعماله، الذي كشف بدوره عن سيناريو فيلم تدور أحداثه في الجزائر يتقمّص فيه "شابلن" دور شيخ عربي يريد أن يبادل ثلوج منطقة "كلانديك" بشمال كندا مع رمال الجزائر الساخنة، ليمنح في عملية مقايضة بعضا من الجو المنعش في قالب هزلي. غير أن مشروع هذا الفيلم لم يتمّ وتغيّر بعدها ليقع الاختيار على بريطانيا كوجهة لفيلمه الجديد كان عنوانه "لندن 14".

وصل الأمر بشابلن في إعجابه بالجزائر بعد ذلك حدّ التفكير في جعلها منطلقا له لإنتاج أفلامه برمّتها، وهو ما صرّح به الصحفي الأمريكي Oviatt McConell في مقال بصحيفة New York World Telegram  ، صدر بشهر ماي من عام 1931 تحت عنوان "شابلن بثروة تبلغ خمسة ملايين دولار سوف يتخلى عن هوليوود من أجل الجزائر". كما ورد في هذا المقال، باستناده على تصريحات "كارلايل روبنسون" سكرتير "شابلن" في نيويورك، ممثله الشخصي ووكيله الصحفي بفندق "تافت "Taft، بأن "شابلن" يستعد الآن لبدء تصوير مشاهده الجديدة بالجزائر، لقد سئم من هوليوود وليس لديه أي خطط للتقاعد الآن".

بينما كشف المراسل الصحفي "ريتشارد ماكميلان"، الذي اشتهر لاحقا كونه أحد أبرز مراسلي الحروب بالحرب العالمية الثانية، في كتاب له بعنوان "عشرون ملائكة فوق روما: قصة سقوط إيطاليا الفاشية" عن زيارة "شابلن" لمدينة بوسعادة برفقة "ريكس إينغرام"، وهو "ريجينالد إينغرام مونتغومري هيتشكوك" المخرج الأمريكي ذو الأصول الإيرلندية، حيث اقترح عليه، أي ماكميلان، لعب أحد الأدوار في فيلم جاري التصوير، قائلا: "جاء شابلن وريكس إنغرام في زيارة لبوسعادة وقرّرا أنه يمكنني لعب دور الصبيّ الصغير لذلك عدت معهم إلى الولايات، كنت قد تعلّمت فيها اللغة الإنجليزية في ثمانية عشر شهرا، لكني أفضّل الصحراء عن هوليوود، وقد عدت مرة أخرى لاستخدام لغتي الإنجليزية لكسب لقمة عيشي".

وفي نفس السياق بعرض مشاريع "شابلن" بالجزائر دائما، كتبت "الدايلي كرونيكل" في أبريل عام 1931 عن نية "شابلن" بنقل معدّات وتجهيزات الأستوديو الخاص به في هوليود إلى الجزائر، حسب ما جاء على لسان وكيل أعماله وممثله "شارل روبينسون" لصناعة الأفلام في الضفة المقابلة للأطلسي، كما أشارت الصحيفة التي استندت إليها "ليكو دالجي" على أن "شارلي شابلن" قرّر إنتاج فيلمه الجديد بالجزائر، ولهذا الغرض غادر ممثله "روبينسون" إنجلترا متّجها إلى الولايات المتحدة في مهمة من أجل دراسة إمكانية نقل أستوديو "شابلن" الخاص بأكمله بهوليود إلى الجهة المقابلة من المحيط الأطلسي.

القصبة تحت الأضواء: حين صارت الأزقة أيقونة لا يمكن الحديث عن السينما في الجزائر دون الوقوف أمام فيلم "بيبيه لو موكو" (Pépé le Moko) عام 1937.

كان المخرج جوليان دوفيفييه ذكيا بما يكفي ليدرك أن قصبة الجزائر ليست مجرد ديكور، بل هي الشخصية الرئيسية. أزقتها الضيقة، سلالمها المتعرجة، وشرفاتها المتلاصقة تحولت إلى متاهة نفسية تجسد روح جان غابان الهاربة. منذ تلك اللحظة، أصبحت القصبة "نجمة سينمائية" بحد ذاتها، أيقونة حاضرة في المخيلة البصرية العالمية.

رمال تحكي الأساطير: هوليوود تصطدم بسحر الصحراء

حيث تلتقي الكثبان الرملية بالسماء، هناك اكتشفت السينما العالمية أستوديوها الطبيعي الأعظم. في قلب الصحراء الجزائرية، وبالتحديد في بوسعادة وبسكرة وتمنراست، التقطت الكاميرات صورا من عالم آخر. في عام 1921، غامر جاك فيدر في أعماق الأهقار ليصور "أتلانتيد" (L’Atlantide)، محولا جبال الطاسيلي إلى مملكة أسطورية ضائعة. لاحقا، ستأتي هوليوود بأثقالها لتقديم الملحمة التوراتية "شمشون ودليلة" (Samson and Delilah) عام 1949، محولة واحات بوسعادة وبسكرة إلى أرض كنعان القديمة، لتثبت أن رمال الجزائر تصلح لأن تكون مسرحا لأي زمان ومكان، فضلا عن فيلم The Garden of Allah عام1936 للمخرج Richard Boleslawski  و بطولة مارلين ديتريتش، والذي صور جزء منه في بسكرة.

حين ترجل الغرب الأمريكي في بوسعادة

في واحدة من فصول هذا التاريخ شهد عام 1967 تصوير فيلم "الويسترن سباغيتي" الجزائري- الإيطالي "ثلاثة مسدسات ضد قيصر" (Trois Pistolets contre César) في بوسعادة. تخيلوا رعاة بقر بقبعاتهم العريضة يتجولون بين الكثبان الرملية والواحات، في تداخل سريالي رائع بين أيقونات الغرب الأمريكي وعراقة الصحراء الإفريقية. هذه التجربة الجريئة أثبتت أن الجغرافيا الجزائرية مرنة بما يكفي لخداع عين المشاهد وتقمص أي هوية بصرية.

من دراما الوجود إلى هموم الثورة: وجوه عالمية على أرض المليون شهيد

لم تكن الجزائر مجرد خلفية للملحمات التوراتية أو قصص الحب الغريبة، بل كانت أيضا فضاء للأسئلة الوجودية العميقة. في عام 1967، جاء الإيطالي الكبير لوكينو فيسكونتي ليصور مشاهد من رائعة ألبير كامو "الغريب" (L’Étranger) بطولة مارسيلو ماستروياني، مستلهما العبثية تحت شمس الجزائر الحارقة. وفي بني عباس، أقام مواطنه برناردو برتولوتشي خيام فيلمه الشاعري "شاي في الصحراء" (Un thé au Sahara)  ليغوص في سيكولوجية الوحدة.

ومع اقتراب ذاكرة التحرر، ظهرت أفلام حفرت عميقا في الجرح والذاكرة مثل "بوابات الشمس" (Les Portes du soleil) الذي صور مأساة الفلسطينيين في وهران، أو فيلم "السؤال" (La Question)  لروجيه حانين الذي فضح همجية التعذيب، وصور في زنازين وحواري تحمل عبق المقاومة. حتى سيدي بلعباس، معقل الفيالق، صارت موقعا لتصوير أفلام خفت فيها روح الدعابة أحيانا كما في أفلام فرناندل مثل "واحد من الفيلق" (Un de la légion) عام 1936، قبل أن تتحول إلى مسرح للدراما الجادة.

أرشيف من السليولويد: بصمات لا تُمحى

القائمة تطول وتتنوع حدائق التجارب في الحامة التي تحولت إلى غابة لـ "طرزان بين قاطعي الرؤوس" عام 1963؛ آثار تيمقاد الرومانية التي شهدت مغامرات كيرك موريس العضلية؛ فيلم "الاعترافات الأكثر عذوبة" الذي طاف بكاميرته في حيدرة وعنابة؛ وفيلم "قادة المئة" (Les Centurions) الذي جمع أنطوني كوين وآلان ديلون وكلوديا كاردينالي في ملحمة عسكرية صورت على التراب الجزائري. وحتى فيلم "غولغوثا" عام 1934 الذي صور في برج الكيفان (فور دو لو) ليخلق نسخته الخاصة .